العناية بالجودة … ماذا تعني ؟ – هارون يحيى

زمان جديد

هارون يحيى

لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬السر‭ ‬وراء‭ ‬قوة‭ ‬الغرب‭ ‬ارتبط‭ ‬بشكل‭ ‬معقد‭ ‬بالتطورات‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المشاهد‭ ‬الدموية‭ ‬الصادمة‭ ‬التي‭ ‬نشهدها‭ ‬اليوم‭ ‬بزغت‭ ‬بدون‭ ‬أدنى‭ ‬شك‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الخطط‭ ‬المرسومة‭ ‬بعناية‭.‬

بيد‭ ‬أنه‭ ‬بالكاد‭ ‬يبدو‭ ‬صحيحًا‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭ ‬المسلمة‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تلقي‭ ‬باللوم‭ ‬كله‭ ‬على‭ ‬الغرب،‭ ‬وألا‭ ‬تستوعب‭ ‬أي‭ ‬دروس‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المشاق‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬شخص‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬مجتمعات‭ ‬بعينها‭ ‬استسلمت‭ ‬للتطرف،‭ ‬وأعدت‭ ‬نفسها‭ ‬للمؤامرات‭ ‬السرية‭ ‬التي‭ ‬تُحاك‭ ‬لأجل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬وطالما‭ ‬اعتبرت‭ ‬القوى‭ ‬العميقة‭ ‬للعالم‭ ‬الغربي‭ ‬أن‭ ‬مجتمعات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ “‬فريسة‭ ‬سهلة‭ ‬يمكن‭ ‬استغلالها‭”‬،‭ ‬ويرجع‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬إلى‭ ‬الأخطاء‭ ‬الجسيمة‭ ‬التي‭ ‬ترتكبها‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭. ‬إذ‭ ‬يعتبر‭ ‬غياب‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬والغياب‭ ‬العام‭ ‬للحرية،‭ ‬وكره‭ ‬النساء‭ ‬لبعضهن‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأخطاء‭ ‬الجسيمة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬سنسلط‭ ‬الضوء‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬تُرتكَب‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالجودة،‭ ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬مجموعات‭ ‬بعينها‭ ‬تسعى‭ ‬لتصدير‭ ‬غيابها‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬أسلوب‭ ‬حياة،‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬تصدره‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التزاماتهم‭ ‬الدينية‭.‬

في‭ ‬عالم‭ ‬المتعصبين،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يرتبط‭ ‬الدين‭ ‬بالبؤس،‭ ‬وقد‭ ‬تسببت‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬رهاب‭ ‬الإسلام‭ (‬الإسلاموفوبيا‭) ‬ورهاب‭ ‬الأجانب‭. ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬البائسة‭ ‬عن‭ ‬المسلمين‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬بأكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬لدى‭ ‬العالم‭. ‬

رغم‭ ‬أن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مركز‭ ‬الحضارة‭ ‬والعصرية،‭ ‬باعتباره‭ ‬الوكيل‭ ‬الأمثل‭ ‬للجودة‭ ‬والحضارة‭ ‬التي‭ ‬وُصفت‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭.‬

فوفقًا‭ ‬لما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬القرآن،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المسلمون‭ ‬القدوة‭ ‬في‭ ‬التعاطف‭ ‬والمحبة‭ ‬والطيبة‭ ‬والكرم‭ ‬والنظافة‭ ‬والكياسة‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬النبي‭ ‬محمد‭ ‬‭(‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬أحسن‭ ‬الناس‭ ‬أخلاقًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوقت،‭ ‬وأبصرهم،‭ ‬وأطيبهم،‭ ‬وألطفهم،‭ ‬وأبهاهم‭.‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬لتصوير‭ ‬الإسلام‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬دين‭ ‬البؤس‭ ‬ليسوا‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬بالقرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬كما‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬الله‭ ‬حقًا‭. ‬إن‭ ‬الله‭ ‬جميل‭ ‬يحب‭ ‬الجمال؛‭ ‬فمن‭ ‬أجل‭ ‬هذا‭ ‬خُلقت‭ ‬الفراشات‭ ‬والطيور‭ ‬والأشجار‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬شديدة‭ ‬الجمال‭.‬

لا‭ ‬تتطلب‭ ‬الجودة‭ ‬أموالًا‭ ‬طائلة،‭ ‬بل‭ ‬تتطلب‭ ‬الذوق‭ ‬والفن‭ ‬والرغبة‭ – ‬والحاجة‭ ‬أيضًا‭ – ‬في‭ ‬الحسن‭ ‬والجمال،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المرء‭ ‬شديد‭ ‬الذكاء‭ ‬والأناقة‭ ‬والكياسة‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬ينفق‭ ‬أموالًا‭ ‬كثيرة‭. ‬وبالمثل،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬بلا‭ ‬ذوق‭ ‬رغم‭ ‬الثروة‭.‬

يمنع‭ ‬بعض‭ ‬المتطرفين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬بما‭ ‬فيهم‭ ‬تركيا،‭ ‬مجتماعتهم‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬علاقات‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬بسلوكياتهم‭ ‬المتضاربة‭. ‬إنهم‭ ‬ينشرون‭ ‬الجلافة‭ ‬والتخلف،‭ ‬لكنهم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬يعشقون‭ ‬الجودة‭ ‬الأوروبية‭ ‬سرًا‭. ‬يعتقد‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأشخاص‭ ‬المتزعزعون‭ ‬أن‭ ‬كلًا‭ ‬من‭ ‬أهلهم‭ ‬وهم‭ ‬أنفسهم‭ ‬عديمو‭ ‬القيمة‭ ‬ومُهمَلون،‭ ‬كما‭ ‬أنهم‭ ‬يروجون‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ (‬والعالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬القيِّم‭ ‬بعيد‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الانطباعات‭). ‬وقد‭ ‬أثرت‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬المشوهة‭ ‬بشدة‭ ‬على‭ ‬تصورات‭ ‬مجتمعات‭ ‬غربية‭ ‬بعينها‭ ‬عن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬ونتيجة‭ ‬لهذا،‭ ‬تبنت‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬نزعة‭ ‬تميل‭ ‬للنظر‭ ‬إلى‭ ‬أبناء‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬مُهمَلون‭ ‬وعديمو‭ ‬القيمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أجج‭ – ‬بصورة‭ ‬عامة‭ – ‬النظرة‭ ‬العنصرية‭.‬

يُعدّ‭ ‬وضع‭ ‬الجودة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬سياسة‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬الإسلامية‭ ‬أمرًا‭ ‬ذا‭ ‬أهمية‭ ‬عظيمة‭. ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬السبيل‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يسهل‭ ‬مواجهة‭ ‬النظرة‭ ‬الخطيرة‭ ‬للمتطرفين‭. ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬استحداث‭ ‬وزارات‭ ‬للجودة‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وينبغي‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬الناس‭ ‬وسائل‭ ‬للاطلاع‭ ‬على‭ ‬الفنون‭ ‬والعلوم‭ ‬والإسهام‭ ‬فيها،‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُرعَى‭ ‬الجودة‭ ‬وتُشجَّع‭ ‬بكل‭ ‬الطرق‭ ‬الممكنة‭. ‬فيجب‭ ‬أن‭ ‬تُفسَّر،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الاستشهاد‭ ‬بالقرآن،‭ ‬على‭ ‬أنها‭ (‬الجودة‭) ‬من‭ ‬السمات‭ ‬الشخصية‭ ‬المهمة‭ ‬للمسلمين‭ ‬وأنها،‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬إحدى‭ ‬متطلبات‭ ‬المبادئ‭ ‬الأخلاقية‭ ‬القرآنية‭.‬

ليست‭ ‬أوروبا‭ ‬مثالية‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تصورهم‭ ‬للفن‭ ‬والجودة‭ ‬يستحق‭ ‬الثناء‭ ‬الكبير‭. ‬وبناء‭ ‬عليه،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُتَّخذ‭ ‬أوروبا‭ ‬مثالًا‭ ‬يُحتذى‭ ‬به‭ ‬للتقدم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭.‬

يعتبر‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬بمكان‭ ‬تذكُّر‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الجودة‭ ‬يمنع‭ ‬التفكير‭ ‬الصحي،‭ ‬ويمنع‭ ‬التفكير‭ ‬الحر،‭ ‬ويفضي‭ ‬إلى‭ ‬العداوة‭ ‬والخصومة‭. ‬ولا‭ ‬تتناسب‭ ‬هذه‭ ‬الصفات‭ ‬مع‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإسلامية‭. ‬فمن‭ ‬مسؤوليتنا‭ ‬أن‭ ‬نوضح‭ ‬الجودة‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬الإسلام‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬بأسره،‭ ‬وأن‭ ‬نكون‭ ‬نحن‭ ‬أنفسنا‭ ‬قدوة‭ ‬في‭ ‬الجودة‭.‬

إذ‭ ‬إن‭ ‬تصوير‭ ‬تلك‭ ‬الروح‭ ‬بأنفسنا‭ ‬هو‭ ‬أهم‭ ‬خطوة‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬الذي‭ ‬أصابته‭ ‬العداوات‭ ‬والحروب‭.‬

ولهذا‭ ‬السبب؛‭ ‬يُعدّ‭ ‬تقدير‭ ‬الجودة‭ ‬الفائقة‭ ‬واستيعابها‭ ‬أمرًا‭ ‬ضروريًا‭. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬يريده‭ ‬ربُنا‭.‬

ألّف‭ ‬هارون‭ ‬يحيى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬300‭ ‬كتاب،‭ ‬تُرجموا‭ ‬إلى‭ ‬73‭ ‬لغة،‭ ‬وتتناول‭ ‬قضايا‭ ‬السياسة‭ ‬والعلم‭ ‬والدين‭.‬