الشروق نيوز الجزائرية والعراق الجار – مقالات – خالد عمر بن ققه

الشروق نيوز الجزائرية والعراق الجار – مقالات – خالد عمر بن ققه

منذ انطلاقتها في 1990، اختارت مؤسسة الشروق للإعلام والنشر الجزائرية ممثلة في أسبوعية” الشروق العربي”، الوقوف إلى جانب العراق، فحاورت شخصيات فاعلة في ذلك الوقت من مثل: طه ياسين رمضان، وطارق عزيز.. الخ، وأجرت تحقيقات ميدانية أيام الحصار، انطلاقا من استجابتها وتفاعلها مع الرأي العام الجزائري، الذي كان مساندا للعراق في وقوفه ضد الهجمة الغربية، وداعيا لرفع الحصار عنه مع ان الجزائر كانت تعيش ويلات الإرهاب.  وتواصل الدعم الإعلامي للعراق ـ الدولة والشعب ـ حين صدرت جريدة” الشروق اليومي”، لكن بعد احتلال الأمريكي، تراجع الاهتمام بالشأن العراقي إلى حد كبير، وأكتفت معظم وسائل الإعلام الجزائرية بمتابعة أخبار العراق من الوكالات دون التغطية الميدانية المباشرة، وذلك على خلاف الحرب الأولى الخاصة بتحرير الكويت حين كان التلفزيون الجزائري يغطي من داخل العراق جنبا إلى جنب مع قناة ” سي أن أن” الأمريكية”، بل إن التلفزيون الجزائري تواجد في الدول المحاذية للعراق، مثل: الأردن وتركيا.

تجربة علي فضيل

إن الفضل في متابعة أحداث العراق من طرف مؤسسة الشروق يعود إلى مديرها العام” علي فضيل”، ذلك الإعلامي الذي يملك رؤية ذات بعد مستقبلي، وقد ترسخت تجربته بشكل ملحوظ، وكشفت نجاحاته عن إدراك تام لانشغالات الرأي العام الجزائري من خلال الصحافة المكتوبة، وهاهو اليوم يعيد التجربة ـ على نطاق أوسع ـ عبر قنوات الشروق، حتى أنها في وقت قياسي، تحركت عبر مسارين، الأول: تواجدها عبر كل الولايات والأحداث على رغم المساحة الواسعة للجزائر، والثاني: تغطيتها لكثير من الأحداث الدولية، بدءاً من دول الجوار وليس انتهاء الولايات المتحدة الأمريكية، وما يهمنا هنا هو تغطيتها الميدانية للشأن العراقي.

الملاحظ، أنه وطبقا لقناعات راسخة لدى علي فضيل  تتعلق بمصير الأمة العربية، فقد تمَّ التعامل إعلاميا مع العراق باعتباره دولة جارة للجزائر، وليس دولة عربية بعيدة  من المركزفقط، هذا أولا، وثانيا: تكريس الوجدان الجزائري المتفاعل مع الأحداث في العراق كون الجزائر عاشت تجربة الإرهاب في وقت سابق، وثالثا: تقديم قراءة مختلفة للمشاهد الجزائري عن تلك التي تقدمها يوميا قنوات عربية تؤجج نار الفتنة في العراق، وتذكي الحرب الطائفية والمذهبية.

الجعفري.. والمالكي

ومثلما ركزت الشروق ــ نيوز على الأحداث الراهنة في ليبيا رغم المخاطر التي تعرض لها فريقها العامل هناك، وكان لها ولا يزال حضور هنالك سابق عن كثير من القنوات العربية بل وحتى الأجنبية، فإنها تسعى اليوم إلى إلى أن يكون لها مثل ذلك في العراق، خصوصا بعد أن كسرت حاجز الغياب الإعلامي التام للمسؤولين العراقيين في وسائل الإعلام العراقية، وحاورت في أكتوبر الماضي وزير الخارجية الدكتور إبراهيم الجعفري، ونائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وقد أجابا بكل شفافية عن أسئلة مصيرية تتعلق بالصراع المذهبي والطائفي في العراق، والعلاقة مع الجزائر، ومصير السجناء الجزائريين الذين ألقي القبض عليهم من طرف قــــــوات الأمــن العراقية.. الخ. ما أقدمت عليه الشروق ـ نيوز من تغطية واسعة في العراق، سواء من خلال الحوار مع المسؤولين العراقيين، أو باجراء تحقيقات داخل المدن العراقية، خاصة في بغداد، والأكثر من هذا حضور القناة ونقلها على الهواء للأعمال البطولية التي قامت بها القوات العراقية، ومنها تفجير الألغام التي زرعها تنظيم داعش، يشي بحضور عراقي جديد بعد غياب لسنوات، سببها الاحتلال الأمريكي، ويكشف عن وعي إعلامي جزائري بالمخاطر التي تحدق بأمتنا.

حياة العراق

عمليا، لم تكتف قناة الشروق ـ من خلال تغطيتها الميدانية ـ بإعطاء صورة نمطية عن العراق، ارتبطت في أذهان كثرين داخل الوطن العربي وخارجه بالإرهاب والقتل والدماء، حيث الحديث اليومي عن الموت، ولكنها كشفت عن الحياة هناك من خلال الصبر والمقاومة، وأيضا من خلال وعي بعض قادة العراق المدنيين والعسكريين بالمرحلة التاريخية التي تعيشها بلادهم، ولاشك أن معظم وسائل الإعلام الدولية يركز عن الوضع في العراق في شقه المأسوي، وبالفعل هو كذلك، لكن بجانب المآسي والأحزان هناك حياة بدت في كاميرا الشروق ذات مساحة واسعة أكثر مما يراه غيرها، بل قد تكون أكبر حتى مما يراه بعض العراقيين. لقد تجاوزت الشروق ـ نيوز لعبة الأمم في العراق، القائمة على إذكاء نار المذهبية بين السنة والشيعة، متسلحة في ذلك بتجربة الجزائر حين ظهر الإرهاب بين الجزائريين مع أنهم جميعا مسلمون سنة، وأغلبهم مالكية، ونظرت إلى الأمر من جانب المأساة وبعث الحياة من جديد، ساعية للمعرفة وكشف الحقائق حتى يتسنى للمشاهد الجزائري تكوين رأي عن الوضع في العراق.

تصحيح الصورة

 تجربة الشروق تلك، مطلوب تثمينها بالشكر والدعم من السلطات العراقية والجزائرية، ليس فقط لأنها مثلت عملا متميزا قام بها شباب لم يبال بمخاطر الساحة العراقية، ولكن لأن توضيح الوضع في العراق من مهام الحكومة العراقية أولا، وعموم العراقيين بعد ذلك، ومن مهام الحكومة الجزائرية ثانيا، ووسائل الإعلام في البلدين ثالثا.

يبقى أن نشير إلى مسألة أخيرة هي: أن قيام قناة الشروق بتغطية شاملة من العراق، يجب أن لا يكون عملا عابرا، أو خاضعا لحاجة القناة أو للصورة التي تريدها السلطات العراقية، وإنما يكون متابعة دائمة، وهنا على السلطات العراقية أن تدرك أن الشأن المحلي يهمُّ العرب جميعهم وخاصة الجزائريين، لأن الجماعات الإرهابية بدايتها في العراق وامتدادتها في الجزائر ودول المغرب العربي الأخرى، وأن العراق مدَّ العرب على طول تاريخه وتاريخهم بالعلم والمعرفة، وعليه اليوم تصحيح صورته مهما كانت التكلفة.

{ كاتب وصحفي جزائري