تداعيات… ذكريات مصابة بالوهن .. كتابة نصية مشروطة بوحدة الموضوع
يوسف عبود جويعد
ما لفت انتباهي ، وجعلني اختار قصيدة ( ذكريات مصابة بالوهن ) للشاعر ادهام نمر حريز ، هو تميزها عن سواها من النصوص الشعرية ، التي حفلت بها مسيرته الشعرية ، وانها تمثل نقلة نوعية موفقة ، استطاع من خلالها تقديم منجز ادبي ابداعي ، يشكل لديه حالة من حالات النضوج في هيكلة وبناء النص الشعري ، وهي تعد خطوة جديدة يضعها الشاعر في عالم الشعر ، حيث نكتشف ان البنية النصية متوحدة في موضوعها ، وثيمتها ذات عمق دلالي مكثف من حيث الصورة الشعرية التي اعتمدت على الاستعارات والانزياحات التي تنتمي الى روح النص وتزيده تماسكاً ،كما يلاحظ انتقاءه للمفردة الشعرية التي تتلائم والسياق الفني للقصيدة ، كونها استطاعت أن تظهر مكنونات التداعيات الذاتية الموغلة في عمق الروح والذاكرة ، ونكتشف ايضاً بأننا سوف نزج في اتجاهات مختلفة ، تشكل النسيج المتداخل في وحدة بناء النص ، الحاضر كما يراه الشاعر عبر الانكسارات الروحية المنعكسة من عمق الذات ، وفي دهاليزها الساكنة المظلمة ، حيث يسلط الاضواء عليها ، لتظهر في بنية النص
اللحظات من حولي تبدو جميلة
وهي تشهق أنفاس الحياة
حتى تلك التي يغلفها النسيان
أو التي تمضي في طريقها نحو الرحيل
حيث مدن الخيال المشيدة في العروق
الممزوجة ببحار مُتلاطِمة من الصور
والماضي الذي ترنو الروح اليه لتحفز الذاكرة الواهنة لاستحضاره ، ممزوجاً بأساً وحزن وندم ، وشوق ساخن محتدم ، ورغبة ملحة لتنشيط هذا الوهن الذي اصيب الذاكرة ، كما اشار اليه الشاعر في بنية العنونة ، التي شكلت لديه العتبة النصية الاولى التي تداخلت مع فكرة القصيدة ، وهي متصلة بوحدة موضوع النص وثيمته
الحكايات تغزل في مسامعي
ترتدي وشاح اسود
الاقنعة تزين الوجوه العارية
لاتاريخ لليوم فهو يشبه غيره
ذاكرتي مفقودة من سجلات الاحداث
نهاية الشارع أول الخطوات الصغيرة
ركن عتيق موغل بالزمن
الضحكات ملونة بالبراءة كشفاه غضة
ثم تأتي المخيلة الشعرية الحسية الخصبة ، لتشكل النسيج الثالث الذي يمثل حالة الانكسارات والتداعيات الذاتية العميقة ، التي سبر اغوارها من عمق قاع الذاكرة فتختلط تلك الخطوط ببعضها لتشكيل النسيج النهائي لبنية النص الروحية الشعرية فتظهر القصيدة وكأنها لوحة غارقة في الحس الشعري
بسيطة هي الامنيات العالقة في الاحلام
الايام تعدو مسرعة نحو الخـــــلاص
كل شيء يسير الى النهاية
الملامح أعتلتها تجاعيد الزمن
كلهم أستعدوا للفراق
لاخلود للطين
وأنه ينحى بنا منحاً فلسفياً ، نحو الحقيقة الثابتة ، الكل يرحل ، ولا خلود للطين ، وان الانسان يمضي في مسيرته نحو تلك النهاية ، وكلما مر الزمن ، وكلما ما تقدم العمر ، فأن هذا الكائن سيغدوا كتلة من الذكريات التي سكنت قاع روحه
نافذة السماء تمد يدها
تصافح قوافل المغادرين
وتترك الريح تذري الرمال
على كل شيء من أثارهم
فكانهم ما ولدوا على الارض
ولا كانت لهم غير شواهد
نقشت عبارات الوداع لهم
ومهما طالت او قصرت الرحلة العمرية للانسان فأنه مغادر لامحالة ، بقوافل مغادرة ، وتبقى الريح تذري الرمال ، لتمحو أثارهم كل ما تقدم الزمن على رحيلهم حتى تتلاشي وتندثر ويكسوها غبار النسيان ، وكأنهم ما ولدوا على الارض ، ولا تبقى لهم الا شواهدهم وحسب اهميتها ، ومدى عمق بقاءها في تلك الذاكرة الواهنة
أن قصيدة ( ذكريات مصابة بالوهن ) للشاعر ادهام نمر حريز ، تعد من القصائد المميزة ، والتي شكلت نقلة نوعية وخطوة جديدة واثقة في النضج الشعري .


















