
الرواية العراقية تطرق أبواب الغرب
توظيف الأساطير لإدانة الظلم الإجتماعي
رقية أياد أحمد
تمخضت المرحلة التي أعقبت التغيرات السياسية والتحولات الاجتماعية العميقة التي حصلت في العراق بعد أحداث عام 2003 عن ظهور أسماء متميزة في حقل السرد العراقي ولاسيما جنس الرواية.
وإذا كان الكم الكبير من الذين جربوا حظهم في كتابة الرواية قد أفرز عدداً قليلاً من المبدعين المتمكنين من أدواتهم الفنية والقادرين على طرح رؤى وأفكار تمس العصب الحساس للمنظومة الثقافية – الاجتماعية وإفرازاتها فإن الأكاديمي فوزي الهنداوي يقف في مقدمة القلة المبدعة التي تركت بصمات متميزة في المشهد السردي العراقي المعاصر.
لا أريد في هذه المقالة تحليل النتاج الروائي للهنداوي من النواحي الثقافية والنقدية على أهمية هذا التحليل إنما أرغب في التطرق إلى ميزة مهمة تفرد فيها هذا الكاتب الروائي عن أقرانه إلا وهي مخاطبته للمتلقي الأجنبي بلغة إنكليزية ذات هوية أدبية واضحة وأسلوب رشيق متدفق يبتعد عن التعقيد والغموض والتكلف والزخارف اللغوية.
للتو انتهيت من قراءة رواية الهنداوي المعنونة لعنة كين الصادرة قبل أشهر عن دار ماستر الكندية وهي الرواية الثانية للكاتب التي تصدر بالإنكليزية عن إحدى دور النشر الغربية. فقد سبق وإن صدرت روايته الأولى – على أمل أن نعيش – بالإنكليزية عام 2015 بعد سنة من نشر النسخة العربية لها.
لعنة كين رواية مؤثرة استطاعت أن تخاطب المتلقي الغربي ليس بلغته فحسب إنما انطلاقاً من خزينه الثقافي ومرجعياته الفكرية.
أظن أن الهنداوي قد تقصد كتابة هذه الرواية بهذا الأسلوب الذي يحاكي أساليب الكتاب الغربيين ويلامس رغبات القارئ الغربي العادي الذي يبحث لا عن المتعة الأدبية فقط إنما ينبهر بما هو غريب ومدهش وأسطوري.
سيمياء العنوان
عنوان الرواية – لعنة كين – يثير الاستغراب ويطرح العديد من الأسئلة، من هو كين؟ ولماذا اللعنة؟ ماذا أراد الروائي من هذا العنوان ؟ ما هي الشحنة السيميائية التي يحملها؟
أثار العنوان فضولي حقاً فدفعني الفضول إلى البحث عن دلالات العنوان في متن الرواية، وهذه أول نقطة تسجل للكاتب الذي نجح في اختيار عنوان جاذب للقارئ، وتلك إحدى أهم وظائف العنوان التي لا يوليها العديد من كتاب الرواية أهمية للأسف.
العنوان مستنبط من أسطورة بدائية هي ليست الأسطورة الوحيدة التي أعاد الروائي إنتاجها لتحقيق غايات محددة، فقد وظف العديد من أساطير الغجر في العالم ونسج من خلالها متنه الروائي بعد ربطها بقضايا العصر.
تشير الأسطورة إلى أن كين هو الجد الأول للغجر، للبشرية ثلاثة أجداد، الأول للبيض والثاني للسود والثالث للغجر وهو كين.
كين هذا بحسب الأسطورة، كان فاسداً يتعاطى الخمر بكثرة وقد قتل أخاه كما أنه ساهم في صلب السيد المسيح عليه السلام من خلال صنعه للمسامير التي دقت في الصليب الذي علق السيد المسيح عليه، فغضب الرب على كين ولعنه وقرر تشتيت ذريته في الأرض، لا وطن لها ولا استقرار، عقاباً لما اقترفه جدهم الأول. فأصيب جميع الغجر بهذه اللعنة إلى اليوم، وظلوا يسددون ضريبة خطيئة كين.
عند الانتهاء من قراءة فصول الرواية وهي قصيرة تجد أن العنوان قد فكك ووزع على جميع الفصول، وتلك التقانة ذكية أخرى. فالعنوان عتبة مهمة لابد أن تجد صداها في أجزاء العمل الروائي.
شعرية الاستهلال
أجمل ما في الرواية استهلالها الذي يتسم بشعرية وجمالية ذات دلالات عدة. الاستهلال قصيدة نثر بأسلوب سردي مكثف ومركز يعتمد ما يسمى بالاقتصاد اللغوي. أما مضمونه فهو على لسان آخر شابة غجرية يتم طردها بالقوة من المدينة التي ولدت وتربت وكبرت فيها، هذه المرأة الغجرية تخاطب جدها الأول كين وتعاتبه على فعلته الأولى التي أورثت شعب الغجر اللعنات والتهجير والترحال والتشتت في بقاع العالم.
تقص المرأة الغجرية – شعراً – مأساة الغجر وما آل إليه مصيرهم الحزين والمؤلم ثم تنتقل إلى مخاطبة جارها وصديقها العربي الوحيد لتشكره وتودعه قبل رحيلها الأبدي.
استطاع الكاتب الهنداوي أن يلخص مأساة الغجر منذ الخليقة إلى الآن بهذا الاستهلال المشوق الذي يرغمك على متابعة الرواية لاكتشاف الأسرار والحكايات والمآسي.علمت من مترجم الرواية إلى اللغة الإنكليزية أن قد اتخذ قراره بترجمة هذه الرواية مباشرة بعد قراءة استهلالها وتأثره به لجماليته وقدرته على الاختزال والتكثيف والإيحاء، إنه يلخص الرواية بأكملها كما أخبرني.
لا أريد الكشف عن تفاصيل الرواية حتى لا أفسد متعة قراءتها من قبل الآخرين الذين يجيدون اللغة الإنكليزية، ولا أعرف الدافع وراء عدم نشرها باللغة العربية كما فعل الهنداوي في روايته الأولى حينما نشر النسخة العربية أولاً وبعد أقل من سنة صدرت الطبعة الإنكليزية لها. هل هذه الرواية موجهة للمتلقي الغربي فقط أم أن الكاتب سوف ينشر طبعتها العربية في وقت لاحق؟
أزمة هوية
المهم أن الرواية تقوم على ثيمة أساسية هي قصة صداقة بين شاب من العرب وشابة من الغجر يسكنان متجاورين في حي من أحياء بغداد نصفه من العرب ونصفه الآخر من الغجر.
تقوم صداقتهما على المودة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في خيارات وخصوصيات كل منهما وطريقته في العيش والسلوك والعمل، تمتد علاقة الصداقة شبه العائلية بينهما لأكثر من ربع قرن تتخللها العديد من المواقف والوقائع والأحداث والتضحيات التي يقدمها كل منهما للآخر.
ينسج الروائي من خلال هذه العلاقة روايته وكيفية اختراقه لأسرار الحي الغجري وطقوسه وتقاليده وثقافته الاجتماعية ونمط حياته.
النجاح الأول الذي يحسب للرواية هي تعرية الواقع وفضح الظلم الاجتماعي الذي يلحق بالآخر المختلف معنا، ليس لأنه على خطأ بل لأنه مختلف عن الأنساق الاجتماعية المتحكمة والعقائد الجامدة والأعراف المنافقة وزيف التعامل ومصلحيته المكشوفة.
يحتدم الصراع في الرواية بين طرفين: الأول، ضعيف ومستلب الإرادة يمثله سكان الحي الغجري الذين يتعرضون للبطش والقتل وسلب ممتلكاتهم بهدف إجبارهم على منازلهم أو بيعها بثمن بخس لصالح الطرف الثاني القوى ممثلاً بالمتعصبين وسماسرة العقارات والمنافقين من أتباع النظام البائد الذين استبدلوا ملابسهم الزيتونية باللحى الطويلة.
في أتون هذه المواجهة غير المتكافئة لا تجد المرأة الغجرية بطلة الرواية من يحميها من القتل سوى جارها وصديق طفولتها وشبابها الذي يقف إلى جانبها ويخفيها في بيته تمهيداً لترتيب خطة هروبها من الحي والهجرة إلى خارج البلد.
يمكن اعتبار الرواية تسجيلاً سردياً لما تعرض له العراق من ويلات الحروب والحصار والمجاعة خلال حقبة الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي وانعكاسات تلك الأزمات على القيم الاجتماعية والأخلاقية واهتزازها نتيجة الفقر والحاجة إلى رغيف الخبر وحليب الأطفال.
زمن دائري
الزمن في الرواية دائري حيث تبدأ أحداث الرواية من النهاية ثم تعود إلى الجذور وتدور مرة أخرى حول نفسها لتعود إلى اللحظة التي بدأت فيها الأحداث.
لغة الرواية مكثفة بعيدة على الترهل والملل والإطالة وتلك ميزة مهمة في مخاطبة المتلقي الغربي تعتمد أسلوب التقطيع السينمائي.
أظن أن الكاتب قد أفاد كثيراً من تجربته الروائية والدراسات النقدية التي تناولتها وخاصة روايتيه رغبات منفلتة ودفاتر مفككة الأوراق، وتجاوز بعض نقاط الضعف ليظهر في هذا العمل كاتباً محترفاً متمكناً من إدارة دفة عمله وتقديمه بأفضل حال.
تعد رواية لعنة كين إضافة مهمة للأعمال السردية التي عالجت أزمة الهوية وقضايا الأقليات ومحو ثقافاتها قسراً، وهي تدعو إلى إشاعة ثقافة اللاعنف والتسامح وقبول الآخر المختلف معنا بالدين والثقافة والسلوك وتقبله كما هو والتعايش معه في مجتمع واحد تحت خيمة المواطنة بعيداً عن التعصب والمغالاة والتطرف الذي تلبس بلابس الدين والأعراف الاجتماعية.إنها دعوة لكتاب القصة والرواية للالتفات إلى هموم الإنسان المعاصر وقضايا المجتمع الأساسية بعد التحولات العميقة في بلدنا التي تشكل بدايات ولادة جديدة لأجيال لا نريد لها أن تتربى على الكراهية والحقد الاجتماعي وإقصاء الآخر.


















