
جمهورية الله والأنبياء والطغاة
الإنسان هو الحقيقة والقياس
عبد الجبار عبدالوهاب السلطان
أثارت قضيةُ الطفل ( مصطفى ) الرأي العام المحلي والعالمي لما تحمله من إشارات سلبية لإذلال الطفولة في زمن يعيش فيه الأطفالٌ بين أكداس القاذورات وفضلات موائد المترفين من سقط المتاع السياسي وكأنهم غرباء لا وطن لهم بين الطغيان والقانون . وكأن التاريخ خلق القانون ليموت به الجياع والفقراء وَخَلَقَ الطغيانَ ليذلَ به الشرفاء والضعفاء ،تماماً كما سم سقراط بالقانون ، وصُلبَ عيسى به ، ونُفي به أبو ذر إلى الصحراء ومات هناك .
لذلك لا يهم في جمهوريات الطغيان أن يكون القانون وضعياً او سماوياً ما دام لا يهم أن يكون الإنسان فقيهاً أو ساقطاً والمرأة أن تكون غانية أو ذات عفة ، أو الصلاة في حانة أو معبد … المهم أن يعيش عربدتهم وملذاتهم وجنسهم وسياطهم وسيادتهم … الخ والفرق لا تحده حدود في مركز الإنسان بين جمهورية الله أو النبي أو في جمهوريات الطغاة .
1 – في جمهورية الله : الله أممي في دينه في سينه وشينه ، لا يفرق بين الأبجديات والحروف واللغات ، لأنه لابد أن يكون كذلك و إلاّ سيكون لدين دون آخر ، ولشريحة دون أخرى ولطائفة أو طبقة أو عرق دون غيرها .
وفي جمهوريات الطغاة يعامل الإنسان على قدر تدينه وطائفيته ومذهبه وفساده ، فعند الله إنسان كافر عادل أفضل من مليون مؤمن ظالم .
وهنا يُنظر إلى الإنسان على قدر ( تدينه ) لا دينه فيحرم الإنسان من أخوة الوجود ، بل من حق الوجود ،
2 – في جمهورية الله الإنسان محراب الله . وفي جمهوريات الطغاة يُذبح الإنسان في محرابه ومعابده ويتوضأون بدمائه ويركعون على قطع رأسه .
3 – في جمهورية الله تتمثل العظمة في إنتصار العبد على السيد ( لا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللهُ حرا ) .ً
. وفي جمهورية الطغاة تتمثل الذلة والرذيلة والخسة في استعباد السيد لعبده لا لأنه يشعر بالسيادة لنفسه وإنما لأنه يشعر بالعبودية لنزواته من الداخل ليكسبها شرعية بتصرفاته الفوضوية الاستبدادية من الخارج … هناك العبد سيد نفسه … وهنا السيد سيد عبوديته ونزواته وشهواته … لأن الثورة لا تبدأ بالسادة … وإنما يقودها العبيد .
4 – في جمهورية الله عبادته ليس محراباً ، وإنما صلاحاً وخيراً وليس تسبيحاً ، عبادته أن تؤمن بالعمل الصالح . وفي جمهورية الطغاة ( العمل الصالح ) والخير لمن يقتل دون حساب ،ويسرق دون عقاب ،ويؤذي ويظلم ويهتك ويخيف الآخرين دون مساءلة أو تأنيب .
هناك القانون سيد روحه … وهنا القانون سيد جسده وسوطه وسيفه .
5 – في جمهورية الله ( الإيمان ) هو صدقك مع الناس فلا إيمان لمن لا امان له .. ولا إكراه في الدين .
اما في جمهورية الطغاة ( الإيمان ) هو الصلاة في المعبد والمحراب والكنيسة والموبدان وتماثيله بالاكراه والقوة . هناك يتمثل الصدق في الإيمان لأن الإنسان لا يجر إلى المعبد بالقوة والسلاسل والحبال .
وهنا يصرخ الأنبياءُ قائلين لا تجروا الناس إلى الجنة بالسلاسل … فلا إكراه في الدين . من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .
6 – في جمهورية الله هو أن تحب ما لديه من جمال وخير لأن الله جمال مطلق .. يحب الجمال .. وإنساني مطلق يحب الإنسانية … ومالكاً وغنياً لأقصى الملك الأممي الذي سخره لكرامة الإنسان .. لا لسلطة الطغاة .
وفي جمهورية الطغاة ترى الحب جبروت وعنف . السلطة والقوة هي الجمال المطلق .. والحب عند الطاغية هو أن تجعله جباراً مطلقاً لأقصى قوة يستعبد بها الناس .
هناك يُوَرِث اللهُ للإنسان العقل الصادق والضمير الحي . وهنا يُوَرِث الطغاةُ الصورةَ البشعة من الخديعة والقبح والظلم .
7 – في جمهورية الله … اللهُ لا يريد عبيداً .. اللهُ يريدُ عباداً .. لأن عبادة العباد هي شوق إلى الجمال .. والجمال المطلق هو الله .
وفي جمهورية الطغاة يريدون عبيداً وجواري وغانيات .. لأن العبادة عندهم خوف وعشق ومال وزنا وفسق وكفر بالحلال وإيمان بالحرام .
8 – في جمهورية الله قال النبي ( ص ) : ( ستأتي على الناس سنوات خدّاعات يصدق فيها الكاذب ، ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الرجل التافه الذي يتحكم بأمور الناس ) .
وفي جمهورية الطغاة تحقق قول النبي ( ص ) فَصُدّق الكاذب ، وكُذِّب الصادق ، وبُرِئ القاتل وَ حُكِم المقتول بعدل المستبدين وقضاء السياسيين .
هناك يُفَضَل كافر عادل … وهنا يتحكم مؤمنٌ مستبد وفاسدٌ ظالم .
صدق رسولُ الله ( ص ) عندما قال : (كافرٌ عادلٌ أفضل من مؤمن ظالم ) .
9 – في جمهورية الله لا صلاة في معبد يكفر بأخيك ولا شارع يجوع فيه فيك .
وفي جمهورية الطغاة معابدٌ وكنائس تُكَفّر الناس بعضهم لبعض … فيها المعبد قاتل .. والشارع يشكو من التخمة .
هناك الجوعُ كفرٌ وهنا الجوعُ إيمان . والفارق كبير بين الوصفين . هناك قوانينٌ تُشَّرع لطرد الجوع والظلم والفقر وهنا قوانين تشرع للجوع والاستعباد .
وهناك إلهٌ يقدس الإنسان .. وهنا أوثانٌ تشرع القتل والسبي والتكفير .
10 – في جمهورية الله يصلي المسيحي في مسجد المسلم والمسلم يصلي في معبد البوذي ..الخ
وفي جمهورية الطغاة يُذبح الإنسان في مسجده ويُجَر إلى المعبد والكنيسة بالحبال والسلاسل وتورث أساليب القتل والسلب والنهب ، هناك تحترم الأديان .. وتُوَرَث الكرامة .. ويشبع الجياع .
وهنا يذبح الأغنياء والفقراء على حد سواء بفتاوى الطغيان وقوانينه السياسية المؤلمة . هناك لا يرى أفضلية إنسان على إنسان بالدين . كما لا يرى أفضلية الناقوس على القبة أو بالعكس .
وهنا حدد الإيمان بالدين والتدين ليكون الآخر ملحداً كافراً .
11 – في جمهورية الله أمة العدل والمساواة هي أمة الطيبين .. هي أمة كل من مشى بقلب سليم ساعةً مع محمد ( ص ) وساعةً مع ( ع ) وساعةً مع بوذا … الخ َ
وفي جمهورية الطغاة الظلم عادة الطغاة وليست عادة الأنبياء .
هناك ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا … الخ ) وهنا قتل المسيحيون والمسلمون والهنود واليهود بعضهم البعض .. بل قتل البروتستانت والكاثوليك بعضهم البعض .. وكذا الأديانُ الأخرى .
هناك توحد الناس بالخير .. وهنا توحد الناس بالشر .
12 – في جمهورية الله إن الدين عنده الخير والطيب وسلامة القلب .. ومن سار بغير ذلك لا يقبل دينه وعبادته .
وفي جمهورية الطغاة … الدينُ عندهم حذف الأديان الأخرى وخسة القلب وفساد الضمير . هناك الدين عند الله الإنسان … وهنا الدين عندهم الطغيان حتى أن الطاغية الذي يصلي مؤمناً حتى لو قتل آلاف الناس .
13 – في جمهورية الله يبني الناس صرح العظيم وهو ميت . وفي جمهورية الطغاة يبني الطاغية عظمته وصـــــــرحه بموت الناس ليعيش وحده .
هناك العظيم من يبني الناس قبره .
وهنا العظيم من يبني الناس قصره .
14 – في جمهورية الله وثني صادق خير من مؤمن كاذب .. فلدى الله ذو قلب سليم أوفى فقهاً وإيماناً من عالم ذي صلاة . هذه هي نظرية ( كفر العادلين إيمان )
وفي جمهورية الطغاة مؤمن كاذب خير من كافر صادق .. ومن مؤمن ظالم خير من كافر عادل .
بتصرف – مؤلفات عبد الرزاق الجبران .
في جمهورية الأنبياء والطغاة
1 – القانون في جمهورية الأنبياء (فضيلة الغرباء ) الذين يمثلون صفة الشخصيات التاريخية العظيمة التي تميزت في سيرتها ومعارفها وقيمها ومبادئها الإنسانية الأممية .
وفي جمهورية الطغاة يمثل القانون (رذيلة الأمراء ) لأنه الوسيلة الوحيدة التي تمثل الدم والقبح والظلم والكذب والرذيلة لاستعباد الآخرين .
2 – في جمهورية الأنبياء يتساوى المسلم بالمسيحي ، ولا أفضلية لدين على آخر ، لأن الله هو الله في كل الأديان ، وإن الجنة ليست حكراً على دين دون دين آخر .
وفي جمهورية الطغاة يُقتَل من يؤمن بهذه المبادئ ، ليس حرصاً على الدين ومؤسسته وإنما حرصاً على رؤيتهم الأرستقراطية والقبلية والعنصرية والمذهبية .
هناك يَقبل أبو لهب أن يساوى معه بلال الحبشي ، وأن يجلس معه في نفس المجلس رغماً عنه .
وهنا لا يقبل أبو لهب ( الحكام ) الجلوس مع بلال الحبشي لأنه ( عبد ) في بشرته وسيد بروحه خلاف أبي لهف .
3 – في جمهورية الأنبياء يستطيع أن يشترك بها المسيحي والمسلم والبوذي واليهودي ، كما يشترك بها العربي وغيره … هذه أمة الأنبياء … الخير فيها مطلق إنساني .. لأنها أمة الخير والمحبة لا تتميز بين الشرق والغرب ، ولا بين اليمين والشمال . قاعدتها للإنسان ( أنت صالح إذن أنت متدين).
أما في جمهورية الطغاة لا يسير الناس إلاّ في إتجاه واحد ، الشر فيها مطلق .. إنها أمة الأغبياء .. قاعدتها للإنسان ( أنت متدين إذن أنت صالح).
4 – في جمهورية الأنبياء … الإنسان اسَّها .. لأن الإنسان هو الأس الإلهي الأول والأخير .
وفي جمهورية الطغاة نجد الفرد أكثر استغلالاً من السلطان لللابقاء على حكمه وسلطته باسم الوطن وحفظ النظام .. استقرار الأوطان هنا يقوم بالدرجة الأولى على قمع الفرد واستعباده .
هناك ليس المسألة في عدل القانون و إنما في قدر الإنسان واعتباره وقيمته داخل القانون سواء كان لصاً أو قاتلاً أو غانية في حانة .
لأن هم الجمهورية هو كيف نعلم اللص والقاتل والغانية معنى الإنسانية .. معنى إنسانيتهم .
وفي جمهورية الطغاة يحكم الجياع حتى لو سرق مناديل ( المراحيض ) ويعدم الإنسان حتى لو كان ببلاغ كيدي أو مخبر سري سخيف .
هناك يرجم زنا الغانية وهنا يرجم جسدها . هناك الجمال والاصلاح حاكم على العدل لأنه يقوم على شريعة المعنى وليس شريعة القانون .
وهنا لا يحقق القانون عدلاً ، ناهيك عن أنه لا يحقق جمالاً .. فالعدل بلا جمال ظلم وقهر واستبداد .
5 – في جمهورية الأنبياء يطرح الإنسان نفسه كأولوية على الجماعة استناداً لمبدأ أصالة الفرد على الجماعة والمجتمع .
وفي جمهورية الطغاة يترنح حكامها بين الخط الاشتراكي والرأسمالي والليبرالي لتكون الأصالة للجماعة وتهميش قيمة الفرد على مستوى الأحكام والواقع سواء في خطاه السياسية أو التشريعية .
هناك يبقى الإنسان إنساناً مهماً اختلف في جنسه وعرقه ودينه وطائفته .. لا جواري في النهار .. ولا غانيات في الليل … ولا عبيد في مجلس السلطان، وهنا غالى الطغاة بالجواري والانغماس بالملذات والشهوات إلى الحد الذي يصل (بالمتوكل ) أن يملك ثلاث آلاف جارية .. وغيره من حثالات التاريخ الذي لا يعرفون .. بل لا يفرقون بين نور القمر ونور الشمس … ليلهم نهار .. ونهارهم ليل .
6 – في جمهورية الأنبياء كل شيء اعتباري ما عدا الإنسان هو الحقيقة .. هو همها .. وهو قياسها .
فهو يمثل كل شيء .. يمثل أصالتها .. ووجودها .
وفي جمهورية الطغاة جعلوا الأصالة فيها للسلطة ، فهي كل شيء … يقتل فيها الإنسان ويمسح بدمه جدران الكنائس والمعابد والمساجد … قرباناً للسلطة وتقرباً إليها .
هناك إنسان بعنوان ( الأصالة والحرية ) … إنسان متداول على أيدي الأميين الإنسانيين.
وهنا الإنسان متداول بين ( الإفساد والإستبداد ) على أيدي المفسدين والأميين .
هنا صرخ بقوة أبو ذر بوجه الطغاة قائلاً : ( اتخذتم عباد الله خولاً ، وبلاد الله دولاً ، ودين الله دُعلاً … الخ ) .
7 – في جمهورية الأنبياء تتوفر الاستحقاقات الوجودية للإنسان .. أي الأشياء التي وجد وخلق عليها .
وفي دولة الطغاة علق الوجود الإنساني وعطلت استحقاقات الإنسان بفتاوى الطغاة واجتهادهم .
هناك يتوازى الدين مع الحرية .. لا اكراه في الدين ، ويكون الموت عند الإنسان من أجل الحرية شهادة .
وهنا تُسلب الحرية ذاتها حتى على مستوى اللحية والحجاب .. وهكذا في دولة الطغاة .. انت بدون لحية إذن أنت بدون دين .. أنتِ بدون حجاب إذن أنتِ بلا عفة .
هذه مقاييس دولة الطغاة . وختاماً على الإنسان أن يختار بين الجنة والنار … سواء في جمهورية الله والأنبياء أو الطغاة .

















