الموت المجاني إلى متى؟ – مقالات – معتصم السنوي
في الوقت الذي أصدر المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي العراقي وبتاريخ 23 تموز2013 بياناً يعبر فيه عن القلق لما يحدث للبلاد والعباد من نزيف لا يتوقف والموت اليومي المجاني الذي يضرب المئات من المدنين بينهم كثير من النساء والأطفال ورجال الشرطة وبالتالي تحويل (العراق إلى غابة من الخراب والهمجية والفلتان)… وبدلاً من التنادي إلى (التعبئة الوطنية) وتوحيد الصفوف والارتقاء إلى الشعور العالي بالمسؤولية لإلحاق الهزيمة بمخطط إشعال الحرب الأهلية الطائفية، فإن الطبقة السياسية المتنفذة بالسلطة ومعارضيها دخلت (معاً) في تراشق محموم حول المسؤولية عما يحدث من مذابح يومية وانخرطت في سياق لتسجيل النقاط على بعضها البعض، وكأنها في ملعب رياضي كل ما يهمها هو تحقيق الفوز وحتى ولو (بالركلات) الترجيحية!! لتمضي في مسعى غاشم لتبرئة النفس من حماية أرواح المواطنين الذين أصبحوا (مشروعاً للإستشهاد) والسؤال الاستبقافي الذي يطرح نفسه، ماذا ينتظر بلادنا المجروح وشعبنا المظلوم في حالة أستمرت الجهات السياسية المتنفذة في أندفاعاتها الأنانية وغير المسؤولة وما هي الحدود التي سيتوقف عندها (المتصارعون) للالتفات إلى المحن التي يعانيها الشعب وإلى الخدمات التي ينتظرها وإلى عملية البناء (المعطلة) منذ عقد من السنين العجاف؟ ولم تتوقف مأساة العراق وشعبه محصورة داخل حدوده بل تجاوزتها لتصل القارات الخمس، لتصبح (مادة دسمة) أخبارية للفضائيات صباحاً ومساءً ومن النشرات التي صدرت مؤخراً عن العراق من مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية نشرة بعنوان (مواجهة الإرهاب في العراق) قالت: إن التقارير الرسمية الصادرة من بغداد والأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان تشير إلى أن معدلات أعداد القتلى وضحايا العنف والإرهاب والتفجيرات على اختلاف أنواعها ووسائلها بدأت تتزايد بشكل لافت للأنتباه ومثير للأسى والحزن في الوقت نفسه في إطار موجة العنف المتصاعدة لترتفع حصيلة ضحايا العنف إلى آلاف القتلى وأضعاف هذا العدد من الجرحى بحسب أرقام الأمم المتحدة التي حذرت من أن (العراق يقف عند حافة حرب أهلية جديدة)..! واختتمت نشرة مركز الدراسات قولها (إن الواجب الوطني والإنساني (يحتم) على الجميع في العراق الاتفاق على مشروع موحد وطني جامع تتقدم فيه مصلحة الوطن والشعب ومستقبل البلاد على أي مصلحة شخصية أو فئوية أو مناطقية أو غير ذلك لأن (التهديد اليوم) سواء من خلال الإرهاب أو من خلال محاولات بذر الفتنة لا يهدد المدنيين من الشعب وحسب بل يهدد الجميع ولن يكون أحد بمنجاة من الخطر الداهم هذا إذا ما استمرت الفرقة وتسيد الخلاف بين السياسيين والبرلمانيين بالرغم من أن السياسيين جميعهم يدركون هذه الحقيقة..! ونذكر بدورنا وعسى أن تنفع الذكرى وقبل أن يسقط (السقف) على رؤوس الكتل المتنفذة والتي تجلس خلف الكواليس أو على (التل) بإنتظار فرصتها المنتظرة أو المشاركة في وليمة تقسيم (الغنائم) المعجونة بدم الضحايا والشهداء، بمقالنا المنشورة في العدد (4560) وبتاريخ 20 من تموز 2013 بعنوان (مسيرة ألف ميل تبدأ بخطوة).. قلنا: وصفوة القول .. هي أن علم السياسة هو نفسه علم تغيير الواقع الاجتماعي، وأن هذا الواقع الاجتماعي ليس من الأشباح الهائمة في ضوء القمر، بل هو أنت وهم وهن الواقع الاجتماعي هو إسماعيل وإبراهيم وزينب وفاطمة، وإذن فلكي يتغير الواقع الاجتماعي فلا بد أن يتغير هؤلاء، ويأخذ كل واحد منهم دوره في المجتمع وبما يستحقه كإنسان. في أن يتغيروا من جهل إلى معرفة مسغبة إلى يسر، ومن خمول إلى نشاط ومن غيبوبة إلى وعي، ومن فقدان الثقة إلى ثقة خالصة، والسياسة هي أن نصنع لهم هذا التغيير وأن نجعلهم يصنعونه لأنفسهم . العبرة كلها هي بالفرد الواحد، وبالمجموعة الواحدة، وبالحي الواحد، وبالمدينة الواحدة وهذا ينسحب على المؤسسات وعلى الأحزاب كافة أن تعيد النظر في برامجها إذا كان لديها برنامج أصلاً وتقوّم عملها وفق واقع الناس الذين تتكلم بأسمهم زوراً . كل وحدة من هذه الوحدات تصلح من نفسها وكأنها الأمة العراقية كلها بل وكأنها الإنسانية كلها. فيصلح الكل، وتلك هي السياسة، ولا سياسة هناك لو ملأت مائة ألف مجلد بالخطب والمنشورات والمحاضر والتعليمات، ثم ننظر إلى تلك الوحدات فإذا هي على حالها أو أشد سوءاً، فالمعول كله هو على الوحدة الصغيرة الواحدة (الأسرة- المؤسسة-الحزب) كيف تسلك، حتى في الحالات التي تستهدف فيها المجموع كله، فماذا يبقى من المجموع ليتغير إذا تغيرت وحداته وهي فردى؟ ماذا يبقى لك من الكتاب لتستوعبه إذا أستوعبت فصوله؟ ماذا يبقى من البستان ليزدهر إذا أزدهرت كل نبته فيه؟ ماذا يبقى للجماهير أن تطالب به بعد أن تحصل على حقوقها وكرامتها، أنه لمن أخطر مزالق الخطأ في التفكير، أن تضع أمامك أسماء المجموعات إلى جانب أسماء أفرادها ثم تتوهم أن لكل مجموعة منها كياناً غير كيانات أفرادها، فالأمة هي أبناؤها، والكتاب هو فصوله، والبستان هو ما ينبت فيه, فمسيرة ألف ميل تبدأ بخطوة، وهل بأستطاعة من أوكلت إليهم المسؤولية، أن يبدأوا بهذه الخطوة الجادة والجريئة نحو الحياة الحرة الكريمة لشعب يكاد يفقد ظله في هذا الزمن الصعب؟


















