الزعامة وخدمة الناس-مقالات- عبد الهادي البابي

الزعامة وخدمة الناس-مقالات- عبد الهادي البابي

أن من أبـــرز بواعث وأسباب التفرقة وتـفتيت المجتمع ، هو  حب الرئاسة والزعامة والوجاهة، ولعل في هذا العصر -كما في العصور السالفة –  لن تجد  أختلافاً بين رجال  الحكم والسياسة إلاّ وجدت حب البقاء في السلطة أو الوصول إليها  دافعاً من دوافعه  ضد أطراف النزاع ..

كما أنك تجد هذا الدافع  خلف النزاعات في المراكز الثقافية والعلمية والشركات والمؤسسات والنوادي والفرق  الرياضية وإدارة الأنشطة الإجتماعية  والجمعيات الخيرية والمساجد ومواكب العزاء وإلى أصغر المناصب وأتفه القضايا ..!!

وفي مثل هذه الصراعات التي تجعل المتصارعين فيها هدفهم الأول هو الوصول إلى زعامة المنصب أو البقاء فيه لفترة أخرى، وفرض هيمنتهم  الشخصية أو الفئوية عليه، وهنا فإن العدالة لاتذبح فقط ، بل تأتي المحرمات كلها  في مظهر الحق ، متلبسة أجمل الشعارات الإنسانية والكلمات الجميلة ..!!

وفي الحقيقة فإن الأطراف المتنازعة على السلطة وعلى أي مشروع سياسي ، وخاصة المشاريع الجماهيرية الكبرى يجعلون من الناس من حيث يريدون أو لا يريدون معلقين في الهواء مثل (كيس الملاكمة) فيبدأون  بالضرب فيه ، ولايعنيهم أن الذي سوف يستولي على هذا الكيس المدهوس ماذا يفيده ؟ ثم هل يسكت المغلوب وجماعته ..أم يعدون العدة لجولةٍ أخرى وعلى نفس الكيس المسكين الذي تخّرق من كل جوانبه !!؟

نعم .. إنهـــم يخططون للعودة ، ولهم موعد على الحلبة مع الغالب المغرور، وهكذا تدور الصراعات على ضحاياها – الجماهير –  مرة هذا على صدرها ومرة ذاك على ظهرها  ، وشعار الطرفين هو (حب السلطة والرئاسة) للأشخاص  على حساب  العدل والناس المستضعفين.

ونحن لانقول بأن مطلق الزعامة لايجوز التفكير فيه والتخطيط لأستلامــــه، إنما  السلطة والزعامة الشخصية هي المرفوضة والمستقبحة ، اما التي يريدها المؤمن المخلص لأجل  خدمة القضية الإنسانية ، كنشر العدل والهداية على ربوع الوطن والإتيان بالناس إلى حياة طيبة تقوم على مرتكزات حقوق الإنسان وسيادة القانون  والمساواة في توزيع الثروات وغير ذلك من القوانين الإنسانية ذات القيمة العليا ، فإنها رئاسة محترمة ، وطلب الزعامة لأجل تنفيذها بين النــاس أمرٌ تحّث عليه جميع الشرائع السماوية والقيم الإجتماعية النبيلة …

فالمقــــياس في حرمة طلـــــب الرئاسة إذا كان الدافع لطلبها هو حبسها وتجيــــــيرها لنفسه ولأجل شخصه، وأن يحتكرها في حزبه وجماعته أو في عشيرته وإسرته ، ومن علاماته أن يكسب الناس إلى مدحه والثناء عليه ، ويفتخر بتلك الزعامة ، ويتكبر على الناس ويستعبـــــدهم لخدمة مايراه ُ شخصياً ،لا مايريده القانون والعدل حقاً..

ونقول : كيف نميز بين  الزعامة الذاتية للشخص ، أو انه فعلاً يريدها  لأجل القيم وخدمة الناس ؟ فالكل يدعي القيم وينادي للخدمة ؟ وعلى قول الشاعر العربي :

           وكلٌ يدعّي وصلاً بليلى

                               وليلى لاتقرُ لهم بذاكا

والجواب ببساطة هو مدى إستعداد  الشخص للتخلي عن طموحه ، فإن كان فيه الأخلاص للقيم ،لا يدخل  في النزاع مع من هو أكفأ منه ، وإلا  ركب على رأسه  حتى آخر  نفس ، فهو لن يتخلى  عن مقامه  حتى لو فشل أصل المشروع الذي نادى به  ، وذلك من خلال  نيتة إتجاه  المنافسين الأخرين ..

فالمخلص تراه منفتح على منافسيه  ومستعد للحوار، ومفسح لهم مجال الكلام بحرية وأمان ، لأنه لايخاف على زعامته ، ولايرجوها لشخصه ..

أما القابــــــض على السلطة قبـــــضة المحبيين المتشـــــبثين بها ، فالأســـتبداد والقمع ودحض المنافــــــس والأستهزاء بهم يكون نهجه الأول والأخير..!!