بابل منبع اللغة والترجمة

بابل منبع اللغة والترجمة

تنبثق اهمية اللغة بولادة الإنسان فعندما يولد أي طفل وبعد إطمئنان الاهل على صحته وسلامته، يكون الهاجس التالي هو اللغة ، إذ يبدأ الاهل في الاشهر اللاحقة بالتفكير بتعليم الطفل اللغة وتلقينه اياها يصاحب ذلك الاطمئنان على سلامة نطقه.

ومن دون شك فإن لهذا القلق مايبرره، فالطفل قد يحتاج الى شيء يأكله او يشربه او  اي شيء آخر، وحينها لابد له ان يعرف التسمية التي تطلق على هذا الشيء بلغة اهله، وقبل ذلك ، وفي سبيل المثال عندما يريد ان يشرب الماء يشير اليه بتسمية هو يعرفها ونحن نجهلها فلانعرف ما يريد ولكن هو يعرف في قرارة نفسه انه يشير الى الماء وعندما يتعلم المفردة حينها سينطقها صراحة.

ومن هذا المنطلق نشأت اللغة ، ومن ثم وبتعدد اللغات ولدت الحاجة الى شخص آخر يستطيع ان ينقل الكلام من طرف الى آخر ومن هنا جاء دور الترجمان قدماً والمترجم حديثاً .

كانت بدايات الترجمة متواضعة وبسيطة تقتصر على ما يحتاجه الناس في بداية حياتهم ومعاملاتهم من احتياجات او مايعبرون عنه فيما يقصدونه ، ولكن فيما بعد اصبح للترجمة شأن آخر في كثير من أمور الحياة ،على سبيل المثال ، كالتجارة وتبادل السفراء والنزاعات والحروب . كانت الترجمة  في بداية امرها غير منتظمة ومشتتة وفردية تنحصر بين اعداد محدودة من الأفراد ليس لها قواعد وأصول او معايير ثابتة ومحددة ومحكمة كالتي نراها اليوم ، لقد كان أناس قليلون يمارسونها وعلى أيدي هواة لا يتقاضون عليها أجور على الرغم من جهودهم الكبيرة (1) .

وبحسب الصحاح الحادي عشر من سفر التكوين فأن أول ولادة للترجمة كانت في أرض بابل في العراق، حيث يروي الأشبهي في كتابه (المستطرف في كل فن مستظرف) بأن اول بناء ضخم بنيّ على وجه الأرض هو ذلك البناء الضخم الذي بناه (نمرود الأكبر بن كوش بن حام بن النبي نوح (ع) حيث يذكر فيه عن ارض بابل ان أثر ذلك البناء كان ضخماً جدا ً كأنه جبال شاهقة .

ويذكر انه كان بطول خمسة آلاف ذراع وبني بكثير من المواد الخاصة التي كانت تعتمد بهكذا بناء لكي يمتنع هو ومن معه من طوفان آخر ، ولكن الله سبحانه وتعالى اراد ان يقهرهم ويدمر بناءهم حيث خرب ذلك البناء في ليلة واحدة وصيحة واحدة .

وعند سقوط هذا البناء وحسب ما تقول الرواية بأن ألسنة الناس قد تبلبلت وولدت نتيجة ذلك عدة لغات ولهذا السبب سميت هذه الأرض بأرض بابل لأنه فيها تبلبلت ألسن الناس (2) وهذا كلام غير مقبول ولايستقيم بأي حال من الأحوال وكذلك لا يصمد هكذا كلام أمام النقد لأنه لا توجد هنالك اي علاقة بين خراب هذا البناء في بابل وبين ألسنة الناس.

وهذا الكلام هو من نسج الخيال الأسرائيلي ونحن طبعا ً لا نؤمن بمثل هكذا روايات ، فنحن لدينا أدلة كثيرة في العصر الحديث تفند وتبطل مثل هذا الكلام وهكذا روايات، فمثلاً لم تسفر القنابل الذرية التي القتها الولايات المتحدة الأميركية على اليابان في الحرب العالمية الثانية مستهدفة مدينتي هيروشيما وناكازاكي عن بلبة في اللسان وهي أكثر شدة وقوة وتدميراً من سقوط بناء بابل .. وكذلك سقوط برجي التجارة العالمية في الولايات المتحدة الأميركية فلم نسمع او نرى بأن ألسنة الناس هناك قد تبلبلت وظهر منها عدة لغات.

المصادر

1 ـ واقع معوقات الأداء المهني لدى العاملين في التر جمة الأعلامية.

الدكتور رفعت محمد البدري / مصر

2 ـ المستطرف في كل فن مستظرف / الأشبهي

ابراهيم خلف الكرعاوي