العراق شركة فساد – عبد الكريم يحيى الزيباري

العراق شركة فساد – عبد الكريم يحيى الزيباري

سأتجاوز فساد الحيتان، لن أُحَدِّثكم عن ذكاء الحوت موبي ديك، وعِناد القبطان إيهاب، ومهارة ستاربكس. سأتجاوز أسماك القرش والأسود والنمور، لأحدثكم عن فساد الأرانب والأغنام، البعض من مسؤولي الشعب ومدراء الأقسام، (وَما أُبَرِّئُ نَفسي إِنَّ النَّفسَ لَأَمّارَةٌ بِالسّوءِ إِلّا ما رَحِمَ رَبّي إِنَّ رَبّي غَفورٌ رَحيمٌ).

الشعب أحرار وعبيد، الأحرار ندرة يؤمنون بالحق، العبيد كثرة يؤمنون بالأقوى والأغنى، بالمسؤول الأعلى. الأحرار ينصرون الضحية، والعبيد يدافعون عن الجلاد دوماً. الحُرُّ أشعثٌ أغبرُ الرأس، إنْ كان في الحراسةِ، كان في الحراسةِ ولا يبالي. إنْ كان في المُقَدِّمة، كان في المُقَدِّمة ولا يبالي. عبد المسؤول، نصف ساعة أمام المرآة لتصفيف شعره ولصقه بالجل! وبربطة عنق مغايرة كل يوم، حذاؤه أغلى ما فيه! يدخلُ مجلس العزاء، يقفُ الجميع فوق رأسهِ على قدمٍ واحدة، يُرحِّبون ويودِّعون، يفتحون باب سيارته الجكساره، يسلمونه طلباتهم، يستلمها بشماله مبتسماً واعداً بالخير الجزيل، حالما تبتعد السيارة يرميها من النافذة! ويشتمهم: أبوكم لا أبوكم يا المنافقين! الشعب منذ واقعة الطَّفِّ لم ينصر مظلوماً، فنصرُ المظلوم عيب وعار والقلوب عاريَّة! خاصةً والظالم ابن زياد وَلِّيُّ النِّعم!

كل موظَّف صغير يريد أنْ يصعد درجة في السُّلَّم الوظيفي، حَقٌّ مشروع، لكن: هل يوجد مسؤول حصل على كرسيه لكفاءته ونزاهته فقط، بلا وساطة ولا ضغوط ولا علاقات؟

موظف لم يمض عليه في الوظيفة غير سنوات قليلا، عاشها فضائياً، إذا صار مسؤولاً سيصير مسؤولاً فضائياً! موظف ابن مسؤول رفيع، طالب مسائي يحصد الشهادات بمنجل أبيه، تُضافُ شهادته، يصدر الأمر الإداري بتوليه إدارة قسم! وهكذا تُدار الأمور!

هذا الطفل المسؤول هل يفهم أنه يقبض معاشاً لخدمة الموظفين والمواطنين؟ سيتحوَّلُ عائقاً أمام هذه الخدمة! ثمَّ يأتي المواطن يسأل أين الخدمات؟ ومن أين تأتي الخدمات، والمسؤول ينتظر خدمات وهدايا المواطنين؟ وإذا شعر مجرد شعور بوجود خطر على كرسيه، سيقفُ ساعات وأياماً أمام أبواب شيوخ العشائر وقادة الأجهزة الأمنية والنواب وغيرهم! شَحَّاذاً متوسِّلاً إعادته إلى كرسِّيِهِ، بأيِّ ثَمن، وإذا عاد يفرح به الأهل والجيران والأقرباء والأصدقاء، والكل ينظر إليه كقدوة وبطل نجحَ في استعادة منصبهِ، رغم أنفِ المصلحين وأنفِ النَّزاهة والقضاء!

المسؤول الصغير، يصلي ويصوم ويتفاخر بما يحفظ من القرآن، لكن إذا دعاه مديره إلى الملهى الليلي يذهب لئلا يغضبه ويكيت خمسمئة ألف دينار في دفعة واحدة! وشَدَّة يا ورد شَدَّة!

وأمام الجواري، يتفاخر بعشرة سنوات نفاق على الكرسي، بظهره المنحني من شدة احترام مسؤوليه على اختلاف مشاربهم! بدفع الرَّشاوى كل شهر مقابل بقائه على الكرسي كأيِّ مستأجر ذليل!

لحلاوة المنصب، أكثر من مئة أو ألف موظَّف منافق يخدمونه، ينجزون معاملاته دون أنْ يحضرَ ولا حتى يحرك أصبعه. وبعض الرخيصات يتغزلن بوجهه الأغبر الأصفر الصقيع كالجليد! هذا المسؤول الصغير منذ عشرة سنوات، يأكل ببلاش، يركب ببلاش، وقود سيارته ببلاش، يسكن ببلاش، يسافر ببلاش!  ننتظر قراراً من مجلس الوزراء، أو قانوناً من مجلس النواب، يحظر بقاء مسؤول الشعبة ومدير القسم لأكثر من أربع سنوات! هناك موظف منذ زمن صدام وهو على نفس الكرسي! تصوروا حجم النِّفاق! ورأيت بعينيَّ مدير قسم يحمل حقيبة مديرهِ، ويفتح له باب السيارة ويمشي أمامه، ظننته صهره، ابن أخيه، أو مخلوقاً من هذا القبيل الرائج في عصر القرود، هذا الطفل منذ تعيينه إلى يومنا مدير قسم، العابث الماجن منذ أكثر من عشرة سنوات يعيث في الأرض فساداً!!