العرب وطريق الخلاص من العبودية – مقالات – معتصم السنوي
وجَدَت الامة العربية نفسها بعد غيبوبة دامت عقودا من الزمن الصعب، في مواجهة مشكلات أساسية لم يعد يصلح لها ما قد ورثناه من قيم مبثوثة في تراثنا وواقعنا المعاش، لسبب بسيط هو أنها لم تكن هي نفسها (المشكلات) التي صادفت أسلافنا حتى نتوقع منهم أن يضعوا لها الحلول، وعلى رأس هذه المشكلات (الحرية) بمعناها (السياسي) ومعناها (الاجتماعي) وهما المعنيان اللذان تدور حولهما أرجاء الحياة المعاصرة، معظمها إن لم يكن جميعها، هما كذلك المعنيان اللذان لم يكونا موضع النظر عند الأقدمين. فقد كانت فكرة (الحرية) تنصرف عندهم إلى المعنى الذي يقابل (الرق) فالفرد من الناس إما أن يكون حراً ذا حقوق وواجبات، وإما أن يكون عبداً مملوكاً لغيره. فلا حقوق له إلا ما يأذن له به مولاه، وكل ما يأمر به (مولاه) هو (واجب محتوم..! فبعد أن قدم الإنسان المعاصر التضحيات زالت هذه (التفرقة) لم يعد أمامنا في الصورة الحاضرة إلا مجموعة من المواطنين هم أنفسهم مجموعة الأحرار، ووجدنا أنفسنا في عصرنا هذا بين هذين الطرفين: أنظمةالحكم التي تكفل الحرية للشعب ننقلها على الورق، ثم صورة موروثة تخلع على الحاكم (الملك) أو (الأمير) أو (السلطان)، بالمعنى التاريخي القديم، يعطي من يشاء ويمنع عمن يشاء بغير حساب..! ومن ثم نشأت أمام المفكرين مشكلة المطالبة بتحقيق الحرية السياسية تحقيقاً يجاوز الكتابة على الورق، ليصبح سلوكاً جارياً في صلب الحياة التي نحياها كل يوم..! وشاء القدر الغشوم أن تستيقظ الشعوب لتجد نفسها في (قبضات) المستعمرين -المحررين- فكان من الطبيعي أن توجه الطاقة الثائرة كلها أولاً نحو هؤلاء (المستعمرين) لتتخلص من قيودهم، ثم ننصرف بعد ذلك لتنظم البيت ما دمنا أصبحنا سادته، مشكلة الحرية السياسية إذن هي علي رأس مشكلاتنا المعاصرة، التي نشأت أساساً بسبب الفجوة الفسيحة العميقة التي تباعد بين أنظمة الحكم في العصر الحديث، والصورة التي ورثناها عن الحاكمين وما يحيط بهم من جاه وسلطان وهيل وهيلمان، وأصعب من هذه الحرية السياسية منالاً، حرية أخرى يقتضيها عصرنا ولم تكن معروفة ولا مألوفة – في صورتها الحديثة- عند أسلافنا، وأعني بها (الحرية الاجتماعية) التي تكفل الحياة المادية للمواطنين، حتى لا يجدوا رقابهم في أيدي من يوفرون لهم سبل العمل والعيش، إنها لمهزلة أن يقال للناس: أذهبوا فأنتم الأحرار في انتخاب من يمثلونكم في مجلس النواب، ومن يحاسبون رجال الحكم نيابة عنكم، وبهذا تصبحون أنتم (الحاكمين والمحكومين) معاً، فإذا ما أرتدّ هؤلاء الناس ليؤيدوا هذا الحق السياسي، وجدوا أنفسهم وجهاً أمام (سادة) يتحكمون في أرزاقهم، وعلى هؤلاء الناس أن يختاروا بين انتخاب أولئك السادة وبين التعطل والتشرد والجوع لأنفسهم ولعيالهم، وليست مشكلة الحرية بمقصورة على شعوب المنطقة العربية في هذا العصر، بل إنها لتتسع حتى تكاد تعم العالم كله، وإن تنوعت أشكالها بتنوع الظروف، فهو عصر تميز بكثرة ما شهده من نظم (دكتاتورية ونازية وفاشيّة وعسكرية، قد يكون لكل منهما ما يبرره في سياسة إقليمية الذي ظهر، وبتبريرات، لا تصب في نهاية المطاف في صالح الشعوب التي تخشى ألا يتم التحول المنشود من نظام قديم إلى نظام جديد إذا تمزق الرأي العام تحت ضغوط المذاهب والاتجاهات المتنازعة، لاسيما إذا كان ورائها أعداء يتربصون ويتصيدون في الماء العكر..! وهكذا وهكذا: أسباب كثيرة وظروف متنوعة قد تؤدي إلى صورة من صور الحكم الفردي الذي لا يسمح بحرية الرأي ولو إلى فترة محدودة، انتهت بالعالم في عصرنا إلى قيود فرضت على الحريات في أجزاء كثيرة من العالم والمنطقة العربية وشعوبها غير بعيدة عما يحدث من تغييرات تفرضها حركة التاريخ السائرة نحو الأمام.


















