
توقيع
فاتح عبد السلام
العراقيون من الصعب ان تدجنهم المصطلحات الرسمية والحكومية مهما كانت براقة ومدعومة بسلطة القانون ورجاله ، فالمصطلح الذي يشيع بينهم ويستقر في الذاكرة ويضطر لاستعماله بعد فترة المثقفون واساتذة الجامعات وعلماء الدين وكل الشرائح قد يكون من اختراع بائع طيور في سوق الغزل أو دلالة سلع غذائية في سوق مريدي المحور لاحقاً أو جندي هارب من الحرب .
العراقيون يقولون على مسحوق غسيل الملابس كلمة تايت وهي علامة تجارية منقرضة جرى اطلاقها خلال ستين سنة على كل انواع مساحيق الغسيل . وكذلك يقولون كلينيكس على أية مناديل ورقية بغض النظر عن الشركة المصنعة . وكذلك يختصر نيدو أسماء كل انواع الحليب المجفف مهما كانت افضل منه . وكذلك ينال اسم موطا الشهرة الاولى، وهو اسم شركة ايطالية للمثلجات وآيس كريم عملت في العراق في الستينات من القرن الماضي بالرغم من ان الناس اليوم لا يجدون هذه الماركة بين ايديهم مطلقاً .
وتطور اختراع المصطلحات واستخدامها العفوي من العلاسة والزاحف ودمج ومئات سواها الى شلع قلع، حتى بات العراقي لايجد بديلاً لغوياً عنها .
واللافت ان الأمر انسحب سياسياً فإن الشيوعي أو البعثي الذي أصبح اسلامياً قبل عقود لا يزال يلقبه رفاق دربه الجدد بالشيوعي او البعثي .
ذاكرة العراقيين قاسية لا تمسح شيئاً، حتى لو اختفى ذكره بعض الوقت فهو كامن في اخاديد الذاكرة محتفظاَ بدلالته اللغوية والاصطلاحية سنوات . لذلك فان اطلاق الحكومة المصطلحات الجديدة كالحشد الشعبي لا تلغي من ذاكرة الناس انها كانت مليشيات ، وطالما لقبت بالخارجة عن القانون ، وان التحاقها بجهاز حكومي وحملها اسماً جديداً لا يلغي من الذاكرة المصطلح الاصلي . من هنا حدثت الاشتباكات ليل الخميس على الجمعة في الموصل بين فصيل من الحشد الشعبي وفصيل من ابناء المدينة ، وجرى حله على اساس فك اللبس من سوء الفهم . واذا كانت قد سلمت اليوم الجرة ، فانها لن تسلم كل مرة . وان الاحتكاك بين المصطلحات الاصلية غير القابلة للتدجين في عقول الناس وذاكرتهم وبين سواها المستحدث سيولد شرارة حريق كبير في أي وقت .
رئيس التحرير
لندن


















