

الكاتبة رغد السهيل لـ الزمان: ربما الكتابة لحظة ولادتها فعل لا وعي فيه لكن الترتيب هو فعل الوعي
حاورتها: ضحى عبدالرؤوف المل
تفتح الكاتبة رغد السهيل نافذة على مختبرها السردي الداخلي، حيث لا تُكتب القصة بوصفها شكلًا ثابتًا، بل ككائن حيّ يتبدّل مع كل تجربة، ويعيد مساءلة حدوده في كل مرة. حديثها لا ينشغل بالحكاية بوصفها غاية، بل بالشكل الفني بوصفه قلقًا دائمًا، وبالمدينة لا كمكانٍ يُوصف، بل ككائنٍ يُحسّ ويُعاش ويُكتب من الداخل. بين أدب الرحلات والكتابة السردية، وبين الوعي واللاوعي، تكشف السهيل عن رؤية تتجاوز التصنيف، وتراهن على حرية النص، وعلى القارئ بوصفه شريكًا لا متلقيًا. هنا، لا نقرأ إجابات جاهزة، بل نتابع مسار كاتبة ترى في الكتابة فعل اكتشاف مستمر، للذات أولًا، وللعالم بوصفه أوسع وأكثر غموضًا مما نعتقد. ومع الكاتبة رغد السهيل أجريت هذا الحوار
– في أعمالك نلمس حرصاً واضحاً على أن يكون كل قصة تجربة جديدة، هل هذا خيار واعٍ منذ البداية، أم أنه يأتي بوصفه نتيجة طبيعية لقلق الكتابة لديك؟
بالتأكيد كل قصة أو تجربة سردية أحاول أن تكون مختلفة عن سابقاتها والا ما معنى أن نكرر التجربة، أساسا أتجنب أي تكرار في أي عمل، وهذا يأتي بصورة واعية و مقصودة شخصيا أحرص على البحث عن الجديد في الشكل مما يمنحني متعة حقيقية في اكتشاف ذاتي وقدراتي، فالمواضيع موجودة منذ الأزل هي ذاتها، الاختلاف يكون بالاسلوب وطريقة التعامل مع الفكرة لتوصيلها بالشكل الملائم للموضوع والشكل الذي يحمل جمالية فنية قد توضح الفكرة بصورة أفضل وتنسجم مع العصر الذي نعيش فيه، فلكل عصر وسائله، وفي الحقيقة الشكل الفني لأي عمل سردي هو ما يقلقني دائما ..
– نصوص هذه المجموعة تُربك مسألة التجنيس، فهي ليست قصة خالصة ولا نصاً مفتوحاً تقليدياً. هل كان ارتداء النص «زيّ القصة» قراراً مقصوداً، أم أنه فرض نفسه أثناء الكتابة؟
أولا نحن نعيش حاليا في عصر اللاتجنيس الأدبي هو بالنهاية سرد وربما نكتفي بوصفه سردا، لكن بالمقابل حين كتبت مجموعة سمفونية المدن المرئية كان في ذهني كتابة قصة ضمن أدب الرحلات وكان العمل عليها مقصودا بالتأكيد وفرض هذا علي التفكير بجانب المدينة الذي سأتناوله في القصة ، فكما تعرفين تظل القصة محدودة ولها شروطها ومعاييرها الفنية في الكتابة ومن الصعب نقل صورة المدينة كاملة عبر القصة، ثم علي التفكير بالكيفية الذي سأتناولها فيه، أي النواحي الفنية، لم أجد صعوبة في الأمرفكل قصة ولدت مع أسلوبها حقيقة، ربما لأنني وضعت في ذهني منذ البداية الهدف حيث يكون هناك حدثا يحمل نقطة توتر او اثارة للقارئ وفي نفس الوقت أنقل له صورة عن المدينة التي حدث فيها هذا الحدث وأفرض عليه التجول فيها كي يراها بعيوني..وجدت في هذا متعة خالصة وكأنني عاودت رحلاتي بشكل آخر، بل لعل هذا جعلني أكتشف المزيد عن تلك المدن، فالكتابة تكشف لك روح المدينة وتقف وجها لوجه أمامها، أما الرحلة ستجعلك تشعر بروح المدينة ولا تعرف كيف تواجهها، لسبب بسيط فأنت مسرع وتتنقل من مكان لآخر عبر الرحلة وتتكدس في ذهنك المعلومات، أما الكتابة ستفرض عليك التوقف والتأمل طويلا عندما رأيته وهنا ستكتشف المزيد…
– في قصصك لا نصف المكان بقدر ما نشعر به، كيف توازنين بين التجربة الذاتية وذاكرة القارئ الجماعية للمكان؟
المكان في هذه المجموعة هو الانسان، وما الانسان الا امتداد للمكان الذي يعيش فيه، فدائما هناك علاقة متبادلة بين المكان والانسان وكليهما يؤثر في الآخر، وهذا ما حاولت تصويره في هذه المجموعة، أما التجربة الذاتية فهي الملاحظات الدقيقة لتفاصيل المكان والبحث عن أعماقه وأساطيره القديمة وكيف تؤثر على من يعيش فيه وأحيانا دون وعي منه ، وهذا ربما يغيب عن ذهن القارئ ان لم نلمح له بشكل أو آخر ، عموما أفكر بنقل تجربة مختلفة فيها الشغف والاثارة والفائدة والمتعة للقارئ لكنني لا أفكر بذاكرة القارئ فهذا سيقيد الكتابة عندي وأفضلها حرة طليقة دون قيود..
– الإشارات الثقافية في النصوص تأتي عفوية وغير استعراضية؛ هل تكتبين وأنتِ تفكرين في قارئ «سيبحث» عن هذه الإشارات؟
حاولت في هذه المجموعة اضافة شيئ مختلف الى أدب الرحلات، وهذا النوع من الأدب يجب أن يقدم للقارئ وجبة فيها المتعة والحكمة وطبعا الثقافة، بالتأكيد كنت أفكر بتلك الاشارات بل وأختارها، وأعمل على تصفيتها بمصفاة بما يتلاءم مع روح النص وشكله أيضا والموضوع الذي اثيره، فالشكل هنا مهم وهو الذي يحدد نوعية تلك الاشارات وكيفية التعامل معها، يكفي أن ألمح بها للقارئ دون أي تصريح وهو حر أن كان سيبحث عنها أو لا، فعلي نقل الموضوع واليه وما يبتقى هذا اختياره.
– بعد كل هذه الرحلات النصية، ما الذي تغيّر فيكِ ككاتبة أكثر مما تغيّر في أسلوبك؟
أرجو أن أكون قد فهمت سؤالك ياعزيزتي بالتأكيد تجربة الكتابة عموما بحد ذاتها توسع من مدى الرؤية في التعامل مع المواضيع المختلفة، ومع كل تجربة هناك رؤية جديدة للعالم والوجود فهو أوسع مما نتخيل، من جانب آخر دائما في كل نص هناك ما هو ظاهر على السطح حيث الحكاية لكن الهدف غالبا ما يكون في العمق في الفكرة في التأمل في الحكمة، اما أساليب الكتابة فهي مجرد طرق ووسائل فنية عليها أن تتلاؤم مع الموضوع والهدف منه وهذه تكتسب مع الممارسة.
– هل كانت فكرة تطور الإنسان من الطفولة إلى الشيخوخة حاضرة في وعيك أثناء ترتيب النصوص، أم اكتشفتِها لاحقاً؟
كلا مطلقا، حين كتبت قصص هذه المجموعة في البداية لم أفكر بما تفضلت به، كنت أكتب ما أشعر وأفكر فيه، وحين انتهيت وراجعت ما كتبت لمست وجود ايقاع موسيقي خفي بين النصوص فحاولت ترتيبها على شكل السمفونية، حينها فكرت فقط بالحركات السمفونية ومتى يرتفع او يهبط ايقاعها ووجدتها منسجمة تماما مع النص، كأني لم أكتب النص هو الذي كتب نفسه وكل ما علي هو متابعته والاصغاء اليه لالتقاط موسيقاه الداخلية ليتم الترتيب على هذا الاساس، من جانب أخر اساسا الموضوع حيث المدينة هي الانسان بلاشك ستكون هناك مراحل تنمو فيها المدينة من الطفولة الى الشيخوخة ، لعل الموضوع هو الذي فرض تطوره وترتيبه..ربما الكتابة لحظة ولادتها فعل لا وعي فيه لكن الترتيب هو فعل الوعي ..
– هل ترين هذه المجموعة أقرب إلى «متوالية قصصية» أم ما زلتِ تفضلين تسميتها مجموعة قصص؟
حقيقة لا افكر كثيرا بهذه القضايا وربما ان فكرت لن أكتب، فهي تعود لنظرة الناقد بالدرجة الأولى ،أنا عملي ككاتبة ان أنقل اليه النص وأمارس في كتابته مطلق الحرية دون أي قيد او شرط، ليقرر هو ما يرى فيه، لكنني كتبت هذه المجموعة لتكون شكلا من أشكال القصة في أدب الرحلات وأجد كل قصة منفصلة عن الأخرى وان كانت تقع ضمن مقطوعة معينة في حركة سمفونية خاصة ، وهكذا تتابع القصص لكل منهم حركتها الخاصة في ايقاع عام ، بالنسبة لي الايقاع العام هو المدينة ، ولست أعرف هل يعتبرها الناقد متوالية أم لا وهذا يعتمد أساسا على تعريف المتوالية القصصية؟ وتلك كلها قضايا نقدية بحتة..
–


















