
ذكريات ومستجدات من أيام كلية الشرطة
مارد عبد الحسن الحسون
تظل للذكريات حضورها الكبير خصوصاً اذا ارتبطت باحداث غيرت حياتك وتعلقت بما نعيشه في الوقت الحاضر وبذلك نكون قد وفرنا معلومات على جانب من الضرورة للأطمئنان على ماحققته بأنه يستحق التذكر .
من الذكريات التي مازالت تلح في ذهني الاحداث التي عشتها في الاسبوع الاول من شهر شباط عام 1969 ،يوم تخرجي من كلية الشرطة انذاك الدوره 23 برتبة ضابط ملازم وتنسيبي الى أمرية قوة الشرطة السيارة اللواء الثاني في فوج احتياط السماوة ومنه الى سرية حراسة معتقل الفضيلة الذي كان معتقلأ فيه رئيس الوزراء الفريق طاهر يحيى واعضاء حكومته.
كانت افراحي شبابية تطلعية ، وكان والدي عبد الحسن الحسون شيخ عام عشيرة بني عارض ووالدتي مستبشرين بذلك وشهد مضيف العشيرة زائرين على امتداد ايام للتهنئة بالحدث الجيد في حين ظل الكهوچي گركَور وولده فنوخ نشطين في اعداد القهوة العربية المهيلة على الضيوف ، .
انتظام دقيق
ومع تخرجي وفرحي وانشغالي بمتطلبات الوظيفة ،لكن السنوات التي امضيتها في كلية الشرطة بقيت على حضورها الطاغي في ذاكرتي خزينا لا يفارقني ، وكأنها حصلت بالامس رغم عشرات السنين التي مرت عليها .ما اذكره عن ايام الدراسة في كلية الشرطة الانتظام الدقيق وقتاً وتدريباً قاسياً في اغلب الاحيان مع تعدد الدروس العلمية القانونية والمهنية رصيد ضابط الشرطة بعد الالتحاق بالوظيفة ، ومن الطرائف التي مازلت احتفظ عنها ، النعاس الذي يلح على بعضنا بعد تعب التدريب البدني والفروسية فتأخذنا الغفوة اثناء الجلوس للاستماع الى الاستاذ المحاضر وهو يتحدث ولا يفوته التندر على بعض الطلبه وهو يرى هذا المشهد الطريف المتكرر الى حد ان احد الطبة الذين كان قريب مني على المقعد الدراسي يهمس وهو يؤشر على البعض( بدت الاحلام السعيدة) .
لقد كنا نغالب تعب التدريب في شدة الانتباه للاستاذ بنسبة عالية حيث علينا تدوين اغلب ما يتطرق له المحاضر . لقد تابعت هذه الظاهرة فوجدت ان التدريب الجسدي يكون قاعدة ناجحة للتدريب الذهني عندما يتجاوران في الوقت لان هذه المجاورة تبقي الذهن في حالة انتباه مرتفع مما يعزز فترة اليقظة الذهنية أطول لا تنقطع مع اعتقادي ان الدراسة في كلية الشرطة آنذاك كانت أصعب لأكثر من سبب واحد ، لان الطالب المنتمي في ذلك الوقت لم يكن يملك اية وسيلة تقنية للاحتفاظ مايتعلمه سوى ذهنه فقط رغم ما يتحمله من التدريب الجسدي ، كان عليه ان يكون نموذجا في الاستيعاب الذهني اعتمادا على تشغيل عقله فقط بدون اي مساعدة بينما الان هناك الذاكرات التقنية المصاحبة ، موبايلات ولاتوبات وتقنيات خزن يمكن ان تعود اليها وقت ما تشاء.
لقد كان طالب كلية الشرطة لا يعرف سوى انه عراقي وان عليه ان يصون وطنه ويحافظ على قيمة الرتبة التي على كتفه بعد التخرج ويترفع عن أي انتماء يجعله من حصة مكون عراقي معين. بل من حصة كل الشعب العراقي .
المجتمع العراقي الان اكثر تعقيدا بعد الذي اصابه من انحرافات بدليل الوساىل المتعدة المستخدمة في ارتكاب الجرائم وبدليل اخر تزايد الخصومات غير المسبوقة بين العشائر وتفشي الرشوة واغتصاب المال العام وانتشار المحسوبيات الطائفية والمناطقية وتنوع العنف الاسري والاجتماعي والانتشار الخطير للمخدرات والفساد .
تكييف دارسي
وهكذا امام هذه التحديات المتنوعة الامر الذي يتطلب المزيد من التكييف الدارسي في معاهد وكليات الشرطة لكي يتناسب التعلم مع مهمة التصدي لهذه الانحرافات المستجدة .
ان ضابط الشرطة الان يواجه تعقيدات شديدة لم تكن موجودة سابقا ولذا عليه ان يتعلم في كلية الشرطة المزيد من التدريب الذهني والجسدي لكي ينجح في وظيفته والاحتفاظ بقيمته الوطنية الحازمة لمواجهة كل الظواهر التي غزت مجتمعنا ولوثت البراءة الاصيلة التي كان عليها .



















