
في منتصف الثمانينات، اقترحت البروفسورة مارليز ويت، استاذة الجراحة في جامعة اريزونا الأمريكية، القاء محاضرات على طلبتها خلال أحد فصول السنة الدراسية تحت عنوان امقدمة في الجهل الطبي وسواهب. بيد أنّ مقترحها لم يلقَ ترحيباً؛ قال لها مسؤول في إحدى المؤسسات إنه يفضل الاستقالة من منصبه على دعم فكرة تدريس مادة الجهل.
وقد حثّ البعض الدكتورة ويت على تغيير اسم المادة التي ترغب بتدريسها، غير أنها لم تتزحزح إطلاقاً عن موقفها، إذ طالما اعتقدت أن التدريسيين عجزوا عن تسليط الضوء على مدى الغموض الذي يكتنف هذه المادة أو تلك. وقالت بعد سنوات إن االمناهج تتحدث بنحو 8 إلى 10 صفحات عن سرطان البنكرياس من دون أن تقول هذه المناهج للطلبة أبداً إننا لا نعرف الكثير عن هذا المرضب. لقد أرادت لطلبتها أن يدركوا حدود المعرفة وأن يعرفوا بأن الاسئلة غالبا ما تستحق المزيد من الانتباه بذات القدر الذي تستحقه الاجابات. غير أن الجمعية الطبية الأمريكية موّلت في نهاية المطاف تلك الدروس التي يذكرها الطلبة اليوم بكل ولع بوصفها مادة االجهل 101ب.
تبقى مثل هذه المحاضرات التي تلقيها هذه الجامعية نادرة، لكن الباحثين باتوا في السنوات الأخيرة يجادلون عن قناعة تامة بأن تسليط الضوء على المجهول بوسعه أن يعزز الرغبة الكامنة لدى المرء في المعرفة، في حين أن تسليط الضوء على الوضوح بوسعه أن يمنح المرء فهماً مشوهاً للمعرفة.
وهكذا بدأ ستيوارت فايرستاين، استاذ علم الاعصاب في جامعة كولومبيا الاميركية، سنة 2006 بتدريس مادة الجهل العلمي بعدما أدرك، وقد تملكه الخوف، أن العديد من طلبته ربما اعتقدوا بأننا نعرف كل شيء عن الدماغ (ساوره الشك بأن المنهج الدراسي الذي يتضمن 1414 صفحة قد يكون سببا وراء بذر مشاعر الشك تلك).
ذكر الباحث في كتاب صدر له سنة 2012 تحت عنوان االجهل: كيف يُحرض على العلمب بأن العديد من الحقائق العلمية ليست مجرد راسخة وغير قابلة للتغيير، بل هي موضع تحدٍ ومراجعةٍ واسعتين من قبل الاجيال المتعاقبة. ولا يعد الاكتشاف عملية متقنة وواضحة كما يتخيل العديد من الطلبة، لكنه عادة ما ينطوي، حسب وصف الدكتور فايرستاين، على االمشاعر التي تفيض بالمرء داخل غرف مظلمة، وهو يرتطم بأشياء يصعب تحديدها، باحثاً عن اشباح تكاد تكون ملموسةب. لقد اراد الدكتور فايرستاين من وراء دعوته العلماء في التخصصات المتعددة إلى تدريس طلبتهم الأمور التي اثارتهم حقاً ذ وليس الحقائق الجامدة والباردة بل الغموض المثير للانتباه- أراد اعادة التوازن الى القدرات.
إن طرح مسألة الجهل وكأنه أقل اتساعا مما هو عليه الحال مقابل المعرفة بوصفها أكثر رسوخاً واستقراراً، والاكتشافات كمسألة أكثر اتقاناً أيضا، كلها تقود الطلبة إلى سوء فهم الترابط القائم بين الأجوبة والاسئلة.
يميل الناس إلى الاعتقاد بأن عدم المعرفة هو هزيمة أو اندحار، وكأن الجهل هو مجرد غياب المعرفة. غير أن الاجابات لا تكاد تجيب على الأسئلة؛ بل تثير أسئلةً أخرى.
من جانبه، يستخدم مايكل سميثسون هذه المقاربة- وهو عالم اجتماع من جامعة استراليا الوطنية شارك في تدريس مادة الجهل على مواقع الانترنت هذا الصيف- ومفادها أنه كلما اتسعت مساحة جزيرة المعرفة، ازداد طول الشاطئ الذي تتلاقى عنده المعرفة بالجهل. وكلما عرفنا أكثر، صار بوسعنا أن نسأل أكثر. إن الاسئلة لا تقود إلى الاجوبة بقدر ما تتفاعل معها، كما أن الأجوبة تولد الأسئلة. وأن الفضول ليس مجرد رغبة جامدة لكنه شغف ذهني يستحوذ على الدماغ ويغذي نفسه من دون انقطاع.
وإذ شئنا مواصلة هذه المقاربة المجازية، فان رسم خريطة شاطئ جزيرة المعرفة يتطلب إدراكا لسيكولوجية الغموض. إن الشاطئ الذي لا يتوقف أبدا عن الاتساع، حيث تولد الأسئلة من رحم الاجابات، يشكل أرضية تتصف بالغموض والمعلومات المتضاربة. وقد أظهر علماء النفس أن هذا الشك المتولد يعمق من مشاعرنا: ولا يعمق البهجة والمفاجأة فحسب، بل يزيد من مشاعر الارتباك والاحباط أيضا.
إن الحد الفاصل بين المعروف وغير المعروف هو ايضا المكان الذي نجهد فيه ضد الأفكار التي كنا قد بلورناها سابقاً، الأمر الذي يدعونا إلى الاعتراف بوجود المعلومات الغريبة والتحري عنها، وهو صراع وصفه توماس إس. كوهن في كتابه الشهير الذي صدر سنة 1962 بعنوان اهيكلية الثورة العلميةب. وعلى العكس من ذلك، فان مركز الجزيرة آمن ويبعث على الطمأنينة، الأمر الذي قد يفسر لماذا تجهد الشركات التجارية نفسها في مواصلة الابتكار. إلى ذلك، قال لي البروفسور غاري بي. بيزانو، الاستاذ في جامعة هارفرد للأعمال التجارية: عندما تسير الأمور بشكل حسن، اتتخلى الشركات عن طور التعلمب إذ يفرون من الشك ويتجهون نحو وسط الجزيرة.
لا تزال دراسة الجهلذ أو علم Agnatology- في مرحلة الطفولة، وهو المصطلح الذي كان قد اشتهر على يد روبرت إن. بروكتور، مؤرخ العلوم في جامعة ستانفور. ويعد حقل التقصي الناشئ هذا متشظيا بسبب حداثته وطبيعة تخصصاته المتعددة- كما أوضحه الكتاب الجديد الذي صدر مؤخرا تحت عنوان ادليل روتلج الدولي حول دراسات الجهلب. بيد أن التشديد اللازم على اللا معروف، وتسليط الضوء على دراسة الحالات التي تبين عدم جدوى الترابط بين الأسئلة والاجوبة، إلى جانب البحث في سايكولوجية الغموض، تبقى ضرورية. وهكذا فان على الباحثين أن يكرسوا الوقت لدراسة العلاقة بين الجهل والابداع والصناعة الاستراتيجية للشك.
اعتبر عالما الاجتماع ماتياس غروس ولينسي ماكغوي بكل جرأة أن الوقت قد حان اللنظر إلى الجهل بوصفه ششأناً اعتيادياًش وليس انحرافاب. سيكون طلبتنا أكثر تطلعا للمعرفة وأكثر ذكاءً إذا ما زُودوا، بالاضافة إلى المعرفة، بنظريات الجهل إلى جانب نظريات المعرفة.
جيمس هولمز: باحث في مؤسسة نيو أميركا ومؤلف كتاب اهراء: قوة عدم المعرفةب
ترجمة: نواف شاذل طاقة


















