جلد الذات بسياط الصمت – مقالات – مروان ياسين الدليمي

جلد الذات بسياط الصمت – مقالات – مروان ياسين الدليمي

لم يتحرك اتحاد الادباء والكتاب العراقيين فرع نينوى،ولو بخطوة واحدة باتجاه جَمْع شمل اعضائه النازحين في اربيل وبقية مدن اقليم كوردستان،خاصة وان المسؤولية -الثقافية- تقتضي منه ان يكون حاضرا برؤيته وتطلعاته ازاء مدينة يحمل شرف اسمها،مقابل اصوات أخرى -سياسية وحزبية – ماتنفك تنطق باسم المدينة دون ان تدرك حقيقتها ودون ان تدرك عن اية مدينة عظيمة تتحدث.

لسنا اول شعب تسقط مدينته تحت سلطة غاشمة،ولن تكون الموصل آخر المدن،طالما الحياة جوهرها قائم على هذا التضاد،مابين قوى تعمل وتفكر من اجل غد افضل للانسان وأخرى تسعى لأن تعيده الى عصور التوحــش .

فما الجديد والمفاجىء فيما حدث لنا ولمدينتنا !

ما الجديد، لكي نصبح على هذه الحالة من الشلل،وكأننا قد دخلنا في غيبوبة دائمة عن الحياة،نبدو فيها غير قادرين على أن نواجه انفسنا امام مرآة انفسنا  ؟

هل سنبقى في حالة انتظار ــ  دون ان نفعل اي شيء ــ فقط نترقب من خلف نوافذ وشبابيك مسدلة ستائرها ونحن نصغي للطريق،لعل في لحظة ما  بصيص ضوء قد يأتي من مكان ما  ؟

متى كان وعي وفعل  المثقف والاديب والشاعر مرهونا بممكنات الواقع ؟

فلو كان الأمر على هذه الصورة التي اصبحنا عليها،لما كان للمبدع اي ضرورة في الحياة .

دائما كان المبدع والمثقف في اقسى ازمنة البؤس يحمل في وعيه صورة أخرى للحياة يستل اشاراتها من بين تفاصيلها التراجيدية  .

وكم من مدينة سقطت بمثل الصورة التي سقطت فيها الموصل،وتشرد ادبائها ومفكريها بين المدن والعواصم الغريبة عنهم،كما هو الحال مع باريس،وبرلين، وبوينس ايرس،وتشيلي، وفلسطين،وغيرها من المدن.

فما كان من ادباء تلك العواصم والمدن إلاَ أن يبتكروا لهم حياة أخرى في المنافي،فكانت لهم روابط وتجمعات واتحادات ــ ادبية وفنية ــ من خلالها ابقوا على الخيط الحميم الذي كان يجمعهم في الوطن ومعه .

فلاينبغي على اتحاد ادباء نينوى بعد مضي عام على سقوط المدينة (10 / 6 / 2014 )أن يخضع كليا لهيمنة المشهد العام بكل قتامته،مع الاخذ بنظر الاعتبار حجم وعمق الجرح الذي اصاب اعضاءه.

آن الآوان للخروج من أسر الصدمة وتداعياتها،والعمل بجد على تحقيق فرصة أن يلتقي اعضاؤه النازحين في اربيل تحت مظلة الاتحاد،في إطار الفعل الابداعي والثقافي ــ بما يتوفر من امكانات متواضعة متاحة ـــ لتقديم الوجه الحقيقي المغيَّب لمدينة الموصل وهو يتعرض ــ ومايزال ــ الى حملات تشويه بشعة من قبل قوى واطراف عديدة ،كل منها له غاية بذلك  .

علينا ان نشكل منصة ثقافية نؤكد من خلالها حضور المدينة في الوجدان الانساني وغيابها القسري عن وجه الحياة،علينا ان نكون مع انفسنا قبل ان نكون معها في هذه اللحظة،فالنحيب الدائم سيكون بمثابة تواطؤ ضدها وليس حزنا عليها .

لسان حال الادباء في نينوى يقول:لم نكن في يوم ما ساسة،ولن نطمح أن نكون،ولانمثل -بحضورنا الثقافي- انتماء حزبيا او قوميا او مذهبيا،فهذه العناوين إنْ حضرت بيننا في المشهد الثقافي ستفسد فطرتنا،ونبل آمالنا،وتأخذنا مجردين من خصوصية خطابنا ولغتنا الى ساحة اقتتال تتقاطع  الخنادق فيها حيث يقف المتصارعون بألوان راياتهم،ليصطف جزء منّا مع هذه الجبهة وآخر مع تلك.

ولأنَّنا نؤمن بأن المبدع والمثقف أكبر من ان يكون مجرد حامل راية يتبع آخرين يتشابهون في كل شيء إلاَّ في الرايات،لذا لن تكون دعوتنا هذه فخا لتوريط صناع الأمل والحياة من زملائنا ــ ادباء وشعراء وكتاب ـــ حتى يسقطوا في منحدر صناع الأسى والخراب .

سنبقى كما نحن ،رسلا للمعرفة والوعي والجمال،لأنَّ في هذه المنطقة من الاشتغال الثقافي والابداعي يكمن سر تفردنا،ولهذا لن يكون صوت الادباء والكتاب إلاَّ الصوت الأقرب من كل الاصوات الأخرى للتعبير عن حقيقة المدينة وجوهرها .

وماعاد مقبولا هذا النأي،وهذا الجلد للذات بسياط الصمت .ملاحظة إلى الاخوة في نقابتي فناني نينوى وصحفيي نينوى:هذا الموضوع يخصكما ايضا.