ديمقراطية الدم

كوهر‭ ‬يوحنان‭ ‬عوديش

اذا‭ ‬كانت‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تعني‭ ‬حكم‭ ‬الشعب‭ ‬فان‭ ‬الهدف‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬اعطاء‭ ‬الشعب‭ ‬حقوقه‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬سياسة‭ ‬البلد‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬او‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬ان‭ ‬الشعب‭ ‬من‭ ‬حقه‭ ‬تغيير‭ ‬الحاكم‭ ‬ونظامه‭ ‬عندما‭ ‬يتلمس‭ ‬تجاوزا‭ ‬على‭ ‬حقوقه‭ ‬ومصالحه‭ ‬حسب‭ ‬الصلاحية‭ ‬الممنوحة‭ ‬له‭ ‬وفق‭ ‬النظام‭ ‬الديمقراطي‭.‬

يمكن‭ ‬القول‭ ‬ان‭ ‬العراق‭ ‬جرب‭ ‬اغلب‭ ‬انواع‭ ‬الحكم‭ ‬من‭ ‬ملكي‭ ‬ورئاسي‭ ‬ونيابي‭  ‬برلماني‭  ‬لكن‭ ‬رغم‭ ‬ذلك‭ ‬بقى‭ ‬شعبه‭ ‬محروما‭ ‬تلاحقه‭ ‬المآسي‭ ‬وتلوي‭ ‬ظهره‭ ‬المعاناة،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬تفرد‭ ‬الحكام‭ ‬والمسؤولين‭ ‬بالقرار‭ ‬والاستحواذ‭ ‬على‭ ‬خيرات‭ ‬واموال‭ ‬البلد‭ ‬والتصرف‭ ‬بها‭ ‬كميراث‭ ‬شخصي‭ ‬دون‭ ‬ادنى‭ ‬وابسط‭ ‬مراعاة‭ ‬لحقوق‭ ‬المواطن‭ ‬العراقي‭.‬

ما‭ ‬يميز‭ ‬الدول‭ ‬المتحضرة‭ ‬والمتمدنة‭ ‬التي‭ ‬تحتكم‭ ‬الى‭ ‬النظام‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬ادارة‭ ‬البلد‭ ‬عن‭ ‬الدول‭ ‬المتأخرة‭ ‬ذوات‭ ‬الانظمة‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬او‭ ‬الفردية،‭ ‬هو‭ ‬قيام‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬المناصب‭ ‬الرفيعة‭ ‬والحساسة‭ ‬بالاعتذار‭ ‬وتقديم‭ ‬استقالاتهم‭ ‬عند‭ ‬ارتكاب‭ ‬خطأ‭ ‬ما،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬صغيرا،‭ ‬او‭ ‬الشعور‭ ‬بان‭ ‬تأديتهم‭ ‬لواجبهم‭ ‬فيه‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التقصير‭ ‬او‭ ‬اضرار‭ ‬بالمصلحة‭ ‬العامة‭ ‬او‭ ‬هدر‭ ‬للمال‭ ‬العام‭ ‬وذلك‭ ‬حفظا‭ ‬لكرامتهم‭ ‬وخوفهم‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬القانون‭ ‬وسخط‭ ‬الجماهير،‭ ‬لكن‭ ‬ديمقراطية‭ ‬العراق‭ ‬الجديد‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ديمقراطيات‭ ‬العالم‭ ‬لانها‭ ‬تعني،‭ ‬وبكل‭ ‬اختصار،‭ ‬التباهي‭ ‬وبلا‭ ‬خجل‭ ‬بنهب‭ ‬الوطن‭ ‬وتدميره‭ ‬دون‭ ‬محاكمة‭ ‬او‭ ‬محاسبة‭ ‬او‭ ‬ملاحقة‭.‬

انجازات‭ ‬الحكم‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬كثيرة‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تعد‭ ‬ولا‭ ‬تحصى،‭ ‬فبعد‭ ‬تهجير‭ ‬المكونات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والفتك‭ ‬بها‭ ‬والاستيلاء‭ ‬على‭ ‬املاكهم‭ ‬وعقاراتهم‭ ‬بقوة‭ ‬السلاح‭ ‬ونهب‭ ‬مئات‭ ‬المليارات‭ ‬من‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة‭ ‬وتدمير‭ ‬بنيتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬وبيع‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬المزادات‭ ‬الدولية‭ ‬وتذليل‭ ‬المواطن‭ ‬العراقي‭ ‬والانتقاص‭ ‬من‭ ‬كرامته‭ ‬وسمعته‭ ‬داخليا‭ ‬وخارجيا‭ ‬وجعل‭ ‬سكان‭ ‬اغنى‭ ‬بلد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يفترشون‭ ‬الارض‭ ‬ويتوسدون‭ ‬الحجارة‭ ‬ويلتحفون‭ ‬السماء‭ ‬ويبحثون‭ ‬عن‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬بين‭ ‬النفايات‭ ‬والقمامة‭ … ‬الخ،‭ ‬تجرأ‭ ‬الحكام‭ ‬الجدد‭ ‬وبكل‭ ‬وقاحة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬المطالب‭ ‬بحقوقه‭ ‬بالرصاص‭ ‬والغازات‭ ‬السامة‭ ‬سعيا‭ ‬لارضاخ‭ ‬الشعب‭ ‬للامر‭ ‬الواقع‭ ‬واسكات‭ ‬صوته‭ ‬وكسر‭ ‬ارادة‭ ‬المواطن‭.‬

كان‭ ‬على‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬والبرلمان‭ ‬الاعتذار‭ ‬للشعب‭ ‬العراقي‭ ‬وتقديم‭ ‬استقالاتهم‭ ‬فورا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬ارتكبت‭ ‬بحق‭ ‬العراقيين،‭ ‬لكن‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬قاموا‭ ‬بتحدي‭ ‬الشعب‭ ‬المتظاهروتغافلوا‭ ‬عن‭ ‬القناصين‭ ‬لقتل‭ ‬المتظاهرين‭ ‬وبعدها‭ ‬تروعيهم‭ ‬عبر‭ ‬اختطاف‭ ‬الناشطين‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تهديدهم‭ ‬بالسجن،‭ ‬وعندما‭ ‬فشلت‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الاجراءات‭ ‬قدموا‭ ‬حلولاً‭ ‬ترقيعية‭ ‬وتخديرية،‭ ‬مثل‭ ‬تعديل‭ ‬الدستور‭ ‬جزئياً‭ ‬وتشكيل‭ ‬مفوضية‭ ‬انتخابات‭ ‬جديدة‭ ‬وايجاد‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬وتعيين‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الحلول‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬دون‭ ‬طموح‭ ‬الشعب‭ ‬المتظاهر‭ ‬ولن‭ ‬تحقق‭ ‬مطلبهم‭ ‬الاول‭ ‬والرئيسي‭ ‬المتمثل‭ ‬باسترجاع‭ ‬الوطن‭.  ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الحلول‭ ‬لن‭ ‬تمس‭ ‬الحيتان‭ ‬الكبيرة‭ ‬المتهمة‭ ‬بنهب‭ ‬وتدمير‭ ‬الوطن‭ ‬ولن‭ ‬تضع‭ ‬حدا‭ ‬لفسادهم‭.  ‬همس‭  ‬لو‭ ‬كان‭ ‬حكام‭ ‬العراق‭ ‬الجدد‭ ‬يحسون‭ ‬بذرة‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬ويشعرون‭ ‬بالانتماء‭ ‬للعراق‭ ‬لما‭ ‬باعوا‭ ‬الوطن‭ ‬واعادونا‭ ‬الى‭ ‬عصور‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬وما‭ ‬تعمدوا‭ ‬في‭ ‬اغراق‭ ‬ارض‭ ‬الرافدين‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬الدم‭ ‬الطاهر‭ ‬المشبعة‭ ‬به‭ ‬اصلا‭.‬

وااسفاه‭ ‬هذه‭ ‬الديمقراطية‭ ‬طهرت‭ ‬ذنوب‭ ‬الانظمة‭ ‬السابقة‭ ‬ومحت‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬كل‭ ‬جرائمهم‭.‬