العنف وعلاقته بأزمة الهوية لدى الشباب

 سناء عيسى الداغستاني

من منظور تطوري  يشير  اريكسون ان الهوية تحدث خلال عملية الالتزام والاستكشاف  التي تحدث في مرحلة المراهقة وتقود الفرد الى اتخاذ قرار  بشأن جوانب من شخصيته ومن منظور اجتماعي تركز على احساس الفرد بالانتماء الى جماعة اجتماعية واتجاهاته ومشاعره المصاحبة لتلك الجماعة بوصفه جزء مهم من مفهوم الفرد لذاته ويستمر  تقديره  لذاته من انتمائه والقيمة التي يعطيها لجماعته التي ينتمي اليها. عندما نريد ان نربط بين المنظورين وهو الشعور الذاتي والشعور الذاتي المستمر من الجماعة يجب ان نوضح الاتي: الافراد في ظل الشعور الذاتي بهوياتهم يشعرون بالاستمرارية والتماثل وهذا يزود الافراد باحساس مستقر للذات فالهوية ليست شيئا يمتلكه الافراد تلقائيا بل انها تتطور عبر الزمن ابتداء من الطفولة عبر عملية التامل والملاحظة والتي تبرز في المراهقة والشباب لانجاز واستكمال الهوية. ولكنها لا تحقق لدى  كل الافراد اذ يؤدي الفشل في انجازها الى اضطرابات في الدور الذي يقوم به الفرد وعجزه عن التقدم في حياته ولا يستطيع ان يوازن بين حاجاته الشخصية وبين متطلبات العالم الاجتماعي والفرص التي يقدمها.ازمة الهوية تحدث عندما يكون هناك صراع في المراهقة بين هويته من انا من اكون مقابل غموض الدور الذي يمكن ان يؤديه في الحياة وهي بداية المرحلة لتكوين الهوية فاذا لم ينجح الفرد في تكوينها بشكل حقيقي تصبح مرحلة الرشد صعبة جدا والالفة مع الاخرين مستحيلة والعلاقات غير متوقعة لهذا فان جذر السلوك المتطرف والعنف والتعصب يكمن في الطريق الذي يتبعه تطور مفهوم  الهوية الشخصية عندما يتماثل مع ذاته ويكون واثقا وان احساسه بذاته يكون مساوياً لاحساس الاخرين به ومكافئاً في المعنى الذي يحمله عن نفسه.

وتنشأ الازمة Crisis وعندما يبدأ الصراع بين العوامل النفسية الذاتية وبين العوامل الاجتماعية الخارجية وان فشل المجتمع في ايجاد حلول لهذه الازمات   يؤدي الى صراعات في هذه المرحلة. وفي هذه المرحلة يكون لدى المراهق حاجة للايمان بشيء ما او بسبب بحثه عن المعنى والاحساس فاذا وجد نفسه يعاني من الغموض والتناقض وعدم القدرة عن تكوين  مفهوم واضح للذات يندفع للتعويض عن النقص بالتوحد بهويات جمعية اخرى ذات طابع ايديولوجي عنفي توفر له اليقين فوسط هذه الجماعات المتطرفة لا يجد المراهق هويته فقط وانما يجد تفسيرات لازماته ووعودا للمستقبل ولهذا فالهوية  هي ليست معطى فردي شخصي فقط بل مفهوم جمعي متجذر في الانتماء الاسري والعرقي والطائفي والوطني للفرد.

رأى  كثير من العلماء ان ازمة الهوية يمكن ان تجعل الفرد اكثر استعدادا للتعصب وهو اجراء دفاعي ضد الشعور بتشتت الهوية او ارتباك  الدور ولهذا   فهي تجنبه الشعور المؤالم باللاهوية وتمكنه من التهرب من اسئلة  داخلية لديه فالتعصب  قد يهيء  حلا لمشاكل ضاغطة  لكنه يضيع  على صاحبه حل هذه المشكلة حلا واقيعا ملائما  ويكون رد فعل  لواقع شخصي متازم وهو انعكاس لواقع  اجتماعي متأزم فكل تفسير نفسي يأتي تفسير اجتماعي بيئي. ويمكن  هنا ان نطرح السؤال الاتي : كيف تهيء الهوية الاقل نضجا في اكتساب الاتجاهات التعصبية؟ ان الشخص مشتت الهوية يظهر لديه تشوش كبير في اجابته على سؤال من انا. ومن اجاباته انا ألا شيء ولا اعرف من انا، كنت اتمنى ان لا اكون انا اتمنى ان اعرف من انا فالمشتت لديه ارتباك وليست له هوية  خاصة ومن ثم فهو يفتقد الى التوجيه الذاتي وتسمى الميوعة النفسية فليس له فلسفة خاصة في الحياة او قناعات دينية او فكرية او توجه مهني معين.

ولهذا يصبح اكثر تاثرا بالظروف وتقبلا بشكل يحمل فلسفات ووجهات نظر الاخرين. ولهذا اكثر عرضة لتبني فلسفات ووجهات نظر الاخرين لانها حالة تخدم مشتت الهوية. ولعل هذه القابلية للتاثر: هو ما تستعمله الجماعات المتطرفة لاستقطاب هؤلاء الشباب وفرض قيمها ومعاييرها لانها تلاقي القبول لهؤلاء وهذا ما تستغله الجماعات المتطرفة المتعصبة الممارسين  للعنف في استقطاب فئة الشباب المهمش وفرض  قيمها ومعاييرها التعصبية التي من الارجح ان تجد تقبلا من هؤلاء الشباب الذين ليس لهم اسناد او قيم ومعايير خاصة. ويفسر هذا كيف ان غالبية الجماعات على توجهاتهم العقائدية والايديولجية هم من الشباب والمراهقين وحتى من الاطفال اذ يتم استغلالهم احسن استغلال وهذا يرجع ايضا الى معاناة هؤلاء المراهقين والشباب  من مشاكل  المجتمع الذي لم يساعدهم في ايجاد مكان ملائم  ودور لقدراتهم يحققون فيه او يجدون فيه انفسهم كما لم يتعلموا او يمنحوا فرصة ملائمة تمكنهم من بلورة فلسفة حياة او توجه ديني او سياسي مبني على اساس الحوار الديمقراطي والاقتناع العقلي والمناقشة القائمة على العقلانية. وعندما نرى شباباً يصطفون ويفجرون انفسهم ما هي مشاكلهم الا هي  مشاكل  هوية وكينونة  اي  شخصية  ناضجة وهذا ما يفسر عنفه وارهابه ضد كل من يحاول التشكيك في الجماعة وبهذا قد افلحت الجماعات الارهابية  في توظيف اخفاقات المجتمع تجاه شبابه  لصالح وخدمة – توجهاتهم واهدافهم. ولهذا الانتماء لتلك الجماعات  قد لا تاتي بسبب التمرد والسخط والاستياء من المجتمع الذي ينظر اليه بعين التقصير ويراه عدوا له بل يحاول  الانتقام منه من خلال الانتماء واعتماد سياسات هدامة يرفضها المجتمع كما لو كان لسان حاله يقول: (ايها المجتمع الذي لم يعينّي  على ان اعرف من انا واكون ما ينبغي ان اكون ايها المجتمع الذي لم يشعرني قط باني جزء منك، ايها المجتمع الذي  جعلني اشعر انك غريب وانا غريب عنك هناك حائط هائلا بيني وبينك وانت الذي صنعته، حسنا لن اكون مثلما تريد لي ان اكون بل سوف اكون مثلما يريد لي من تعتبره عدوك لانك صرت بالفعل عدوي فلا تلمني  ولكن حاسب نفسك) هذه ليست من قبيل عبارات انشائية  ولكنها بالفعل هو ما اعتقده انه يعكس حال اعضاء الجماعات  المتعصبة والعنيفة والارهابية من المراهقين والشباب ونظرتهم الى المجتمع.

وقد حصلت على دراسة ظاهرة الارهاب كما يراها الشباب تتمحور اسبابها حول كل من البطالة والجهل بالدين وغياب العدالة الاجتماعية  وغياب الديمقراطية والاحباط النفسي وارتفاع سن الزواج وعدم رقابة  الوالدين  لهم وارتفاع الاسعار. وكلها عوامل لا تساعد الشاب على العيش بكرامة وغياب الاسناد الاجتماعي المنتظر من قبل المجتمع اذا انظم مشتت الهوية الى الجماعات المتطرفة والعنقية  فانها تمنحه الهوية والعناصر التي يفتقدها فهي في البداية تشعره بالانتماء وتشبع رغبته في الاعتراف والتقدير وتقدم له ادوارا  معينة للعمل وتكلفه به ويشعر باهميته في العملية  ثم تبدأ  بغسيل دماغه  وزرع ايديولجية ونسق من الافكار والقيم وقناعات  دينية  معينة او توجهات سياسية (معدة مسبقا) وهذه تقنية التلاعب الادراكي التي تضع عقل الفرد في حالة من الضبابية والشك ويعتقد ما هو صحيح يكون غير صحيح وما هو حقيقي يصبح غير حقيقي وخطأ وما لم يحصل يكون قد حصل حتى يصبح في نهاية الامر مجرد ربوت او انسان مسير فاقد للارداة الحرة والقدرة على التوجه وعندها تبدأ فقدان التعليمات السباقة ينفتح المجال الى تعلمات جديدة تؤدي الى التغيير المطلوب، هذه التقنيات في التلاعب تسمى بالعصاب التجريبي اي المرض النفسي الاصطناعي (يستند الى مبادئ التعلم الاشراطي والاجرائي) وهنا يفقد السيطرة على قراراته  ويصيبه الجمود والاستسلام  والعجز امام هذه الجماعات   ويصبح اداة طبيعة بيد هؤلاء.

وبالتالي يتمثل دفاعه عن الجماعة التي انتسب اليها دفاعه عن ذاته وهويته لانها تصبح الجماعة صورة للذات وامتداد لها فلا عمل ذو قيمة ولا مصادر  امنية ولا مشاركة ولا ديمقراطية. ودراسة اخرى اشارت الى البطالة وعدم المشاركة في صنع القرار وغياب دور القدوة لدى الشباب  والافتقار الى رجل الدين المستنير بافكاره والمعتدل.

ولهذا  تتعالى الصيحات والنداءات  للباحثين والمفكرين من ذوي الاختصاص بالدعاوى  في التاكيد الى العوامل التي تحول دون تشتت الشباب  في توفير فرص العمل المناسب مع قدراتهم في صناعة القرار في الحياة الاجتماعية والسياسية.