جهاز الضمير- مقالات – طالب سعدون
الارقام الخيالية التي ترددت في وسائل الاعلام على مدى السنوات الماضية عن حجم الفساد ، والحيتان التي إبتلعتها ، أظهرت المال العام ، وكأنه مباح لها ، وليس له أهل ، وأصحاب ، أو كانت تخاف من حساب .
وتشير تلك الارقام الى أننا لسنا في كارثة اقتصادية ، بل في أزمة اخلاقية كبيرة ، سببها خلل في ( جهاز الضمير ) و( تحجر القلب ) بسبب تراكم الذنوب . . أليس ( تراكم الذنب على الذنب يميت القلب ..؟ ) ..
وعطل هذا ( الجهاز ) عند الانسان يحوله الى قوة مدمرة ، تشبه فعل ( البلدوزر في عملية التفليش ) وتسوية ما هو قائم مع الأرض ، وكأنه لم يكن يوما بناء عاليا فوقها ..
ويبدو أن الحساب والعقاب الى الأن لم يكن بمستوى الجريمة ، والتصريحات بعضها ليس أكثر من كلام عام عن هذه الظاهرة الخطيرة ، فهناك من يشير الى أرقام الموازنات المالية على مدى السنوات الماضية ، الى أنها كانت تكفي لإعمار دول وليس دولة واحدة بحجم العراق ، ولكن لم يظهر فوق الارض بناء يساويها ، وأخر يتحدت عن الاموال المنهوبة بالفساد دون تحديد الفاسدين ، وثالث يتهم مناصب مهمة بالفساد ، دون أن يسميها ، وكأنه عاجز عن مواجهتها …فمن لم يعد من قادرا على تسمية الاشياء باسمائها ، فليصمت ، ويتق الله في قلوب الناس وأعصابهم ، وهم على هذه الحال الصعبة بين مطرقة الارهاب وسندان الفساد ..
لقد دخلت مسميات كثيرة في قاموس الادارة كالنزاهة والشفافية والمفتشيين العاميين وغيرها على أمل أن تخلص البلاد من الفساد ، وكلفت الدولة مبالغ طائلة كان يمكن ان تذهب الى مجالات اخرى تخدم المواطن ، ومفردات حياتية هو بأمس الحاجة اليها.
وكان يمكن الإستغناء عن تلك المسميات لو توفر شيء واحد هو الضمير …
والضميرالحي جهاز رقابة متكامل يعمل ذاتيا ، بلا تضخم إداري ، واستنزاف مالي .
والضميرهيئة محاسبية دقيقة تضبط ايقاع الذات اذا ما طغت على الانسان وتعود بها الى المسار الصحيح ..
وللضمير قدرة عالية على تمييز الخطأ من الصواب ، والحق من الباطل ، والحلال من الحرام .. والضمير الحي يعني الشعور بالمسؤولية ، وأداء الواجب بدون رقيب ، أو استخدام القوة بكل انواعها بما فيها القانون .
والضمير الحي يهدي الى كل ما هو حق دون أن يحتاج الى اليات وضوابط وقواعد لمعرفته ، وما على الانسان سوى أن يرجع الى ذاته ويستفتي قلبه اذا ما إستشكل عليه أمر في عمل ما كما يعلمنا الرسول الكريم محمد ( ص ) .. فالبر ما إطمأنت إليه النفس ، واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون ..
ومثلما يحتاج الانسان الى مناعة مادية للوقاية من الامراض ، يحتاج الى مناعة روحية ، ترتقي به الى مراتب عالية في الخير ، وتوقظ الضمير ليتجنب الرذيلة ويتعلق بالفضيلة ، ويرفض كل ما يخالف قوانين الارض والسماء ، ويخاف الله رب الارض والسماء ..
وما أحوجنا اليوم الى هذا الجهاز ذاتي الحركة ، ومستقره القلب ، وليس في هيئات النزاهة ولجانها ودوائر المفتشين وأقسامها ، وهو الطريق المفضي الى الرقي والنجاح ، وهو سرتقدم الشعوب ، لأنه يجعلها تحترم العمل ، وتحرص على المال العام ، مثل حرصها على الملك الشخصي أو يزيد .
وتساءل الكثير وهو مندهش عن سر تقدم اليابان مثلا ، بعد هزيمتها المروعة ، لكن الكاتب المصري يوسف ادريس وجده في حالة بسيطة تكررت أمامه عند عامل كان يراقبه عن بعد ، وهو عائد الى الفندق في طوكيو في ساعة متأخرة من الليل ، وجده يعمل لوحده بجد ونشاط وإخلاص وتفان من دون مراقبة من أحد ، وكأنه يعمل على شيء يملكه نفسه ..أي أن مفتاح التقدم هو شعور الياباني بالمسؤولية النابعة من الداخل ، وليس من الرقابة الخارجية أو القسر والقوة…
وذلك الطريق سبق أن رسمه الرسول الكريم محمد ( ص ) للمسلمين وللانسانية جمعاء قبل اكثر من 1400 سنة اذا ما ارادوا امتلاك ناصية التقدم وذلك من خلال الاخلاص بالعمل والتفاني في الاداء عندما جعل ثواب إتقانه رحـــمة من الله …
و( رحم الله امرىءعمل عملا فاتقنه ) ..
ولو التزم العرب والمسلمون بتلك ( الوصفة الالهية والروحية ) لما كانوا اليوم في خانة الدول النامية أو المتخلفة ، بل في خانة الدول التي تسبق اليابان وغيرها من الدول التي تصنف بالمتقدمة …
ذلك هو أثر الضمير وفعله الايجابي المؤثر الذي ينبغي أن يعمل سواء بدافع ديني أو أخلاقي ..وإذا ما توفر هذا الجهاز الذاتي ، الذي يعطي الانسان مناعة روحية ، إنتفت الحاجة الى الرقابة بإنواعها ، ومؤسسات وهيئات النزاهة ومحاربة الفساد ودوائر المفتشين والمراقبين ، وتتوقف كل اجهزة الرقابة الخارجية ما دام الضمير يعمل من الداخل ، ويراقب ذاتيا ، ويخاف الله وحسابه .


















