المكان استعارة للكينونة

المكان استعارة للكينونة

صمت المكان برقعة فسيفسائية

عقيل مهدي  يوسف

تطالعك قصص ( كمال لطيف  سالم) في مجموعته ( صمت المكان) برقعته الفسيفسيائية، المتناظرة الأشكال والحجوم والفضاء والزمان حيث يتوازى فيها                (السرد)، ويتقاطع، في ( ومضة مكثفة ، او مشهدية، او صفة او حوارية مختزلة، سعياً من( القاص) للوصول الى عتبة مغايرة الى هذا الحد او ذاك في نمط كتابته المتجاوزة للحدود الواقعية،  والجانحة الى تمثل  ضرباً اسلوبياً طبيعياً باقتناص تفصيلات حتى لو كانت مجهرية ومنها (( حوار النملات))  : على سبيل المثال !

وحين نقارب هذه المجموعة القصصية فانها تأتي مندرجة في نسق مشروعة السردي، الذي ضم اكثر من مجموعة  سابقة، تنتظمها في الغالب (( فكرة)) متصدرة، لرجل، يغيب نفسه، بارادة مجنونة، وحرية فوضوية، واندفاع عاصف للتخبط في اوحال المدينة ، وشذوذها، او في الضياع بمناطق ريفية قصية، يشيع منها الخراب، والمقابر ، والاكواخ المهجورة يريد (( البطل)) قي قصصه ان  يعقد  مصالحه  مابين فوضى الغرائز الحسية ، والقوالب الجادة، وحوافها المسننة في العالم الموضوعي الخارجي.

فرد صعلوك مستلب مايلبث ان يجد نفسه فجأة ماثلاً امام صمم فرد  طاغية يحكم بقبضة فولاذية ، ماحقة لحريته، وحرية امثاله من الصعاليك.

لكن البطل يملك وعياً بحالته ، بخلاف اولئك العجماوات من البشر، وهو ملم بدروب الفنون والاداب وتستهويه الكتب والمجلات واللوحات والافلام والاغاني .. هذا الكائن  تهصره الالام الممضة حين تمحق الثقافة))  جهاراً، تحت بسطال (( جنرال))  متغطرس، او سلفيات قهرية منحطة.

اقصى  مايطمح اليه البطل هذا ان ينتقل من (ماضويه) راكدة متعفنة تشيع الرهبة في نفسيه، حتى يقف أمام ( تاوباتها) التحريمية ، مرتاعاً ، ترتعد فرائصه فينكفء على نفسه ويتمرد عليها في حلول وهمية، تقوده الى حياة بوهيمية منفلته ، خطرة.

يحاول الدفاع عن قناعته، بعقوية، محل التعسف  الجبري والمعايير الصارمة المحددة لسلوك الانسان السوي المفترض، سواء في النظرة، والموثق من الثوابت المقدسة في حياة معاشه فعلياً، تستمد ثباتها الراسخ من قيم الامس وامام هذه ( التابوات)  الاخلاقية المزعومة ، يصبح فردوس البطل المفقود، وارضه الموعودة ، هي:

زجاجة الخمر، وجسد المرأة ، وغزو الفلوات، والارتماء على ضفاف الانهار ، والتكور في الحفر والارتماء على الارصفة ، فهي البديل الموضوعي، عن البيت ، والفندق ، وهي المصممة على وفق آليه جسده المتآكل والمضمحل الذي يتعتعه السكر فلا تكاد  نسمع له  صوتاً، الآ ما يشبه ( هسيس) قرض اسنان  لكائنات تعيش على المخلب والناب، متشبثة بحواف الحباة، او هوامشها، بفعل سنين عجاف مستدامة يقترب هذا الفرد، وقد تكالبت عليه الأمراض النفسية، وافترسته التخيلات الانشطارية( الفصامية) – من ماكنة مزمجرة تختزن طاقة مكبوته ، سرعان ما تنفجر لمطاردة احلام مستحيلة عن  مغاني الشباب المندثرة وتعطش  لأيام المراهقة، او في التماهي مع نجوم السيما في مغامرات ( ايروتيكية) فاضحة، امام الملأ، لتجسيد الهوة بين شهوات مقموعة، وواقع فسيح الارجاء، يحلم بتكريسه. متوهماً  انه بهذه النزوات  سيكون قادراً على هدم او  ثان مجتمعية  قارة، وسيفتك  بمعتقدات متحجرة لا سبيل الى التصالح معها بل يستمر العداء مستحكماً لافناء احدى هاتين الادرادتين المتصادمتين، رغم عدم التكافؤ بين كائن  ضامر، وقوة عاتية  ايدها العرف العام  ومافي مقدورة، بكل جنونه وعبثيته ان يقتلع غريزة القطيع هذه من منابتها ، وهو يحلم بالانتقال الى مملكة الحرية او فضاء الغواية والشهوة  والمتعة هذا البطل القصصي ( ابن الطبيعة) يتعرض للتجريف الكياني،  وتسقط عن جسده  ( ورقة التوت) فيقول:

(( كم هو مؤلم ان تكون اخر من يصل))

وهو يرى عصفوراً يصنع من( جوربه) عشاً،  سيبدو له قصيراً !

البطل يخاف من الظلام، وها هو رهين العتمة والوحدة تشاطره حيوانات تتخذ من الاشجار العملاقة ( فنادق) مجانية لها ! حتى انه يدرك حجم جسده حين يجد بقايا كوخ ، فيه فراغ((  يصلح بكتله  بشرية ضئيلة مثلي))  كما يقول، وحين ينشد الخلاص في سيارة الاجرة يعلق: ( كنت) ألبس حزني، والسائق يلبس خوفه)

وفي قصه( القوارب، حين يزيح الغطاء عن وجهه الشاحب يسمع اصواتاً غريبة، وهو يتشبث بزاوية رصيف حادة ودوائر الماء  الأسن، تلطخ وجهه الشاحب ويصف نفسه بانه سمكة تتشبت بالحياة، وهو قزم اقتحم المكان، متذوقاً طعم الخمرة بلسانه.

بل الادهى من ذلك نراه حين ينفرد بنفسه ، يعثر  على قبضة من اعشاب خضراء مزروعة في صدره ! لانه يقربنا ( الروائي)  عن ( بطله) يستخدم تقنيات الاضاءة السينمائية او المسرحية فيرقص في الزاوية التي سقط مستطل الضوء عليها. وفي لقطة ( كلوز – اب) مقربة ، يصف القاص( وجهاً انثوياً شاحباً، خيوط سود من الكحل الرخيص، فوق خديها الشاحبين، ليسألها:

هو – هل تعشقين  الريح ؟

هي – اخاف المطر

في نص ما يشبه المشهد المسرحي عنوانه: ( خرائب) بطله ( عبد الامير الحصيري) ، المنظر : مقهى، ليالي الاندلس عناقيد يابسة تتدلى مثل ( هياكل عظمية)

يخطب الحصيري: اسدلوا الستار فانا شاعر هذا العصر .

حين تضاء الوان ضوئية، حمراء، وزرقاء ومعها ( موسيقى) ثم يرد طارق  ياسين:

      لا خبر.. اية مأساة حب عذري،

           صنيعته فينوس التي احبها

وهنا في قصة ( الاختناق ) ينقل يوميات رجل على اعتاب الستين، يكابر، ويتحدى ويكتب ، حتى يكاد القاري ( يختنق)  من الحزن والكآبة  وهو  يسرد عليه انه قد اضاع نصف عمره في دراسة لايرغب ف يها، وخدمة عسكرية، ارغم عليها  ثم يودع  بسجن يتندر عليه السجناء ، لطبيعته المضحكة والمزرية والبليدة ! وهو يبكي الزمان والمكان  الذي تغير بسرعة مياغته، واستغفال النساء له، وطمعن فيه وهو المدان دائماً باصابع الاتهام التي تشعره بالذنب والخوف وهكذا ، نجد ( الخراب) يلاحقه في الحافلة ، وفي ( النائم) يتقلب في فراشة  وكانه  ( كومة طابوق) ، ويشخر مثل  ( بعير  ذبيح) وفي فكرة متسلطة ( للقاص).

هي معضلة الرأس ! ، فها هو الرسام (  صلاح جياد) في مقهى ( ليالي الأنس) يخطط شكل رأسي الغريب! واسم المقهى ، لايتناسب مع مسماها ،  فروادها من الادباء والشعراء والفنانين يتبادلون فيما  بينهم سيلاً  من الشتائم ..ز قذر ، فئران حقيرة ، خرتيت  وتترادف القصص اخرى ، مثل قصة( شيء من الحب) حين يكتشف ان حبه ، للفتاه ( سمر) هو مجرد  نزوة ، لا ترقى الى الكتاب الذي يحمله ، وهو يدخل القاعة !

ويجري ( القاص) ومضاته في مقطع  حواري من خلال هاتف بين رجل ناطق ، وأمرأة خرساء !

او يقترب من حافات  ( الدراما) بحوارية، تؤديها كما المحنا ، نملتان ، حيث يسدل الستار ، على:

((  حذا ثقيل يطبق عليهما…. تختفي بقعة الضوء))  وهناك – ايضاَ – مايشبهها بعنوان ( الراقص) الذي يتلوى على خشبة المسرح ، يتلوى في الفراغ،

مستغيثاً بالظلام ، وبقعة الضوء ثم يضرب الراقص نفسه على الارض ،  ويخمد،  سكن( الجمهور) لم يبال !

( كمال لطيف سالم) قاص لاتفوته ملاحظة ضرس طويل لامع، وانف اقنى، وانسان صغير يدب في دروب موحلة، متشابكة  وبيوت سرية مموهة، ودهاليز مربكة تتعادل مع اضطراباته السايكولوجية، وتمزقه الاجتماعي، وضبابية أفكاره وهو يدور مابين الصحو والغيبوبة ، ولكنه يبقى مغرماً بقراء المقام العراقي، حين يرسل احدهم  عقيرته بالغناء ، وهو يصفه : مرتشعاً ، محتقن الوجه،  ماسكا اذنه ويجمع اصابعه ! ثم يتابع ( القاص) حتى ( زوجة) قاريء المقام العاتي الصوت هذا ، وهي تلوذ منزوية خائفة متسائلة عن سبب هذا الصراخ !!

لايتركنا القاص( كمال) عند هذا الحد، بل يحيلنا في واحدة من خطراته الخاطفة، ومناجاته الهلوعة مع ( حذاء)!

وكانه يذكرك بشكل ما ( بحذاء ) الرسام ( فان كوخ)! حين يترك بصماته التعبيرية على حذاء فلاحة، اجاد الفيلسوف ( هايدجر)  تحليلها ظاهراتياً.

 انظر الى( حذاء) القاص ، كما يصفه : (( حاول ان يهرب منه، هربت اليمنى، وحاولت اليسرى ان تهرب، ولكنه مسكها متوسلاً لكي لا يمشي عاري القدمين في شوارع كلها عيون)).

ويذهب بعيداً الى مايشبه ((التناص)) مع( ازدهار الثر) للشاعر الفرنسي ( بودلير)، فيكتب ( حديقة الثر)،  ليبوح بموت قلبه، وماجرى مع ( حبيباته) الواتي  صرن سبايا أيادي قراصنة الزمن الصعب ! الامر الذي اودى( بعقله )  ليتحول  من ( وجوده) المسالم، الى شرور ( العدم)!

الهوامش:

كمال لطيف /  صمت مكان – قصص قصيرة

مكتب النور – بغداد : 2013