شاعرة جنوبية تطلق شتائم مجانية

شاعرة جنوبية تطلق  شتائم مجانية

ذات المرأة أزاء زيف العالم

حيدر الاسدي

البصرة

مريم العطار شاعرة جنوبية من ميسان تولد 1987 تكتب القصة والشعر، تتسم بإحساس عال يجعلها تلتقط عبر حساساتها الشعرية ابسط اعوجاج في الشخصية الانسانية ولا سيما الشرقية ، وهذا ما يمكن ملاحظته عبر تجاربها الشعرية في قصيدة النثر، كنت قد كتبت عنها سابقا مقالا نقديا وها انا اعود هذه المرة مع مجموعتها الشعرية (شتائم مجانية) الصادرة عن دار الفراشة للنشر والتوزيع والتي اهدتني اياها مؤخرا، تفتح المجموعة بمقتبس للشاعر العراقي لسركون بولص ( من يوقف العالم من الانجراف …او يسد من اجلنا باب القيامة ،باية صخرة …لا احد) المقتبس ايحاء لما بعد ، واشارة لمضامين المجموعة وبخاصة اذ كان لشاعر تأثرت مريم نفسها بشعريته.هذا المفردة الاخيرة (لا احد) ستكون جزءاً مهيمناً عبر مرفوضات الشاعرة في فضاءات نصوصها تلك المرفوضات المأسسة عبر الواقع المعاش. وفي نص سيرة ذاتية تقول (انا ابنة تلك الجماجم

التي عثروا عليها على الحدود

وام لطفلة يجعلونها تبيع جسدها

في مخيمات النازحين)

تردد الانا المضمخ بالالم والجراح وليست انا نرجسية كانت سمة غالبة في نصيات العطار ،حتى تشبيهات مريم العطر من واقعنا ولكن ليست بسطحية او مباشرة بل من واقعنا المؤلم من القاع الجريح وهو ما يجعل القصيدة تصل لذات المتلقي وبخاصة العراقي كما في(انا صدى سعال امراة مرمية في الردهات…او فلتر سيجارة زوجها العاطل عن التفكير)وبعد كل تلك الانوات التي اصدرتها مريم العطار لتمثل بالمجموع منغصات الحياة العراقية ياتي الجواب في الازاء في المقابل الاخر لتلك الانوات (وهذا العالم اشبه بمرحاض عام) وفي ( نص دمية لطيش القدر)تعود بنا الانا حاضرة مرة اخرى في مفتتح القصيد (انا اتعس كائن في البيت …هناك اشخاص يحاولون الغائي…الجنود في لعبة الشطرنج ابي..دائما يسعون لقتلي) تكررت الانا اكثر من مرة في هذه القصيدة التي ترجمت فيما بعد الى اللغة الانكليزية من قبل شاعر بريطاني كما ان القصيدة التي عنونت بها مجموعتها (شتائم مجانية ) هي افصاح تام عن بواطن السيكولوجية الشرقية ضمن الاطار الداخلي للعائلة ولم تكتفي بهذه الخصوصية بل لمحت لتعمميها في فضاء النص ودلالته وهو لمحة ذكية من الشاعرة مريم العطار. وتستمر ادوات العطار في الافصاح عن نفسها دون خشية من ذكورية المجتمع ونرجسيته فهذه المرة عبر عتبة نصية وقصيدة معنونة بـ(انا سوداء) تقول فيها(انا مواطنة سوداء ..راسي اسود ، نهدي اسود ..قدري اسود ، تدهشني يدك الحديدية ، كيف تثمر في تربة الاجساد……كيف تغمس اصابعك في حلاوة الشقروات وانا امراة جنوبية) الانا لدى العطار هنا وحتى في نقد البطريركيةالشرقية انا متمردة ، تفخر بنرجسيتها ،وهذه الابوية تتكرر عبر مفردات تنصهر في نصوص العطار ( الجسد nالاسود-الفراغ…الحرب)مع هذا فالمقابل ثمة مفردات اكثر تفاؤلا (المطر-النوافذ) الحياة وفسحة الرؤية البلورية للاخر انطلاقا من الذات الباصرة ، والعطار تكثر من اظهار التشبيهات في نصوصها ، وهو تأثر كبير لاحظته ينغمر في فضاءات العطار الشعرية وهو بقراءة تلقي سيكولوجية تمرد على الابوية الواقعية التي فرضتها محددات المجتمع على نطاقات الافصاح لدى المراة ، تلك المراة التي كانت شخصية بطلة في نصيات العطار. والتي هي الاخرى كانت تفتش عن مضمونية وجود الانسان اكثر من شكلية طرح الموضوع الشعري وهو ما يغمر نصوصها بالاحساس العالي عند التلقي ، وتتضح النقمة هذه على الوضع الخارجي ولاسيما السياسي في نص ( وثيقة متسخة) فهي تبصق على الزيف السياسي الذي يمارسه شذاذ الافاق في ادارة دفة الحكم في بلدنا وهي تشير لهذه المفصلية في نصوص اخرى عبر تكرارية مفردة ( العهر) التي تستخدمها لوصف الزيف في نصياتها.كما ان نصوص العطار تجعلنا امام حواريات مع الذات نعيد ترتيب اوراق القصيدة لنسال انفسنا هل نحن نعيش في (مملكة النمل) ونصوم عن التغيير لدرجة بات احدنا او كلنا ينتظر ابراهيم جديد يحمل الفاس ليهدم اصنامنا!!انها رؤية تفصح عن اوراق المجتمع الذي تعيش ونعيش فيه مريم ونحن!فهي ترى في نص (مملكة النمل) (لا ضوء سوى انحطاط يليق بنا) ولكن هل (يكفي العمر…النوم ………لستر عورة الواقع …يا مريم) اسئلة استفزازية تطرحها العطار كما في ( من سيرمم الخراب في منتصف الليل)والخراب-خرابنا،خراب الذات،خراب الاخر،خراب العالم ، والترميم السعي لاصلاح ما فسد ، ولكن كيف يحصل ذلك في (السواد/الليل الدامس/عتمة ايامنا رؤيتنا / بصيرتنا) اليس هذا استفزاز من العطار لذواتنا/ذات الاخر، وثمة قصيدة جريئة جدا جاءت بعنوان( احلم بغجر الحي) وفيها تمرد واضح من العطار ، وحسب تراتبية النصوص تشعرني العطار بالافصاح عن مشاعرها جراء استلهام صور الواقع في نصياتها ومدى تاثرها بتلك الصور وتراتبية تلك المشاعر الناقمة، وهذا ما يتم ملاحظته عبر التاثر والتاثير في النصين المتواليين (احلم بغجر الحي) و(كل شيء عدم) وكان النص الاخير هو افضاء لما قبله ونتيجة حتمية لمشاعر امراة شرقية تقلبت امامها كل صور الزيف المجتمعي!! وبعد كل هذا هل ان العالم وراء النوافذ يحترق يا مريم…هذا ما ستجدون جوابه في المجموعة الشعرية (شتائم مجانية) تلك الشتائم التي وزعتها الشاعرة على امراض هذا العالم المترع بالزيف!