سلمى الغريبة (1)
غازي فيصل شرهان العرس
خرجت سلمي للنزهة في الصحراء المترامية الاطراف المحيطة بالقرية التي تعيش فيها وهي البنت البكر لرئيس القبيلة والتي احبها ابواها وافراد عشيرتها حبا جما لدماثة خلقها وحسن تصرفها وعطفها على ابناء العشيرة ولاسيما اطفالها فكانت ترعاهم وتعطف عليهم وتجلب لهم اللعب والحلويات.
خرجت سلمى وهي ممتطية حصانها الأصيل ولم تجد السائس ولا حراس القرية لأنها بكرت بالخروج ولم تجد والديها.
توغلت في الصحراء حضرا بدون هدف معين سوى الرغبة بالانطلاق والرياضة وبعد ابتعادها عن القرية بزغت الشمس وارسلت اشعتها الذهبية على بقاع المنطقة فبدت الازهار تتمايل مع موجات الرياح الخفيفة وهنا وهناك ازهار شقائق النعمان الحمر تزهو بالوانها الرائعة التي تزين اكتاف الوديان باحلى واجمل المناظر التي تسحر الالباب.
اندفعت سلمى وهي تمسك عنان الحصان بقوة وتضغط بساقيها على ظهره والحصان يزهو فخرا لان على ظهره اجمل مخلوقة في البادية ويتمنى ان تراه الخيول وهو يصاحب سلمى الفاتنة ليغيرهم. ابتعدت سلمى عن قريتها كثيرا والوقت يمر وهي غير مبالية بما يصيبها من تعب وارهاق واخذ العرق يتصبب على كتفي الحصان وارتفعت الشمس واصبح موقعها بين الأفق والزوال مناصفة ويدعى هذا الوقت بالضحى.
تعبت سلمى وهي على قرب من تل مرتفع، تسلقته وترجلت فوق قمته وربطت حصانها بساق شجرة منفردة قريبة منها. انطرحت على الارض لترتاح قليلا واذا بالسبات يداعب عينيها فغطت بنوم عميق استغرقت ساعات عدة. واذا بشيء ناعم الملمس ينساب على ساقها ويصعد الى فخذها نهضت فزعة ونفضت قميصها بقوة واذا بافعى كبيرة تسقط على الارض ورأسها يرتفع متحديا سلمى ولما شاهدت الافعى وهو ينفث سمومه وينظر اليها فزعا قفزت راكضة بعيدا عنه وشاهدت الحصان يصهل معربدا عندما شاهد الافعى وهو هائج ويضرب الارض بحوافره.
عادت سلمى الى حصانها والشمس كادت ان تكون عمودية اي ان الوقت صار ظهرا وعليها ان تعود الى القرية ولابد ان امها افتقدتها واخبرت والدها الشيخ عن غيابها. امتطت حصانها واتجهت الى القرية حضرا (باقصى سرعة)؟ وفكرها مشغول بوالديها بماذا يفكرون، وقد غابت عن القرية وقتا طويلا بغير المعتاد توزع اخوتها على جميع الاتجاهات في الصحراء بحثا عنها وارسلوا الخدم بحثا عنها عند اعمامها او عماتها او خالاتها. وهكذا ساورتها افكار كثيرة وهي بهذه الحالة من التشويش واذا بنهر عميق خال من الماء يعترض طريقها ولم يتمكن الحصان من قفزه بل وقف فجأة مما سبب اسقاطها من الحصان فسقطت على رأسها مغميا عليها. بقيت الى ساعة متأخرة من النهار وهي بحالة اغماء واذا بفارس شاب يقترب منها ويترجل واذا به امام فتاة في ريعان الصبا جميلة في غاية الجمال ولباسها يدل على علو منزلتها وحصانها اصيل يقف بجوارها كالحارس. تكلم معها فلم تجبه وثم ضرب على خدها ورش ماء على وجهها فتحت عينيها ثم نظرت حولها فشاهدت حصانها بالقرب منها وهذا الرجل الغريب يحاول التكلم معها. قال الشاب من انت ايها الشابة؟ قالت من انت؟ ولماذا انا هنا؟ قال الشاب انا اسألك من انت؟ ومن اية القرى والعشائر انت؟ قالت لا ادري لا اتذكر اي شيء حتى لم اعرف من انا وما هو اسمي؟
قال هل ترغبين المجيء معي وان قريتنا قريبة وستعتني بك امي ونحن من عشائر الجبور، وسنحافظ عليك الى ان تجدين اهلك؟ ومن ملابسك والحلي الذهبية التي في رقبتك وعلى رسغك يدل على رفعة اهلك وعلو منزلتهم الاجتماعية.
انهضها وساعدها على ركوب حصانها واتجها الى قرية الشاب. وبعد مسيرة طويلة عبر صحراء قاحلة وصلا القرية عند الغروب ترجلا واوصلها الى امه وقال لها ان هذه الفتاة فاقدة الذاكرة ولا تعرف اهلها وقد وجدتها في الصحراء مغميا عليها على اثر سقوطها من الحصان الذي لم يمكن من قفز نهر عريض. ابتسمت امه ورحبت بالفتاة وقبلتها وقالت لا تهتمي سأكون لك اما حنونا وسأعتني بك واحافظ عليك ولن يصيبك عندنا اي مكروه الى ان يفتح عليك المولى وتتذكرين اهلك.
مكثت سلمى في هذه الدار وهو بيت رئيس العشيرة، وعلم الشيخ بقصتها وطلب من زوجته المحافظة عليها. مرت سنتان وسلمى في الدار ولم تتمكن من معرفة اهلها. ومن غريب المصادفات ان رئيس هذه العشيرة سبق ان خاصم والد سلمى بخصوص قطيع غنم يعود الى والد سلمى رعى في حقل حنطة يعود الى رئيس العشيرة المضيفة لسلمى وذلك قبل ايام من سقوطها ولذلك مازار اهلها العشيرة بحثا عنها. كان الشاب خالد يرى سلمى في الدار ويسلم ويتبسم لها واحيانا يسأل عن احوالها وصحتها وهل تذكرت اهلها. وبعد مرور مدة فاتح خالد والده الشيخ برغبته بالزواج من الفتاة الغريبة. قال الشيخ لا نعرف هذه الفتاة من هم اهلها وهل منبتها اصيل وشريف ولو ان مظهرها وملابسها وتصرفاتها تدل على علو منزله وانها من عائلة غنية.. ولكن الغنى لا يعني الشرف والاصالة والمنزلة الرفيعة في المجتمع وكثير من الفقراء محترمون من الناس ولهم مكانتهم في المجتمع رغم فاقتهم لذلك يا ولدي خالد دعنا نعرف اهلها وحلال عليك زواجها عندئذ على سنة الله ورسوله.
مرت سنة على لقاء خالد بوالده ومحادثته بشأن زواجه من الفتاة فوافق الاب على الزواج من الغريبة والتي سموها (غريبة).
عاشت غريبة مع زوجها خالد سعيدة وهانئة في حياتها وكانت محبوبة من ام خالد ووالده ومن اخوته واخواته ومن كل من عرفها والتقى بها. فهي فتاة اصيلة من عائلة محترمة وابوها كما ذكرنا شيخ عشيرة وتربت تربية جيدة. ومرت الايام والاشهر والسنون سريعا وانجبت خلال خمس وعشرين سنة ثلاثة اولاد وبنتين واكبر الاولاد بعمر عشرين سنة والاخرون اصغر منه بسنوات عدة. وقد تدرب الاولاد على ركوب الخيل واستعمال مختلف الاسلحة المتيسرة آنذاك وتعلموا القراءة والكتابة وقراءة القرآن وبعض احاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم).
وفي احد ايام الصيف الحار وفي منتصف الليل نهضت عائلة الشيخ على اثر صياح وعويل واستغاثة خرج الجميع يحملون اسلحتهم واذا بجمع من الرجال تمسك بعدد من رجال العشيرة ومن ثم هجم اكثر من عشرين رجلا على دار الشيخ وبدأت معركة بين المهاجمين وبين اولاد الشيخ وخدمه وحراسه وسقط عدد من الرجال قتلى من كلا الجانبين. والحصيلة ان المهاجمين اسروا اولاد الشيخ وربطوهم بالحبال وسبوا النساء ومن جملتهن (غريبة) التي مازالت تحتفظ بجمالها وانوثتها فاعتقد المهاجمون بأنها شابة يمكن الافادة منها ولم يعرفوا انها ام لخمسة، وانهم لم يأخذوا البنات لاختفائهن خارج القرية. اخذوا الاسرى والغنائم من غنم وبقر وابل وما خف وزنه وغلا ثمنه من الاشياء الاخرى في الدور. والذي يهمنا من السبايا (غريبة) اخذوها مع الباقين ولما وصلوا الى القرية سلم اولاد الشيخ غريبة الى امهم وذهبوا الى المضيف حيث يجتمع الشيخ مع رجال القبيلة لتقسيم الفنائم والسبايا.


















