
الموازنة ما بين شاعرين ومرثيتين
الراثي الفاني والمَرثي الخالد
ليث الصندوق
في تقاليد قصيدة الرثاء العربية لا يموت المَرثي ، بل يواصل حياة أخرى بعد أن يكون قد غيّر إتجاه السير من الحياة / النمط إلى الخلود / النص المتغير والمتحوّل . وبعد أن يكون قد عدّل اتجاه البوصلة من الفناء الجسدي نحو الخلود اللغوي الذي وهبه إياه الشاعر باعتباره خالقاً في أفق عالمه الخاص . وفي رحلة الخلود النصية التي سيستمتع بها المَرثي يكون الخالق النصي / الشاعر قد أعدّ عدته هو الآخر للموت الإفتراضي بمجرد أن يُنهي كتابة مرثيته ( نظرية موت المؤلف ) ، وهذا الموت بالرغم من كونه تخريجاً نظرياُ إلا أنه مهم جداً بالنسبة للقارئ ، لأنه سيمكنه من قراءة الميراث / النص بدون وصاية ولا تدخل ولا فرض ، وبالطريقة التي تمكنه بالمقارنة من ردّ المقروء إلى أصوله . وسيتعجب القارئ حين يجد أن المَرثي / النص هو نموذج بديل بمواصفات إستثنائية وغيرية عن النص / الإنسان ، لا يشابهه في أصوله الأولى ، ولا يمت إلى تركيبته الوصفية بصلة ، وليست بينهما أية مشتركات ما عدا الأسماء والمقامات ، وعداهما فكل البنى الأساسية والمرتكزات الفرعية سواء كانت مادية أو معنوية هي من صناعة بلاغية لغوية لعبت موهبة الشاعر في جبلها من فراغ ، وفي تضخيمها وإخراجها عن طاقات وقدرات الكائن الأرضي الفاني من أجل إعطائه المبرر لتحويله إلى أسطورة .
نص شعري
لقد صار من البداهة القول أنه ليس هناك من نص شعري يُرسم بالمسطرة وحسب مقاسات علم الرسم الهندسي الذي يُطابق وفق حسابات دقيقة ما بين الرسم والمرسوم ، لأن ذلك سيُخرج الشعر من منطقة الإفتراض ويضعه في موقع البداهة ، أو أنه سيحرمه من فرصة التحليق ويحبسه في أرض الوقائع الحسية والتصورات المنطقية والرؤية الفوتوغرافية . ولكن هناك فوارق ما بين تحليق وآخر ، وموهبة وأخرى ، ولا عجب أن هناك من المواهب ما بمقدورها نقض مبدأ البداهة ، وإعادة إنتاج الوقائع الحسية والتصورات المنطقية والرؤية الفوتوغرافية في صياغة تُخرجها من منطقة النثر الأرضية ، وتُلقي بها في فضاء الشعر المفتوح . وهذا ما سنحاول الوقوف عليه في مواجهة مرثيتين لشاعرين عراقيين راحلين كبيرين ( محمد مهدي الجواهري وأحمد الصافي النجفي ) حيث تتباين رؤية كل منهما لتقنيات قصيدة الرثاء العربية ، وفهمهما لها ، ومدى التزامهما بتقاليدها وطريقة تعاملهما شعرياً مع مقام فقيديهما .
في البدء لا بدّ من الإشارة إلى أن التأثير السحري للخارج ممثلاً بمقامي الفقيدين المعنيين بالمرثيتين لم يكن – ربما – هو موجه المرثيتين الوحيد في رحلة اللامعقول ، ولا هو المفجّر الأول والأخير لمبالغاتهما التصويرية والبلاغية ، بقدر ما أن ثقافة الشاعر وسعة أفقه واطلاعه و مقومات شخصيته هي العناصر التي حددت موقفه من المقام ورسمت طريقة تعامله معه . وضمن هذه الرؤية يمكن أن نتفهم ردود فعل النجفي تجاه هول صدمة الفقد بحيث أنه في نوبة يأس عارمة رثى مميتاً مع فقيده وهو ( الرئيس الفرنسي الأسبق الجنرال شارل ديغول ) كل أو أهم ما على الأرض . في مقابل الجواهري الذي ظلّ في مواجهة الخطب محتفظاً باتزانه وكياسته ، ولم يتحرّج في موقف يستوجب الإلتزام – تقية والتزاماً على الأقل – أن يشذّ عن قاعدة الرثاء العربية التقليدية التي تستلهم مقولة ( أذكروا محاسن موتاكم ) فيُذكّرَ الفقيد وهو ( الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر ) ( 1 ) بأخطائه ، ويُثني على حسناته . ولعل هذه الرؤية الفرعية قد جاءت من رؤية أعم وأشمل ترى أن الموت ليس غيبة ابدية ، بل هو زورة القائد المشوق لجنوده الشهداء :
يا قائد الجيش الشهيد أمضّهُ
شوقٌ فزار جنوده الشهداءَ
أما القصيدة ، فالشاعر ينأى بها أن تكون محض مرثية :
أكبرتُ موتكَ أن يكون رثاءَ
وهذا الإكبار الذي ينفي عن القصيدة صفة الرثاء يوجب التسويغ السريع كي لا يُساء القصد وتدخل القصيدة من حيث لا يريد لها شاعرها في دائرة الرثاء المغلقة على رؤيتها وصورها وقاموسها الموروث ، لذلك لن يتأخر التسويغ فيأتي في عجز البيت ذاته في صورة قرار بات وقاطع :
ألخالدون عهدتهم أحياءَ
ولكن الإكبار من جهة ، ونفي صفة الرثاء عن القصيدة من جهة أخرى توجبان تسويغاً آخر لدواعي اللقاء الذي جمعَ الشعراء في الذكرى الأولى لرحيل الفقيد ، ويستلّ الشاعر صدر البيت من دون عجزه ، ويُكرّره ثانية في صدر البيت الخامس مع العجز / التسويغ الذي يمتدّ تأثير فعله إلى البيتين التاليين له ، مع ملاحظة أن نسب الفعل ( أجعلتَ ) إلى صاحب الذكرى ، وهو فعل يتضمن الإرادة الحرة الحية يتوافق مع الوصف السابق ( الخالدون ) ومع تنويعات الخلود وإيحاءاته من دون أن تضعه صفة ملازمة ومحصورة بالآلهة :
أكبرتُ يومك أن يكون رثاء
أجعلت منه موعداً ولقاء
أبرفرف الخلد استفزّك طائفٌ
لتسامر الخلْصان والخلطاءَ
أم رمتَ جمع الشمل بعد تفرّق ؟
أم أن تُثيرَ كعهدك الشعراء
ومفردة ( الخالدون ) في مفتتح القصيدة وهي صفة لا يعدم أن ينالها البشر فمحمولها الدلالي ليس مقصوراً على الآلهة ، والشاعر ظل سواء في مرثيته أو في ثنائه حريصاً أن لا يتجاوز بالرغم من استثنائية الفقيد حدود المنطق الشعري ومقبولية الجزء الغرائبي واللامعقول منه ، وأن لا يحمله أكثر مما يحتمل البشر . ومن هنا جاء التأكيد عن طريق التكرار اللفظي الثلاثي ( أثني / ألثناء / ثناءَ ) مكثفاً ومركزاً في بيت واحد ليضع الفعل في إطار حدود تعصى على التجاوز ، وليمنع أيّ تأويل محتمل يخرج الرؤية من قالبها الأرضي الذي أراده الشاعر :
أثني عليك وما الثناء عبادة
كم أفسد المتعبدون ثناءَ
ومع التناسل العمودي للمعنى المحوري في المقطع الأول من القصيدة والذي التقطنا أول مفاتيحه من صدر البيت ( أثني عليك … ) ، يعود المعنى ليستقرّ ويبسط أثره أفقياً جاعلاً من الإخبار عن الدية ( وهي المال الذي يدفعه القاتل لولي الدم ) متضمناً في معنى الإساءة لأقيام الرجال ، هذا من الجهة النحوية ، أما من الجهة الدلالية فيكون قد ضخّم وهوّل من تلك الإساءة التي تتحقق ليس في حالة الإقلال كما يُفترض ، بل في حالة الإكثار أيضاً جاعلاً منها البديل المنطقي للدية . وبذلك ظل الشاعر محافظاً على موازنة دقيقة أن يُعطي الراحل حقه الإنساني لا زيادة ولا نقصان ، فالانحراف باتجاه أي منهما إساءة :
دِية الرجال إساءتان ، مُقللٌ
وأساء ، جنب مكثّرٍ وأساءَ
وحركة الدلالة في هذا المقطع بكامله بدءاً من البيت الذي يُستهل بالمقطع : أثني عليك / الأولى ( هذا المقطع يتكرر في القصيدة مرتين بدلالتين مختلفتين ) تتسم بالاستمرارية والتصاعد حتى تبلغ ذروتها في الأبيات الثلاثة ( دية الرجال + لا بعصم المجد + وإذا النفوس ) وضمن هذه الأبيات تتجلى كثافة الدلالة في البيت الأول منها مما يعني أن التصاعد يتسم بالتقطع وعلى شكل تدفقات أو نبضات يوصل السابق منها باللاحق ليضيف إليه معنى أو دلالة فرعية مضافة ضمن حدود الدلالة العامة الأشمل المحصورة ما بين طرفي ثنائية ( المجد / الأخطاء ) وسنأتي عليها لاحقاً . ويبدو هذا المقطع بالخصوص ( أثني عليك / الأولى – حتى تتحصّن السراء ) والمقاطع الأخرى بالعموم عبارة عن سلسلة من الحلقات الدلالية المتصلة ببعضها بإحكام والتي تمثل كل حلقة فيها وحدة بنيوية تستمد أهميتها من الحلقات المتصلة بها . وتقنية وحدة المقطع ، أو وحدة المقاطع المستقلة بذاتها تجعل من القصيدة مجموعة من القصائد المستقلة عن بعضها يمثل كل مقطع محصور ما بين مجموعتين من علامات التنصيص قصيدة بحد ذاتها . والقادة في ميراث ثقافة الرثاء العربية ينالون أكثر مما لهم ، بيد أن الجواهري شذّ عن القاعدة فأعطى للراحل ما كان يستحقه في حياته ، وأخذ منه ما جاوز ذلك الإستحقاق ، وما بين جفنتي العطاء والأخذ هناك جفنة أخرى ثالثة خصها الشاعر باستدعاءات لا علاقة مباشرة – بل لا علاقة لها على الإطلاق أحياناً – بالراحل ولا بالمناسبة ، إتخذها وسيلة للهروب من أحمال وتبعات الجفنتين الأخريين ، والتنصل من مسؤوليته الشعرية تجاههما بحثاً عن آفاق يوسع بها حدود قصيدته ، ويطلقها من أسر المنطقة المظلمة التي فرضت عليه سلطة ثقافة الرثاء التقليدية المكوث فيها . فجاء التطعيم بمناجاته لمصر والقدس ولوطنه الذي ظل ذكرى نضال يهمسها – في حالة أقرب إلى الشُكاة – في أذن مصر :
يا مصر لي وطن أجلّ عطاءه
ويُحبّ فيّ سماحة وعطاءَ
يُغشي عليّ الدرب حتى إنني
لأكاد أفقد في الزحام رداءَ
ومن تفتيت فكرة العطاء ما بين شطري البيت تمخضت فكرة ( ذبح الشهداء ) الصادمة والمستفزة التي زاد من هول صدمتها واستفزازها أن الشاعر مهّد لها بما يؤكد عمق أصرة الود بينه وبين وطنه بحيث صار من الإستحالة تصوّر مجازاة أهل ذلك الود بأبشع ما يمكن أن يُتصوّر من المجازاة وهو الذبح . وقد جاء التلميح بالذبح في إطار محاكمة الذات وهي تُصعّد من نبرات مناجاتها المنطوية على حرقة الشكاة لمصر حتى ليبدو سكون اللغة الهامسة أقرب إلى البكاء المرير
للموت أحدوا والشهادة أهلهُ
أتُرى وجدتُ لأذبح الشهداء
وتنويعاً على فكرة الموازنات بين الأضداد ( ألموتى / ألخالدون ) في البيت الأول ، و ( ألحياة / ألموت ) في البيت الثالث ، و ( جمع الشمل / تفرقه ) في البيت السابع ، و ( عجلة / إبطاء ) و ( ينقضّ / يُفلت ) و ( يصيد / يُحسن الإبطاء ) في البيت التاسع ، و ( ألثناء مديحاً / ألثناء ليس عبادة ) في البيت العاشر ، و ( الإقلال / الإكثار ) في البيت الحادي عشر ، يكون الجواهري قد أسقط فكرة القائد الإله والمعصوم الراسخة في الذاكرة العربية والتي تستأثر بموازين شاذة وأحادية ، واستعاض عنها بفكرة القائد الذي يجمع في عظمته ما بين عظمتين : عظمة المجد وعظمة الأخطاء مسترسلاً في تنويعه وفي موازناته :
لا يعصمُ المجدُ الرجالَ ، وإنما
كان العظيمُ المجدَ والأخطاءَ
وإذا النفوسُ ترفّعتْ لم تفتكر
لا الانتقاصَ بها ولا الإطراءَ
وبذلك يمكن تفريع الفكرة إلى أكثر من شقّ ، ولكن أقربهما لروح القصيدة – كما ارى – شِقان ، الأول يتجلى في استحالة تحقيق الأمجاد من دون أخطاء ترافقها ، والثاني أن أخطاء العظماء هي مثلهم عظيمة . والجواهري بذلك يقدّم فكرة ذهنية مجرّدة ، ولم يُقدم صورة شعرية ، والفرق بين الاثنين أن الفكرة وليدة حجاج عقلي وسجال منطقي ينعكسان على صيغتها البنائية فتتبدّى مفارقة للمحسوس وموغلة في التجريد .
أما الصورة فهي على عكس ذلك ، أنها الصيغة المرئية من الفكرة أو مقابلها الحسّي أو كما يعبر عنها سعيد علوش ( تمثيل بصري لموضوع ما ) ( 2 ) فهي ذات منشأ حسي وبناء مُدركٍ وملموس . والمبادأة بالفكرة مقصود من أجل التمهيد لقبول الصورة التي لم تكتفِ بالنيل من ألوهية القائد وقرنها بالخطأ ، بل حطت من قدر تلك الألوهية عندما جردته من الخلود وأكدت على بشريته ذات المنشأ الترابي . وبذلك مكنت المبادأة من إحكام التسلسل المنظم للقصيدة والذي مكّن بدوره الشاعر من الحفر عميقاً في الفكرة الذهنية أوصله إلى طبقة صلبة وملموسة وقابلة للرسم والتصوير هي التي عبر عنها مؤكداً بشرية ناصر وبُعده عن إي محتد آلهي أو خرافي :
كنتَ ابنَ أرضِكَ ، من صميم ترابِها
تُعطي الثمارَ ، ولم تكنْ عنقاءَ
وعوداً إلى فكرة الجفنات الثلاث التي أشرنا إليها سابقاً ، أقول أنه إذا كانت الجفنتان الأولى ( العطاء ) والثالثة (الاستدعاءات المحايدة ) لا تشذان عن طبيعة موازين الرثاء العربية ، إلا أن الغرابة في ميزان الجواهري تمثلها الجفنة الثانية ( الأخذ ) التي جعلت من ميزانه الأغرب والأندر بين موازين الرثاء في الثقافة العربية . وإن كان الطرف الثاني ( الخطأ ) في الثنائية الضدية (المجد / الخطأ ) التي سبقت الإشارة إليها هو من مخرجات تلك الجفنة ، إلا أن الشاعر ضمّ إليها معاني أخرى لا تحتمل الثناء إلا من قبيل المجاز .
- فهو كان في حياته كثير العثرات:
تُحصى عليه العاثرات ، وحسبه
ما فات من عثراته إحصاءَ
- ترك مسيرة المساوراة بين الأغنياء والفقراء ناقصة ولم يُتممها :
أسفاً عليك ، فلا الفقير كفيته
بؤساً ، ولا طلتَ الغنيّ كفاءَ
- وقد تبدو الزعامة التي ( تخلقها ) الجموع حصراً لا تحتمل الثناء حسب المفهوم العربي الموروث للزعامة لأنها تنتقص من علو مقامها ، وترى الصحة في العكس ، فالزعامة هي التي تشحذ وتقوّي همة الجموع . إلا أن الجواهري جمع الصورتين في صورة واحدة تكمل كل منهما الأخرى وتصبح جزءاً منها بادئاً بالثناء على الفرد / الزعيم ليوهم الذائقة الموروثة بانسياقه مع مفاهيمها ، فيكسب ثقتها وموافقتها الإبتدائية ، ثم يستدرجها بعد ذلك إلى الصورة النقيض التي تتهيّب منها وتستهجنها :
أثني عليك ، على الجموع يصوغها
الزعماءُ ، إذ هي تخلق الزعماءَ
ويلاحظ أن الشاعر قد حرم الزعماء – والجمع هنا يُراد منه الإفراد تلميحاً – من فعل الخلق الذي يؤسطر فاعله وينقله إلى صفوف الآلهة من أجل أن يخصّ بهذا الفعل الجموع ، والتخصيص هنا ليس بريئاً ، فحرمان الزعماء من مواصفات الربوبية يبدو هدفاً سعى إليه الشاعر ، ولذلك استبدل لهم فعل الخلق بفعل الصياغة ، وهو فعل بشريّ بامتياز مع ما يُضفيه على فاعله من صفات الإتقان والإبداع . وفي المقابل فأن الشاعر لا يتحرّج أن يرفع مقام الجموع فوق مقام الزعماء ، بل هو يؤسطرها فيُضفي عليها صفات الربوبية حين يخصها دونه بفعل الخلق . ويبدو أن أن الجواهري من خلال تخصيصه فعل ( الربوبية / تخلق ) للجموع ، وفعل ( الآدمية / الصوغ ) للزعماء أنما كان يحدد شكل انتمائه إلى جبهة الجموع وليس إلى جبهة الزعماء. صياغة معاني
وإن كان الشاعر قد أقرّ لمرتين بالثناء على ناصر ، الأولى في مفتتح بيت سابق أشرنا إليه ، والثانية في مفتتح هذا البيت ، إلا أن عبارة الإقرار ( أثني عليك ) مهدت لصياغة معنى مشترك من تصالب صدر البيت الأول ( أثني عليك وما الثناء عبادة ) مع عجز البيت الثاني ( إذ هي تخلق الزعماءَ ) ثمّ سرّبت هذا المعنى إلى بقية أبيات القصيدة فصار جزءاً من بنيتها الدلالية ، يدور في فلك ما ألمحنا إليه سابقاً ، ولكن بصيغة أخرى تفصل ما بين العبادة المقصورة على الخالق ، والثناء المقصور على البشر .
- ولا يكتفي الجواهري بحصر المعاني التي لا تحتمل الثناء في شخصية ناصر كما هو نفسه قد شخّصها ، بل يأتي بالمعاني التي لا تحتمل الثناء فيه كما شخصها مناوئوه أيضاً ، مؤكداً بالاستهلال الفعلي ( قالوا ) أن المعنى مقحم عليه من الخارج :
قالوا عمىً في العاطفات ، وندرة
بَعثُ الزعيمِ عواطفاً عمياءَ
وفي مقابل رثاء الجواهري لناصر أضع قصيدة رثاء أخرى بعنوان ( إلى روح ديغول ) ( 3 ) لشاعر آخر هو ( أحمد الصافي النجفي ، ومن العنوان يتبيّن أن المَرثي هو الرئيس الفرنسي الراحل الجنرال شارل ديغول .
منظومة معقدة
وبالرغم من قصر القصيدة على واحد إلا أن دائرة الرثاء اتسعت لتشمل منظومة معقدة وغير متجانسة من القيم المجردة ومن الملموسات والمحسوسات المادية وقد وضعها الشاعر في حالة تعادل مع مقام المرثي سواء بالقيمة أو بالشبه . فالنجفي لم يرثِ ديغول الفرد بعينه فحسب بل رثى فيه المنظومة الكونية الاتية :
- رثى فيه شمساً :
إذا ما حُرمنا اليومَ أنوارَ شمسه
فإنا جميعاً نستضيء به ظلا
والبيت يقدم صورة لضارة نافعة ، فغياب شمس الرجل ، أو غياب نور شمسه أمَّن وفرة من ظله ، والمقابلة ما بين نور الشمس من جهة والظل هي موازنة طريفة ما بين الخسران والرَباح.
- ورثى فيه قدّيساً ، بل رفعه إلى مرتبة أعلى من مقام القداسة ، لكنه أبقى هذا المقام / الأعلى في حدود السياسة ، ولم يجرأ أن يردّ القداسة ، أو بالأحرى لم يجرأ أن يرد مقامها الأعلى إلى سياقها الديني وهو السياق الطبيعي والمنطقي الذي تنشط دلالياً في حدوده : مضى زاهداً بالحكم والمجد والعلى
فقد كان قديس السياسة ، أو أعلى
- ورثى الأمل ( بصيغة المفرد ) والآمال ( بصيغة الجمع ) وسواء كان المرثي هذا أم تلك ففداحة الخسران حاضرة في الصيغتين :
لقد كانت الآمال معقودة به
فولى وما نرجوه من أمل ولى
- ورثى به الهداية ، فضلّ من بعد غيابه ، ومن بعد غيابها الركب :
وقد كان في ركب السياسة هادياً
فغاب وكل الركب من بعده ضلا
- ورثى به أبوّته للأخلاق ، والرثاء هنا عملية ربط جدلي ما بين الأب الميت والبنات الثكلى ، فكأنه أراد أن يقول أن ثكل البنات / الأخلاق بموت أبيهنّ عطّل فعلهنّ :
وكان أبا الأخلاق قولاً وسيرةً
وقد مات فالأخلاق من بعده ثكلى
- ثمّ يعود إلى المجموعة الشمسية التي بدأ قصيدته بالتقاط ملامح من شمسها عكسها على فقيده ، يعود باحثاً عن مثال آخر أو التقاطة أخرى من مجالها الدلالي ، أو من الفضاء الكوني الذي تنتمي إليه يشبه بها الرجل ، فيلتقط هذه المرة صورة النجم . ولأن الشاعر يدرك أن الشمس هي نجم أيضاً من نجوم مجرتنا ( درب التبانة ) وأن تشبيه الفقيد بالنجم مرتين – حتى وإن اختلف ملفوظاهما – هو نوع من التكرار الصوري وليس اللفظي ، وهو عيب في الحالين يورث الملل ، لذلك نأى عن تماثل المُشبه بهما ( الشمس والنجم) مفرقاُ ما بينهما في المقام والحجم ، جاعلاً من النجم أقل مقاماً وأصغر حجماً من الشمس ، لذلك جاء تصغير المشبه به / النجم مستوجباً لصورة أخرى يكون فيها المُشبه / الراحل متوافقاً معه ، فكان التشبيه مقروناً بمرحلة الولادة :
اتى للدنا نجماً غريباً بنوره
وقد غاب لما لم يشاهد له مثلا
- وأخيراً رثى المثل الأعلى ، وتحت لافتتها يمكن وضع كل ما رثى سابقاً ، وما لم يرث بعد ، فليس بعد المثل الأعلى من مثل آخر :
ولستُ براثٍ شخصه اليوم في الورى
ولكنني أرثي به المثل الأعلى
وبرثاء تلك الأقانيم المادية والمعنوية العظام ، يحق لنا أن ندعي أنه بغيابها لم يعد للعيش على الأرض من جدوى ، فالشاعر – على ما يبدو – لم يكن يريد أن يرثي ميتاً ، بل كان يريد أن يُميتَ معه كل ما على الأرض وما حولها .
ولكن أسوأ ما يمكن أن يرمي إليه شاعر في رثائه ، أو حتى في مدحته هو أن يُسوّغ خضوع الناس لمن أسدى لهم الإحسان ، بل أن يعبر بلسانه نيابة عنهم ، قائلاً ما لم يكن قد قالوه أو فكروا به ، مدعياً أنهم لا يرون في ذلك الخضوع ذلاً :
ومن ينشرِ الإحسانَ يخضعْ له الورى
ولم يجدوا عند الخضوع له ذلا
وعودة إلى البيت السابق على هذا الأخير نجد أن المقصود بـ ( الإحسان ) هو إطلاق ديغول لحرية الشعوب التي كانت تحتلها دولته فرنسا :
بكته شعوبٌ كان حرّر رقها
ولم ترضَ عنه حين حررها فضلا
ومن الواضح أن ثمة تناقضاً ما بين عجزي البيتين السابقين قادت إليه مفردتان متباينتان لفظاً ومن حيث التطور في الأستخدام على محور الزمن ، إلا أنهما متقاربتان إلى حد ما من حيث الدلالة ( ألورى / الشعوب ) ، فـ(الورى ) من جهة لا يجدون في خضوعهم للراحل ذلاً ، ومن جهة أخرى فأن ( الشعوب التي حرر رقّها ) لم ترضَ عنه حين حررها فضلا . وهذا التناقض ربما يكون هو أحد نتائج الاحتكام إلى مبدأ البنية الفردية المستقلة للبيت ، مما أدى إلى تفتيت بنية الصورة الواحدة وتصادم مكوناتها . وبالرغم من كون هذا التصور لوحدة واستقلال البيت وما نجم عنه من تناقض لا يعدّ منقصة في القصائد التقليدية إلا أن البيت الأخير قابل لعدة تأويلات أحسب أن جميعها سيئة وممجوجة – كسابقه – وتعبر عن رؤية قاصرة للتحولات التاريخية ، كما أنها تعبر عن وعي متخلف تجاه قضيتي تحرر الشعوب المستعمرة واستقلالها ، فهناك إضمار لحالة عتب على الشعوب التي حررها ديغول ، ولم تخصّه من الفضل بما تستحقه تلك المنّة . وليت الشاعر كان يدرك أن الحرية ليست مِنّة أو ( إحساناً ) يتفضّل به قائد أمة محتلة على شعب محتل ، بل هي دين واجب التسديد .
وفارق الوعي جليّ ما بين الشاعرين ، وما بين المرثيتين .
ويبدو جلياً ما نتج عن هذا الفارق من تفاوت في القيم والمفاهيم والأفكار والصور .
لقد نجح الجواهري في تفريغ كرة الثناء من هواء المبالغة وتقريب المسافة ما بين محيطها البشري ومركزها الترابي ، وتبدو تلك الفكرة بحد ذاتها موجهاً شعرياً إعتمده الشاعر للكشف عن بواطن وخفايا القراءة الشعبية المسكوت عنها لتلك الشخصية الإشكالية ، بينما أخفق النجفي في الحد من سطوة المبالغة عليه ، وظل ينفخ هواء المديح والثناء في كرة الرثاء مبعداً مركزها البشري عن محيطها الذي أوصله إلى الشمس والنجوم . ولعل لتلك الرؤيتين إنعكاساً على مكونات قاموس الرثاء للشاعرين ، فبينما عمد الجواهري إلى الحفر عميقاً في اليومي والمعاش من مسكوتات الناس ومخاوفهم ، وكذلك إلى المُدرك والملموس من الصور الشعرية والرؤى والأفكار ، ظل النجفي يستهلك مكونات ميراث الرثاء النمطي ومفرداته المتعالية بمعناها الوجودي الكوني العام دون أن يحفل بما اعتور الذائقة الشعرية من تطورات ، وبدون أن يلتمس إيقاعات العصر وتحولاته . ولذلك يبدو الجواهري أكثر إثارة واستفزازاً لحساسية القراءة ، كما أنه ألصق بقاموس الحياة اليومية الذي يجد حميمية وألفة لدى القراء .
وخارج إطار هذه التداعيات النقدية ، وعلى مقربة من أنساقها المضمرة ، تلحّ عليّ ثمة تساؤلات :
فلو عُرضت قصيدة النجفي ، من دون الكشف عن أسم المرثي ، على أفراد أسرة ديغول المقربين ، وعلى أقرب الأصدقاء من خواصه الذين هم على علم بأدق تفاصيل حياته الخاصة والعامة ، وطلب منهم أن يبحثوا للرجل في القصيدة عن شبيه خارجها ، هل كانوا سيعرفون أن المقصود بها هو قريبهم ديغول ؟ وهل كان الجواهري ليجرأ أن يجترح هذه الدلالة / الفكرة عن الزعيم الخطّاء ، ويُجاهر بها فيما لو كان عبد الناصر ما زال حياً ؟ وهل يتقبل أي قائد عربي آخر سواء في زمن عبد الناصر ، أو الآن ، أو بعد قرن من الآن فكرة أنه عظيم الأخطاء ؟ أم فكرة ان ترفّعَ النفس يغنيه عن تتبّع من ينتقصونه ؟ أنه استدراج شعري ذكي من الجواهري لدفع القادة العرب إلى منح شعوبهم فسحة مهما كانت ضيقة للنقد عبر ستراتيجية الإنتقاص .
حاشية
(1) قصيدة ( ذكرى عبد الناصر ) ديوان الجواهري / الجزء السادس – وزارة الإعلام – 1977
(2) معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة – د . سعيد علوش – دار الكتاب اللبناني / بيروت ، وسوشبريس / الدار البيضاء – الطبعة الأولى 1985
(3) قصيدة ( إلى روح ديغول ) ألمجموعة الكاملة لأشعار أحمد الصافي النجفي غير المنشورة – وزارة الإعلام- 1977.


















