

العراق في كتاب نعومي كلاين”عقيدة الصدمة..صعود رأسمالية الكوارث”: تفتيت المجتمع وتشكيله
مروان ياسين الدليمي
يُعدُّ عالم الاقتصاد الأميركي ميلتون فريدمان(1912-2006)مرشد حركة النيوليبرالية وواضع أسسها.وقد تتلمذ على يديه رؤساء للجمهورية،ورؤساء وزراء بريطانيون،وكثير من الأقليات الحاكمة في روسيا،ووزراء مالية بولنديون،وطغاة من العالم الثالث،ووزراء من الحزب الشيوعي الصيني،ومدراء في صندوق النقد الدولي،والمصرف الاحتياطي الفديدرالي الأميركي.وأطلق مصطلح “صبيان شيكاغو”على طلبة الاقتصاد الذين تخرجوا من تحت يديه من جامعة شيكاغو،منذ خمسينات القرن الماضي.
السرعة الخاطفة
يرصد كتاب نعومي كلاين”عقيدة الصدمة..صعود رأسمالية الكوارث”الذي يتوزع على واحد وعشرين فصلا،والصادر بطبعته العربية عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في لبنان،كيف أن فريدمان وأتباعه عمدوا منذ مطلع سبعينات القرن الماضي على تعزيز استراتيجة استثمار ما يحصل من كوارث وزلازل وأعاصيروحروب مدمرة للهيمنة على المجتمعات المنكوبة من بعد أن يُفرضُ عليها نموذج اقتصاد السوق الحرة.حيث يؤكد فريدمان على ضرورة أن يتصرف المستثمرين الأجانب بسرعة خاطفة عند وقوع أزمة ما،بهدف تصفية القطاع العام والاستيلاء على مؤسسات النفط والمعادن والثروات الطبيعية والكهرباء والاتصالات،وتحجيم ملف الخدمات الاجتماعية،قبل أن يستيقظ المجتمع المرهق من الصدمة،ليقع مجددا رهينة استبداد الوضع القائم.وأن يكون أمام الإدارة الجديدة مهلة زمنية من ستة شهور إلى تسعة شهور لتحقيق تغييرات كبيرة،وإلاَّ ستضيع فرصتها الثمينة.ومن وجهة نظر الكتاب فإن استحواذ أقلية صغيرة من الناس على ثروات العالم لم تكن مشروعة،والمشكلة لم تقتصر على عدم وجود اشخاص يتمتعون بمواصفات فريدمان،بل في سلسلة الفضائح والجرائم التي أحاطت بالزعماء السياسين ممن تعاونوا مع أصحاب عقيدة النيوليبرالية،ابتدأ بالجنرال أوغستو بينوشيه وانتهاء بساسة العراق الذين جاءوا مع قوات الاحتلال الأميركي.
وفقا لعقيدة الصدمة لعبت المؤسسات الاقتصادية التي دعمتها مؤسسة فورد والمنظمة الأميركية للتنمية الدولية،دورا مركزيا في الانقلابات العسكرية بدءا بانقلاب تشيلي عام 1973 ضد الزعيم الاشتراكي سليفادور اليندي،حيث عمل فريدمان مستشارا للجنرال بينوشيت قائد الانقلاب،فنصحه بضرورة فرض تحول خاطف في النظام الاقتصادي الاشتراكي الذي كان قد أسسه اليندي،فعمد بينوشيه على تخفيض الضرائب،وتعزيز التجارة الحرة،وخصصة القطاعات الخدمية،وخفض الانفاق الاجتماعي،والحد من تدخل الحكومة.وفي نهاية المطاف رأى التشيليون أن مدراسهم وجامعاتهم الحكومية تحولت إلى مؤسسات خاصة لايستطيع الفقراء الانخراط فيها.وتنبأ فريدمان من جانبه بأن سرعة هذه التحولات وفجائيتها ستثير ردود أفعال نفسية في أوساط الشعب،وستسهل بالتالي عملية التكيّف،فنحَتَ عبارة”المعالجة بالصدمة الاقتصادية”واصفا بها استراتيجيته الموجعة.

زنزانات التعذيب
عمل بينوشيه على المعالجات بالصدمة،عبر زنزانات التعذيب الجسدي لأشخاص وقفوا بوجه التحول إلى الرأسمالية.وتتفق كلاين مع قناعة الكثير من المراقبين في أميركا اللاتينية الذين وجدوا صلة مباشرة بين الصدمات الاقتصادية التي افقرت ملايين الناس ووباء التعذيب الذي كان يُعاقَب به آلاف الأشخاص ممن كانوا يؤمنون بنوع مختلف من المجتمعات،ولتأكيد هذه الاستنتاج تضع سؤالا طرحه الكاتب الاوروغوياني إدواردو غاليان:” كيف يمكن الحفاظ على استمرارية هذه اللامساواة سوى عن طريق اسلاك الصدمة الكهربائية ؟” .
بعد ثلاثين سنة من وقوع تلك الاشكال الثلاثة المُختلفة من الصدمات على تشيلي،ترى كلاين أن الصيغة نفسها برزت مُجددا في العراق وبشكل أعنف بكثير،فالحرب عام 2003 التي صممها أصحاب عقيدة الصدم والترهيب العسكرية،عملت على التحكم في إرادة العراقيين وبصيرتهم،لتجعلهم عاجزين عن الفعل ورد الفعل،ثم جاءت بعدها المعالجة الجذرية بالصدمة الاقتصاديةالتي فُرضت عليهم، بينما كان البلد لايزال تحت لهيب النار من قبل كبير مبعوثي الولايات المتحدة بول برايمرعندما لجأ إلى خصخصة شاملة لمؤسسات الدولة بدءا بالمصانع،وإطلاق تجارة كاملة الحرية،وضريبة ثابتة بنسبة 15% ،وتقليص دراماتيكي لدور الحكومة في الخدمات العامة من تعليم وصحة واتصالات وكهرباء ومواصلات.وعندما قاوم العراقيون المشروع جوبهوا بعنف مفرط وحوصروا وخطفوا ونقلوا إلى السجون،فتعرضوا لمزيد من الصدمات الجسدية والنفسية .
سوهارتو والتجربة الأولى للعلاج بالصدمة
المرة الأولى التي نجحت فيها عقيدة الصدمة تحققت بعد نجاح انقلاب الجنرال سوهارتو الدموي عام 1967 ضد الزعيم الاشتراكي سوكارنو،وكانت مؤسسة فورد قد عمدت إلى تأسيس كلية للاقتصاد قبل انقلاب سوهارتو،ومن خلالها زرعت افكار فريدمان في عقول طلبتها،وفي ما بعد تم توظيف كافة خريجيها في إدارة اقتصاد اندونوسيا بعد نجاح الانقلاب،فلجأ النظام الجديد الى بيع النفط والثروة المعدنية الى شركات الاستثمار الأجنبية،بعد أن كان مؤمما في عهد الرئيس الأسبق سوكارنو الذي كان قد شرع قوانينا تضمن العدالة الاجتماعية،وتوفر الضمان الاجتماعي والصحي والتعليمي للمواطنين،وتشجع الصناعة الوطنية،وعدم الاعتماد على سياسة الاستيراد من الدول الأجنبية،فجاء نظام سوهارتو الجديد ليلغي كل هذه التشريعات وفقا لافكار فريدمان،مما أدى الى توقف المصانع المحلية وتسريح مئات العمال،وانتشار البطالة والفقر،في مقابل انتعاش الطبقة البرجوزاية،وهذا ما ساهم في انطلاق تظاهرات عنيفة عام 1974 رُفِعت فيها شعارات موجهة ضد الاستثمارات الأجنبية التي نهبت ثروات اندونيسيا وحطمت قاعدته الاقتصادية .
صبيان شيكاغو ودكتاتوريات العالم الثالث
تسرد كلاين كيف ارتبط المتخرجون من الجامعات التي ترعاها مؤسسة فورد بأعنف الدكتاتويات التي شهدها العالم الثالث،بما يتناقض مع شعارات المؤسسة الداعية الى تعزيز الديموقراطية وفرص السلام في العالم،وما يثير التساؤل أنها بعد أن كانت في الخمسينات مهتمة بتخريج النخب التقنية في مجال الاقتصاد،تحولت أنشطتها في منتصف السبعينات الى راعية لكل ما يتعلق بحقوق الانسان ! فدعمت المحامين الذين لعبوا دورا في الكشف عن مصير المعتقلين السياسين من قبل النظام العسكري في اندونسيا الذي كانت وراء مجيئه للسلطة،وكان قرار المؤسسة الدخول في مجال حقوق الانسان مشروطا بعدم التورط بالسياسة،مما خلق اطارا سمح بكل شيء ماعدا طرح سؤالين رئيسين:لماذا يجري العنف ؟ ولمصلحة من ؟ والذي توصلت إليه كلاين أن حذف هذين السؤالين لعب دورا مشوها للطريقة التي تم فيها سرد تاريخ اقتصاد السوق الحرة،بحيث خلا ذلك التاريخ من وصمة العنف التي أحاطت بظروف ولادتها،وإلى أن فكرة القمع والاقتصاد في الحقيقة كان مشروعا واحدا.لأنها وجدت بأن العنف في المشروع الاقتصادي أقسى وأشد عنفا من الجنرلات الذين طبقوه،وأن عنف السلطة كان وسيلة وليس غاية،الغرض منه تحقيق المشروع الاقتصادي عبر إحداث صدمة عنيفة في المجتمع،فمن وجهة نظرها كان الدم تغطية لتحقيق المشروع الاقتصادي،ومما يعزز قناعاتها هذه أنه عندما عاد الجنود الى ثكناتهم وغادر الجنرالات كراسي السلطة بقي المشروع الاقتصادي،بما يؤكد على العلاقة الوثيقة بين حقوق الانسان وبين السياسة والاقتصاد،ليس في أميركا اللاتينية التي كانت ميدان اختبار لاقتصاد السوق الحرفقط ،بل في معظم دول العالم الثالث،والعراق أبرز نموذج له في الوقت الحاضر. والاسئلة الملحة التي تطرحها نعومي كلاين :هل الليبرالية الجديدة عنيفة بطبيعتها ؟ وهل من شيء في أهدافها يستلزم هذه الحلقة من التطهير السياسي العنيف الذي تليه عمليات تنظيف تقوم بها فرق منظمات حقوق الانسان ؟ وفي ملخص اجابتها تصل كلاين إلى إن سلب الأرض والحياة لايحتاج إلى أساليب ناعمة بل إلى العنف،مثلما حصل في العراق وتشيلي والأرجنتين وسيرلانكا وأفغانستان وفلسطين.
محو المجتمعات المتجذرة
ترى كلاين أن معظم الناس الذين ينجون من كارثة مدمرة يرغبون بانقاذ ما يمكن إنقاذه،والبدء بترميم الأشياء التي لم تدمر،وتأكيد ارتباطهم بالأماكن التي بلورت شخصيتهم،إلاَّ أن رأسماليي الكارثة لايأبهون لذلك،وهنا تستشهد بما جرى في العراق بعد الاحتلال وماجرى في سيرلانكا ونيو أورلينز بعد أن شهدتا اعاصير طبيعية مدمرة ،فالعملية في هذه البلدان عندما بدأت حملت عنوانا زائفا “إعادة الإعمار” لكنها في حقيقتها كانت تهدف إلى إنهاء انجاز ما بدأت به الكارثة الأصلية من تدمير،بمعنى محو ما بقي من المجتمعات المتجذرة،والإسراع في استبدالها بنوع شبيه بمستوطنات فلسطين الممولة من الشركات،قبل أن يتمكن ضحايا الحرب أو الكوارث الطبيعية من الاتحاد مجددا والمطالبة باسترجاع ما كان يوما ملكا لهم .
جرائم الرأسمالية الجديدة
إن كلاين في قراءتها للرأسمالية الجديدة تحمِّل فريدمان عبر صبيان شيكاغو ومؤسسة فورد مسؤولية الكوارث الاقتصادية التي ارتكبت في عديد بلدان العالم الثالث،وما زالت مستمرة هذه الكوارث مثلما هو حاصل اليوم في العراق،وترى أن تحقيق اقتصاد السوق الحرة اقتضى من هاتين المؤسستين اعتماد عقيدة الصدمة من خلال العنف المفرط،وعمليات الخطف والاغتيالات والتغييب القسري للأصوات الرافضة،باعتبار هذه الوسائل هي الآليات الرئيسة لتحقيق النيوليبرالية وفرضها على المجتمع عبرإرهاب الصدمة وما بعدها.
الاستخبارات الأميركية
تعود كلاين لتبحث عن أوليات العنف المرافق لتحقيق العقيدة الاقتصادية للنيوليبرالية،فتصل إلى أن الطبيب النفسي الكندي إيوين كاميرون موَّلته الاستخبارات المركزية الأميركية في خمسينات القرن الماضي،حتى يجري تجارب غريبة على مرضاه،فكان يبقيهم في عزلة لمدة أسابيع،ثم يخضعهم لصدمات كهربائية، إلى جانب أدوية قيد التجريب عبارة عن عقار مثير لاضطرابات الادراك وعقار مهلوس،مما جعلهم يرتدون إلى مراحل طفولية لم تتطور فيها بعد قدرتهم على النطق.بذلك انتهكت تلك التجارب معايير الاخلاقيات الطبية،طالما كاميرون بدل أن يعالج المرضى الذين لجأوا إليه عمد إلى استخدامهم بدون علمهم كحقل تجارب إرضاء لوكالة الاستخبارات ، بغية الحصول على معلومات حول كيفية التحكم في العقل البشري.
توصلت كلاين إلى أن كاميرون لعب دورا أساسيا في تطوير تقنيات التعذيب المعاصرة التي تستخدمها أميركا،وقَّدم تفسيرا للمنطق الكامن وراء رأسمالية الكوارث،وتضيف بهذا الخصوص قائلة إن اقتصاديي السوق الحرة مقتنعون بأن الكارثة الواسعة الإطار حالها حال الحروب والزلازل والفيضانات،فهي الوحيدة القادرة على تهيئة الأرضية اللازمة لإصلاحاتهم المنشودة،واعتقد كاميرون بأنه يستطيع عن طريق إنزال سلسلة من الصدمات بالدماغ البشري من أن يمحو الأذهان،ثم يعيد بناء شخصيات جديدة .
الانقلابات ومؤسسة فورد
حسب ما تسرده كلاين كانت مؤسسة فورد قد بدأت نشاطها التمويلي الداعم مطلع خمسينات القرن الماضي كغطاء لانشطة وكالة الاستخبارات الأميركية،مجييرة أموالا لصالح اكاديميات مناهضة للماركسية،وفنانين ومثقفين انتهجوا نزعات الحداثة في مختلف دول العالم ومنها منطقتنا العربية ولم يعلم غالبيتهم من أين كان يأتيهم المال.
كما يتوصل الكتاب إلى أنه لم تُعامَل الانقلابات والحروب والمذابح التي أسست الأنظمة الشركاتية على أنها جرائم أُقترفت باسم الرأسمالية،لكنها نُسِبت إلى حماسة الدكتاتوريين المفرطة والجبهات الساخنة في الحرب الباردة،وهاهي اليوم لا تُنسب لأجلِ تعزيز الرأسمالية،إنما إلى الحرب ضد الأرهاب في حال أُبيد أشد المعارضين للأقتصاد الشركاتي .
أما الخاتمة التي وضعتها كلاين لكتابها فقد توصلت فيها إلى أن يقظة مضادة لاختبارات الصدمة قد انتشرت في عدد من البلدان التي ابتعلت ثرواتها من قبل اسياد النيوليبرالية مع تبخر رؤوس الأموال المفاجئ والتخفيضات التمويلية القاسية،وبدأت الأصوات ترتفع مطالبة بالمزيد من الديموقراطية والتحكم في الأسواق والمزيد من القوانين التي تقلص الفوارق الاجتماعية والتوقف عن تقليص ميزانية الخدمات الاجتماعية،كما هو الحال في الأرجنتين وبولندا وتشيلي وبوليفيا والصين ولبنان وعدد من دول أفريقيا،وتشكل هذه المطالب التهديد الأكبر لإرث فريدمان ،لأنها تتحدى هدفه الرئيس وهو أن الرأسمالية والحرية جزء من مشروع واحد لايتجزأ .























