التظاهرات وخيارات العبادي
صوت القوى المدنية
التظاهرات تعني ضمنا سحب تفويض الشعب للحكومة او أحد وزرائها او مجلس النواب والوزراء مجتمعين حسب ما تفرزه التظاهرات من طلبات تفرضها الإرادة الشعبية ومدى قدرتها على فرض نفسها على المسؤول، وفي التظاهرات الأخيرة في بغداد والمحافظات إنصب غضب المتظاهرين على كل من له علاقة بملف الكهرباء وأولهم وزير الكهرباء نفسه قاسم الفهداوي ثم وزير النفط عادل عبد المهدي لأنه لم يزود وزارة الكهرباء بالوقود اللازم لتشغيل المحطات، ثم وزير المالية هوشيار زيباري الذي لم يعط وزارة النفط التخصيصات المالية الخاصة بوقود المحطات ثم نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة بهاء الأعرجي لأنه تسلم هذا الملف ولم يغير شيئا بالإضافة الى سعيه مؤخرا لبيع محطات التوليد المشيدة بأموال العراقيين الى شركات أجنبية تحت لافتة الإستثمار، وإتسعت المطالب لتشمل محاسبة كل الوزراء الذين تسلموا وزارة الكهرباء منذ عام 2003 ولغاية الأن ووكلائهم وحتى المدراء العامين في وزارة الكهرباء لوجود ملفات فساد كبيرة بشهادة أكثر من مسؤول عراقي.
ولما تصاعدت وتيرة المظاهرات تصاعدت معها المطالب وهذه نتيجة طبيعية لأن ذلك يعني إصرارا متزايدا على سحب تفويض أكبر عدد من المواطنين من أكبر عدد من المسؤولين، والذي قد ينتهي بمطالب أكبرمثل إجراء إنتخابات مبكرة أو غير ذلك من الإحتمالات التي بات الباب مفتوحا ليتسع لأكبرها حجما. وأمام ذلك تتجه الأنظار الى رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي كي يقوم بحركة تصحيحية كبرى تعيد بعض الأمل بإمكانية عودة الحياة الى طبيعتها في هذا البلد الذي سلمته الحروب الى بعضها منذ عام 1980 ولغاية الأن دون إنقطاع وتركت عليه أثارها ومعالمها التي لا تنحصر في إنعدام فرص الحياة الحرة الكريمة حسب بل في ابيضاض شعور الشباب بأعمار العشرينات وتغضن جباه نسائه في الثلاثينات ونبرة الحزن في شعر شعرائه وحتى غناء مطربيه وموسيقاه. دعا بعض الكتاب والمثقفين العبادي ليأخذ دورا شبيها بدور السيسي في مصر، ورغم إن الفرصة تبدو مؤاتية إلا إنها تعترضها عدة عوائق ذاتية تتعلق بشخصية العبادي نفسه، وموضوعية تتعلق بالوضع العام في العراق، فالسيد العبادي إبن حزب الدعوة ولازال لا يستطيع حلق لحيته بالكامل لأن الفقه الإسلامي يحرم حلق اللحية فلا يريد أن يبدو مخالفا لما تفرضه عليه ثقافته الدينية-الحزبية، وهو قد جاء الى السلطة بعملية إنشقاق بالحزب وكتلة دولة القانون فهل من الممكن أن يتنكرلهؤلاء الزملاء الذين فضلوه على أمين عام حزبهم ورئيس وزراء العراق السابق نوري المالكي؟ يعول البعض على طبيعة دراسته ومكانها، فهو حاصل على شهادة الدكتوراه في هندسة الإتصلات وقضى معظم سني معارضته لنظام صدام أما دارسا أو مقيما في لندن، لكن ذلك لم ينم عنده ثقافة بديلة بحيث يترك حزب الدعوة ويفكربالإنتماء الى حزب ليبرالي أو ديمقراطي أو أي من الخيارات التي من الممكن أن تقوده اليها الدراسة والحياة في لندن، فكيف يمكن التفكير بإحتمال حدوث ذلك في العراق الان حيث الخطاب والسلوك السياسي منغمس حد الإغراق بالخطاب الديني-الطائفي؟
هل ثمة داع لأن أذكرإن الوضع في العراق يختلف تماما عن الوضع في مصر؟ لقد ورث السيسي جيشا منظما عامرا كامل العدة والعدد، فيما ورث العبادي جيشا بأغلبه من الفضائيين والفاسدين الكبار، وورث السيسي قوى أمنية وإستخبارية ربما تكون الافضل في كل المنطقة العربية،فيما ورث العبادي قوى أمنية ومخابراتية مخترقة من قبل الأحزاب والميليشيات وتخضع لها أكثر مما تمتثل لرئيس الحكومة. وثمة في العراق ميليشيات قد يكون بعضها أقوى من الجيش والقوى الأمنية، فهل لمحاولة مثل التي يدعو لها بعض الكتاب أن تنجح رغم كل ذلك؟
الإحتمال الوحيد لأن تنجح مثل هذه المحاولة هوبمساعدة طرف خارجي قادر على فرض واقع القوة على الأرض وعلى الجميع والطرف المرشح لذلك هو الولايات المتحدة الأمريكية، فهل من الممكن أن تفعل الولايات المتحدة ذلك؟ الجواب المؤكد إن الولايات المتحدة في ظل قيادة أوباما لا يمكن أن تتورط بالدخول في تفاصيل الأمور في العراق وخاصة مسألة إرسال قوات برية الى العراق ثانية، لذا فالطلب الى العبادي أن يستغل المظاهرات ليزج بالفاسدين في السجون ويقيم دولة القانون طلبا لا تسنده حقائق الأشياء وغير واقعي وغير منتج.
يبقى علينا أن نسأل،هل من الممكن أن تنتج مظاهراتنا شيئا؟ اقول إبتداء هي أنتجت شيئا، فقد أصبح للقوى المدنية صوتا صادحا، وقد إنكشف زيف الإسلام السياسي حين وضع في السلطة لأكثر من 12 عاما، وعلى المستوى السياسي من الممكن أن تفضي المظاهرات الى فرض طلب إجراء إنتخابات مبكرة بإشراف الأمم المتحدة وبمفوضية إنتخابات تشرف على إختيارأعضاء مجلسها الأمم المتحدة ولا دخل للأحزاب المشتركة بالحكومة ومجلس النواب بذلك، وهذا يحتاج الى أن يقوم المنظمون لهذه التظاهرات بتنظيم أنفسهم ليخلقوا تيارا مدنيا جديدا عابرا للطائفية والقومية وهوما تتطلبه المرحلة التاريخية للعراق بشدة.
نصيف الخصاف – بغداد



















