تداعيات تراجع الأمن الغذائي – مقالات – عماد علو
تمهيد
إن التضييق على حاجات الإنسان الغذائية هو بمثابة اعتداء على الحياة نفسها ، وهذا ما لمسه وعانى منه الشعب العراقي أثناء الحصار الاقتصادي الذي فرض عليه منذ مطلع التسعينات من القرن المنصرم .ومن هنا حساسية الفئات الشعبية الواسعة ذات الدخول المحدودة على أي ارتفاع في أسعار السلع الغذائية الحيوية وردود فعلها التي لن تكون خالية من الغضب بطبيعة الحال .
ومما لاشك فيه أن الأمن الغذائي يشكل هاجساً مهماً لدى أغلب الدول في العالم ولاسيما الدول النامية وتحظى بأولوية قصوى لدى أغلب بلدان العالم . ومنذ ان قام مجلس الأمن بفرض العقوبات الأقتصادية على العراق اثر غزو القوات العراقية لدولة الكويت عام 1990 تردى وضع الغذاء في العراق ،حيث تحول العراق بالرغم من الوفرة النسبية في موارده الأرضية والبشرية والمالية ،من بلد شبه مكتفي غذائيا في مطلع السبعينات إلى إحدى أكثر البلدان عجزا اليوم، حيث اهتز التوازن بين إنتاج الغذاء محليا والطلب عليه وتفاقم منذ الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق عام 2003 وحتى هذه اللحظة التي ينتظر فيها المواطن العراقي البسيط بقلق بالغ ما سيحصل لقوته وقوت عائلته من جراء تعثر البطاقة التموينية بشكل اضر بسلة غذاء المواطن العراقي منذ الاحتلال الامريكي للعراق في 2003 وحتى الان .
وتشير تقارير سابقة الأمم المتحدة الى أن اكثر من 6 ملايين عراقي معرضون لانعدام الأمن الغذائي والضعف. و إن “الأمن الغذائي في العراق يتسم بالهشاشة حيث يعاني 1,9 مليون عراقي على الأقل أو ما يعادل 5,7 بالمئة من السكان من الحرمان من الغذاء وعدم الحصول على ما يكفيهم من الطعام كل يوم، وهناك 4 ملايين عراقي آخرون معرضون لانعدام الأمن الغذائي، بالإضافة إلى معاناة واحد من كل أربعة أطفال من توقف النمو البدني والفكري بسبب نقص التغذية المزمن”. ان تنامي الطلب على الغذاء في العراق تلزم الحكومة العراقية بضرورة الحفاض وحماية الاراضي العراقية والممرات البرية والمائية والجوية العراقية لتأمين استمرار توريد الغذاء للسكان الذين سيتــــجاوز عددهم 42 مليون نسمة في عام 2020 لذا من الضروري أن تستمر الحكومة في وضع السياسات والممارسات البيئية السليمة التي من شأنها أن تعيد الزراعة العراقية إلى سابق عهدها، وتضمن الإمدادات الغذائية للفئات الأكثر ضعفا”.
اسباب العجز الغذائي
في العراق
على الرغم مما وهبه الله سبحانه وتعالى للعراق من مقومات ومعطيات طبيعية وفرت له الامكانية باستغلال أراضيه الصالحة للزراعة ومياهه العذبة الوفيرة الثروات المعدنية ناهيك عن موارده البشرية لأن يكون بمنأى عن العوز أو الحاجة الغذائية في بعض مفاصل الغذاء الرئيسة . الا أن النتائج السلبية للعجز الغذائي العراقي الراهن خطرة جدا وهي تنعكس بشكل مباشر على الميادين الاقتصادية والصحية والسياسية والاجتماعية والاستراتيجية وحتى العسكرية . أن الموضوع لايعفو الاهمال أو الأخفاق العراقي سياسياً وأقتصادياً في الوحدة لمواجهة أثار هذا العجز الغذائي وانعكاساته وتداعياته على الأمن الوطني العراقي. وتعزى اسباب العجز الغذائي(ألا أمن غذائي) في العراق الى ما يلي:
- 1. سياسات النظام العراقي السابق والتي أدت الى تعرض العراق لحصار اقتصادي منذ عام 1990وادت لاحقا الى سقوط العراق تحت الاحتلال الامريكي البريطاني منذ عام 2003 وما نجم عنه من تداعيات سلبية بلغت ذروتها بتفشي ظاهرة الارهاب والعنف المسلح .
- 2. غياب المؤسسات الوطنية والأقليمية و الدولية المواجهة للعجز الغذائي في العراق تحت ظروف الاحتلال ، وظروف الارهاب والعنف المسلح .
- 3. الارهاب والعنف المستشري في العراق وعدم ألأكتراث الدولي لما يحصل في العراق قد أفضى الى تداخل قوى دولية واقليمية لتدعيم وسائل وأهداف هذا الارهاب لضرب الآمن الغذائي العراقي ..
- 5. غياب الاستراتيجية العراقية الوطنية للمواجهة وذلك لأن مفهوم الآمن الوطني العراقي اصبح غير ذي معنى نتيجة الاوضاع التي خلفهّا الاحتلال الامريكي للعراق منذ عام 2003
- 6. غياب الاستثمار الأمثل للموارد البشرية والطبيعية في العراق مما جعله مركزاً للتنافس الدولي والاختراق والاستلاب بدلاً من المحافظة على تلك الثروات .
- 7. كان للصراعات المسلحة والهجوم الارهابي لتنظيم داعش المجرم أثر كبير على الإنتاج الغذائي في العراق خلال السنوات الأخيرة، فإن تغير المناخ والضـــــــرر البيئي يعرضان أيضا الزراعة التقليدية للخطر.
- 8. تفاقم أزمة واعداد النازحين نتيجة العمليات الارهابية لتنظيم داعش الى مناطق اكثر أمنا شكل معضلة وعبئا” كبيرا” على مصادر الغذاء واسلوب تأمينه وادارة توزيعه .
ونتيجة لهذه العوامل، يعتمد العراق بشكل متزايد على الواردات لتلبية الاحتياجات الغذائية المحلية. فقد بلغت القيمة الإجمالية للواردات الزراعية في عام 1985 نحو 1,7 مليار دولار امريكي ، وفي عام 2008 زادت هذه القيمة إلى قرابة 5 مليارات دولار تم إنفاقها على الأغذية الأساسية مثل القمح والأرز والماشية. ورغم أن هنالك بوادر نمو في القطاع الزراعي في ظل زيادة إنتاج التمور والفواكه والخضراوات، فإن 60-70 بالمئة من الخضراوات المستهلكة من قبل العراقيين لا تزال تستورد من البلدان المجاورة.
وسائل تحقيق الامن الغذائي
العراقي
أن الأمن الغذائي يتحقق عندما يكون أنتاج وتسويق وتنظيم تجارة الدولة العراقية قادراً على إمداد كل المواطنين بالغذاء الكافي في كل الاوقات حتى في أوقات الآزمات وحتى في أوقات تردي الانتاج المحلي وظروف السوق الدولية وهذا يعني ان مسألة الأمن الغذائي يأتي في المرتبة الاولى من وظائف الدولة الاساسية بحيث تتبنى سياسة قادرة على تلبية أحتياجات المجتمع وتوفير الامكانات المالية التي تسمح للدولة باللجوء الى الاستيراد من الخارج . وهذا يتطلب سياسات قادرة على التكيف للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكذلك نمط التنمية وأشكال العلاقات مع الخارج بحيث يجعلها في مآمن من كل خطر ينجم عن الخارج . وعليه فان الأمن الغذائي العراقي في ظل الظروف الراهنة يعني أن تنتج الدولة او المجتمع أكبر قدر ممكن مما تحتاجه من غذاء بالكمية المتوازنة بطريقة أقتصادية تراعي الميزة النسبية للدولة او في أنتاج السلع التي تحتاجها وأن تكون منتجاتها قادرة على التنافس مع المنتجات الاجنبية إذا لزم الامر .
وان تتوفر لها صادرات زراعية أو صناعية أو الاثنان معاً . بحيث يتوفر لها ماتحتاجه من العملات الصعبة لاستيراد المواد الغذائية التي لاتتوفر فيها الميزة النسبية لانتاجها محلياً وأن توفر لكل مواطنيها مايكفي من الغذاء بالكمية والنوعية اللازمة للنشاط والصحة مع مراعاة عدالة التوزيع لكل افراد الشعب وبالاخص ذوي الدخل المحدود في الوقت نفسه تحقق مخزوناً كافياً من الغذاء يكفيها على الاقل لمدة ثلاثة أشهر كاملة تلجأ لها في الظروف الصعبة أو الاضطرارية مثل ظروف التوتر السياسي والعسكري. وهو بالضبط مايعانيه العراق في ظل الظروف الراهنة التي تتسم بوجود الاحتلال الامريكي والبريطاني لارضه ومياهه وسمائه .وكذلك استفحال ظواهر الاجرام والارهاب والعنف والفساد الاداري في المجتمع العراقي.
عناصر الامن الغذائي العراقي
مما سبق يمكننا تحديد ثلاثة عناصر أساسية للأمن الغذائي العراقي:
أولاً – توفير الأمدادات الغذائية.
ثانياً – أستقرار الأمدادات الغذائية.
ثالثاً – ضمان حصول الافراد على أحتياجاتهم من الغذاء المناسب.
وعليه فأن مجرد زيادة أنتاج الاغذية أو أستيرادها غير كاف لتحقيق هذه الغاية حيث ينعدم الآمن الغذائي اذا ماتعذر على الناس شراء الاغذية المتوفرة أو الوصول اليها وأفتقد نظامهم الغذائي للفيتامينات والاملاح وتسبب قصور متناول الاغذية أثناء تجهيزها وتوزيعها في عدم سلامة الاغذية التي يستهلكونها أو عدم سلامتهم أثناء ذلك .
وهذا ما نلمسه اليوم بشكل صارخ في العراق خصوصا بعد أن عجزت الحكومة العراقية عن تأمين فقرات البطاقة التموينية ، الأمر الذي قد ينعكس سلبا على سلة غذاء المواطن العراقي الذي يعاني كثيرا من فقدان الخدمات والرعاية الصحية والامن وكلها امور تدفع الى التذمر والى اضرار بل وكوارث اجتماعية لاتحمد عقباها يمكن ان تؤدي بالمجتمع العراقي الى ازمات امنية واقتصادية وسياسية ذات طبيعة كارثية.
استنتاج نهائي
استنادا” لما سبق ، يعد الأمن الغذائي في العراق متوافراً في حالة حصل كل فرد من أفراد المجتمع العراقي وفي كل الاوقات على حاجتهم من الغذاء كي يعيشوا موفوري الصحة وهذا يتطلب ضمان توافر الغذاء وتثبيت الاسعار وزيادة فرص العمل والدخول والانتاج الغذائي. كما يتضح لنا أيضاً بأن الأمن الغذائي في العراق هو ضرورة ملّحة لابد ان تسعى الدولة لتحقيقه ومواجهة الصعوبات والعوارض الطبيعية والتهديدات الخارجية والداخلية وتأمين كل الظروف من أجل توفير الغذاء للجميع من مصادره المحلية والخارجية . خصوصا” وأن العراق يمر اليوم بتهديدات أمنية وهجمة ارهابية غير مسبوقة تتطلب تظافر كل الجهود المحلية والدولية من اجل منع وقوع كارثة انسانية نتيجة تردي الامن الغذائي في العراق .
emadallow@yahoo.com



















