الرواية العراقية إنموذجاً 2-3

الرواية العراقية إنموذجاً     2-3

سابرجيون درست الهجرة المسيحية إلى أرض الله

سامر الياس سعيد

وهذا الامر ما عنته دراستنا نحو اعتماد الاعلام السلبي وتأثيراتها في انتاج مثل تلك الشخصيات  التي لاننكر واقعيتها ،بقدر ما هي ضحية لواقعها المحيط بها او بيئتها غير المتجانسة ، بالاضافة لامكانية تقديم معلومات مغلوطة عن تلك الشخصيات ،وتوظيفها بما يلبي روحية النص لدى الروائي كما ابرز( زيدل) لدى قراءته لبعض الشخصيات النمطية التي لم تكتف الا بلعب دور محوري في سياق الجدل السياسي الراهن..

 ففي رواية الروائي (علي بدر )التي تحمل عنوان (بابا سارتر ) تبرز شخصية الخادمة المسيحية التي تقيم علاقة جنسية  مع بطل الرواية الشاب  كما يبرز (زهدي الداودي) في روايته المعنونة (زمن الهروب ) قصة زواج بطل الرواية من امراة ذات اصول ارمنية  تدعى  (مادلين ) يلتقيها بمدينة الموصل  لتعتنق هذه المرأة الدين الاسلامي وتتقبلها القبيلة  الكردية  التي ينتسب اليها بطل الرواية  ثم تلقى حتفها  في اثناء وضعها لطفل  ليتحول قبرها فيما بعد  الى مزار يؤمه المسلمون المحليون ..

وعموما فان الشخصيات التي قدمها (زيدل) في اطار الورقة البحثية التي نشرها بكتاب (المسيحيون في العراق )والتي خصصها للشخصية المسيحية في الرواية العراقية فهنالك شخصيات اخر يمكن فرزها ضمن سياق روايات صدرت لاحقا ، وقد تطرق اليها كتاب (المسيحيون  في العراق ) ،ومنها ما ابرزته رواية  الروائي العراقي الراحل (سعدي المالح) في روايته (في انتظار فرج الله القهار ) ،او من خلال  العمل الروائي المهم والذي قدمته الروائية العراقية المغتربة( انعام كجة جي) وجاء بعنوان (الحفيدة الامريكية ) ،وماالى غيرها من الشخصيات التي تم التطرق اليها في سياق بحث الاكاديمي (رونين زيدل )..

 لكننا  نبحث ايضا في سياق الروايات التي تسنى لنا  الاطلاع عليها او ما ابرزته كتابات اعلاميين عن البعض الاخر فمن خلال رواية (سقوط سرداب ) للروائي العراقي المعروف (نوزت شمدين )، تبرز شخصية مسيحية هي شخصية (ابو يعقوب) الذي يبدو ملكيا اكثر من الملك ذاته في لعبه شخصية البعثي الباحث عن بطل الرواية التي يستقر في سرداب خوفا من حروب العراق المتتالية ..

قراءة موسعة

 وفي هذا الشأن نورد جزءا من قراءتنا الموسعة لتلك الرواية، التي ابرز من خلالها كاتبها (نوزت شمدين) ذاكرة مستوحاة مما عاشه العراقيون عبر ثلاثة عقود ملتهبة بالحروب والازمات ، فيسعى من خلال روايته (سقوط سرداب ) والصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بـ175 صفحة  ،ان  يقف عبر شخصية الرواية الرئيسية ( ثائر سالم)في الوقوف على الحياد بين محطتي الحياة والموت في  استقراره في سرداب منزله خوفا من  الانصهار في اتون الحرب التي تشتعل بين فترة واخرى ..

الثيمة الرئيسية التي يبرزها (شمدين) في روايته االمذكورة ،هي الذاكرة العراقية التي تؤرخ  لسنين من الازمات التي عادة ما تتجسد الى حروب  يكون ضحاياها من الابرياء ، وبالرغم من ان الرواية تبدو حافلة بالشخوص والامكنة والتواريخ الدقيقة التي يستعين بها  الكاتب  ليبرز من خلالها عن  حرفيته الصحفية  التي تمتزج مع سرده المؤسس على وقائع مثيرة  تبرز بين فصل واخر لتبقي القاري على تواصل مع اللاحي واللاميت المستقر في سرداب منزله لكي يتامل مع ما يجري في الخارج من الالام الاسر والفقدان والموت بلاقيمة تذكر ..

انها رواية الالم العراقي ،التي لايغيب افقها عن اعمال الروائيين العراقيين انتظر كاتبها كثيرا ليطلقها من مهجره الذي استقر فيه في احدى الدول الاسكندنافية، وربما  تبرز تلويحته لمدينته التي عاش فيها(الموصل ) والتي تنبض من بين سطوره والتي تعيش اليوم ازمتها الحزينة بسيطرة تنظيم الدولة الاسلامية عليها منذ اكثر من عام (تاريخ صدور الرواية )..

ويدرك (شمدين) اهمية ضخ الكثير من اسماء المناطق التي تضج بها الموصل  لكي يمنح روايته الواقعية التي تبقي  القاري الموصلي على مسافة من الذكريات التي عاشها هذا القارئ مع الاحداث التي ترد في تلك الرواية  لتنتعش تلك الذكريات بتفاصيل اخرى عاشها المستقر في السرداب ، ليمنح رؤيته ازائها وهو المستقر في  قاع المنزل  مقارنا مع  الباقي في مواجهة تلك الاحداث والذي عاشها بتفاصيلها ..

وينفجر بركان الرواية في الازمة الكبرى باحتلال الامريكان للعراق ،وما تمخض عن هذا الاحتلال من فوضى ضاربة لاتقاس مع الكثير من تفاصيل الاحداث الذي دونها قلم الروائي (شمدين) في سياق الرواية ، وربما ركز على الفوضى التي شهدها الشارع الموصلي في ذلك اليوم النيساني من عام 2003  والتي قرر على اثرها  بطل الرواية  ان يترك  سطح الحياة وليعود الى منفاه الاختياري بكلمته التي يخاطب بها امه، وتختتم بها الرواية وهو يشير الى باب السرداب بـ(اغلقيه ورائي )..

ثمة رسائل مبطنة تتقافز ما بين سطور الرواية يحتفظ باسرارها ، الكاتب (نوزت شمدين )ليخاطب من خلالها قارئا ذكيا يسعى لفك رموز تبرز وتختفي في سياق الرواية ،التي لايسعى  من خلالها (شمدين) لان تكون روايته ذات سياق تاريخي وتوثيقي فحسب ، بل هي رواية كل الازمنة ما دام الصوت الانساني يبقى مخنوقا تجاه ما يحصل من ازمات ودون ان يكون للشعب قراره  الاهم في ان يقف نزف الحروب ، وان تكون اجساد ابنائه طعما مناسبا لنيران المدافع والهاونات والدبابات وكل الالات الدمار المحرقة ..

واذا كانت الشخصية قد اختارت  الموقع الوسط، ما بين الموت والحياة فانه ترجمة لما كان يعيشه اقرانه وهم يعشون مناخات الحرب التي اضفت على  العراق فصلا متزامنا لاجواء الخريف، لتسقط من اشجاره الالاف الاوراق النظرة،  وليبقى اللون الاصفر مناسبا لشكل الحياة التي يحياها هذا البلد ..

كما لايسعني ،وانا استذكر جانبا من تلك الروايات ،الى ان اتوقف  عند محطة رواية اخرى قدمتها روائية موصلية تدعى (غادة صديق رسول) بعنوان (اجمل كابوس في العالم)، وسأتوقف عند قراءة موسعة اعددتها بشأن هذه الرواية التي كانت قد صدرت بطبعتها الاولى عام 2014  لاتحدث عن شخصيات تلك الرواية ،ومن بينها شخصية مسيحية سوف لن تكتفي بابرازها (رسول) في هذا العمل ،بل ستكون هنالك شخصيات اخر سنتوقف عند محطاتها تباعا  لكننا الان سنورد جانبا من قراءتنا بشان روايتها التي ذكرتها انفا وهي رواية (اجمل كابوس في العالم )..

 فتحت عنوان (رواية عراقية تفصح عن ماسي اخرى تكبدها ابناء الرافدين)، تحدثت عن تلك الرواية حيث اشرت الى انه عبر 320) ) صفحة من القطع المتوسط ، تصحبنا الروائية العراقية (غادة صديق رسول) في روايتها  الصادرة عن دار  الفارابي بعنوان (اجمل كابوس في العالم ) ،نحو الاطلالة على ما شهدته ثلاثة عقود مرت، لتحصد ارواح العراقيين وتكبدهم الازمات والمحن التي عاشوها في ظرف هذه الفترة الزمنية  ..

ولكن خلال احداث الرواية الجديدة، تفصح (رسول) عن الم اخر عاشه ذوو الاسير الذي بقي متقوقعا في دائرة محايدة بين محطتي الموت والحياة ، بغياب كل ما من شانه ان يختص  بحياته وعيشه تلك الماساة الانسانية ..

وتنطلق الرواية من محطة عام 1994 حينما يتهيأ المنزل الواقع في قرية (حسن شامي) لاستقبال احد افراد الاسرة ممن غادروا العراق ،بعد ان تكالبت عليه حرائق الحروب لتدفع بـ(والي )الى المضي نحو بلاد بعيدة للاستقرار فيها ،وعدم تكرار ماساة شقيقيه(وليد ووحيد ) حيث كان الاول اسيرا لاتمتلك العائلة اية معلومات عنه ،فيما تعرض الشقيق الاخر لحادثة قطع صيوان الاذن ، بعد اتهامه بالفرار من الخدمة العسكرية .

وتستثمر الروائية (غادة صديق رسول )،مهاراتها الروائية التي تكتسبها من معرفة عميقة بالقرى المحيطة بالموصل وجغرافيتها ،لتصور  الاحداث المحيطة بتلك الاسرة التي تعيش عبر فصول وفصول ،محطات من الفرح والحزن من خلال سنوات لاتغيب فيها الحرب والانفجارات لتكون شخوص الرواية الشهود الحقيقيين عما يعيشه العراق من فترات  تغيب فيها شمس الاستقرار وتلبدها على الدوام غيوم الازمات..

في روايتها ،تعتمد (غادة صديق رسول) على حدسها من خلال  توظيف ادوات الرواية لابداع رواية اخرى يدونها احد شخوص الرواية الرئيسين وهو خالد (ابن الاسير ) فتدعه يكتب روايته داخل الرواية الرئيسية ، دون ان تقترف ما يربك القارئ، الذي تجذبه احداث الروايةالرئيسية ، ويشعر بالاسى تجاه شخوصها وهم يعيشون ، مرارة الازمنة المتلاحقة دون ان يبلغوا ما يصبون اليه ،بالرغم من بعض المحطات السعيدة التي تبدو كبصيص امل ينبثق بين فصل واخر دون ان يدوم طويلا..

لاتتحدد الروائية في سياق روايتها بأزمات العراقيين فحسب بل حتى تخترق عالم الانسانية نحو عالم الحيوانات الاليفة ،لتروي ايضا محطات من حياة كلب العائلة (صفوري )الذي يتذوق ما تمر به تلك العائلة القروية ،ويبرز حالاته التي تتماهى مع ما يشعر به ..

في هذه الرواية لاشي داخلي يشعر بالاسى ،حينما يختفي الشر لتسود الطيبة  وينبثق الامل من النفوس فيما يكون الشر عبر المحيط الخارجي محدقا ،مع ما تنبئه الظروف المحيطة وهي ايماءة ذكية من كاتبة تحاول ابراز ارهاصات الانسان العراقي المبتلى بعقود الحروب الثلاث المتوالية ، ليجد ان لاشر يبرز من حياته رغم ان الشر عادة ما يكشر انيابه ليحاول ان يعكس تاثيراته على محيط تلك العائلة ،وما الا نموذج (خالد) العائد الى الحياة باعجوبة النجاة لكن ، بشخصية اخرى كئيبة وفاقدة لذاكرتها  اثر انفجار سيارة مفخخة بالقرب منه ..

رسالة حب

رسالة الحب التي لاتغيب عن صفحات الرواية هي اقصى ما يمكن ان تجسده الروائية (غادة صديق رسول )،لتحاول رسمه عبر يوميات الدكتورة (حلا) والكاتب الاكاديمي (خالد) وهم يواصلون مشوار الحياة ،بالرغم من فصول طفولتهم المكتنزة بالاسى جراء افتقاد  الاب الاسير  والتي غالبا ما هيأت اجواءها الكاتبة في الفصول الاولى عبر زيارة العم القادم من لندن، وما عكسته تلك الزيارة من ارهاصات نفسية عاشها الطفلين لتكون محورا دائم الحضور في الفصول التالية من الرواية ..

وربما قلم  الامل الذي تدون به (رسول) روايتها هذه ،يطلق تلك الاشارات التي ينبغي ان تبقى دائمة الحضور ،فلولا فسحة الامل  والذي يبدو كانه  المرتكز الرئيسي  الذي تعتمده الكاتبة لبناء احداث روايتها  ،حيث تحفل بالكثير من المحطات التي تنبض خلال فصول الرواية  والتي وضعت تحتها خطوطا لكي ابرزها في سياق هذه المقالة ،لكنني وجدت اخيرا انني اتجه لنشر الرواية بكاملها من خلال تلك المحطات الكثيرة ..

ربما هنالك رسالة اخرى المسها من خلال الرواية ،لتجسد ما عززه فقدان الاب خلال سنوات الاسر الطويلة وما حققته تلك السنوات من غياب مؤثر على صعيد شخوص الرواية الرئيسيين فاستطاعا ان يعكسا ذلك الغياب  بشكل ايجابي ،مستفيدين من رسائل الاهل المشجعة  التي تحثهما على توظيف اي تفوق لاسعاد الاب حتى ولو كان على بعد الاف الاميال يعاني من تجربة قاسية  عاشه معه الاف العراقيين ، ليشهدوا جهودا معاكسة من قبل الطرف الاخر ،تنبئهم بعدم اهتمام البلد بهم وتناسيهم ،لكنها مجرد افعال لاترقى لان تكون ذكريات تمحوها الذاكرة حال ملامسة اي اسير لارض الوطن ولثمه ذلك التراب الغالي ..

 والاكثر شيوعا ان  تجربة الاسر لدى كثيرين لم تترسخ بذاكرتهم ،وبقيت محطة للنسيان ليشاركوا لدى عودتهم لارض الوطن ،اقرانهم ماس ونكبات اخرى هي الاقسى ربما عما عاشوه في فترات سابقة..

مأساة أخرى

تبقى رواية (اجمل كابوس في العالم ) للروائية العراقية غادة صديق رسول في ذاكرة قارئها ،كونها تصدر ضوؤها نحو ماساة اخرى، عالجها كتاب وروائيين بتجارب وكتابات ،لكنهم لم يتوقفوا طويلا عما عاناه الاسرى  وذووهم من مرارة الصبر وتجسيد لحظة اللقاء التي مرت عليها اعوام دون ان تتجسد بشكل ملائم ،لان هنالك الكثير من تجارب الاسر اكتست بمرارة اخرى ربما اضاءت جانبا منها الروائية (رسول) حين اشرت نحو وفاء الزوجة (حسناء)  لذكرى زوجها ،مع  اشارتها لتجارب اخرى كان فيها الوفاء غائبا ومغيبا ..

كما انني كتبت عن روايتها الابرز والتي تحدثت عن محنة التهجير التي مر بها المسيحيون من خلال شخصية مهمة في سياق روايتها التي حملت عنوان (شتات نينوى ) قبل بضع سنوات ، حيث لم تكن غيوم ما حصل في صيف العام 2014  حينما استولى تنظيم الدولة الاسلامية على مدينة الموصل ببعيد عن الكاتبة (غادة صديق رسول ) مثلها مثل الكتاب  الذين وجدوا ان ماحصل في مدينة الموصل بمثابة خزان الحكايات الذي لاينضب ، خصوصا وان  الاعلاميون كانوا قد سلطوا اضواءهم ازاء  الحرب على تنظيم داعش مركزين على ما انتجته تلك الاحداث  التي شهدتها المدن  التي نالت نصيبها من الدمار والخراب بفعل تلك العناصر التي انتمت لذلك ،  بينما بقيت  القضايا الانسانية ، بعيدة عن متناول الاعلام الذي انشغل بنقل التفاصيل المحيطة من تدمير الاثار  وحفلات الاعدام الجماعية  وكلها كانت بمثابة فيلم  طويل ينتمي لسلسلة الافلام (الاباحية ) التي اباح فيها داعش الارض والعرض على مدار المناطق التي فرض سيطرته عليها ، لكن على العموم  لم تكن ردود الافعال  التي ابرزها الاعلام العالمي موازية لتلك الصور التي نشرتها وسائل الاعلام ..

ولاشك في ان ماوراء ماجرى  من انتهاكات تطرقنا اليها ، كانت هنالك في المقابل الكثير من  القصص والحكايات  لابطال تنوعوا بين شرائح وفئات مختلفة ، وكلها اضحت جزئيات تكمل الصورة الحقيقية  لما جرى على مدى عامين او مايزيد ، ولابد ان تبقى عين الحقيقة ساهرة  لرصد سير لرحلة كثيرين  تركوا مدنهم واصبحت قضية تهجيرهم  محور لقصص اصبحت جزءا من  الذاكرة  فهنالك  العديد من قضايا فراق احبة  ومتزوجين  واباء لابنائهم وذكريات ساخنة كالدموع لمفارقة البيوت والامكنة –وكما اشعر انا الان -..! بعد كل هذه المقدمة  اعود لرواية الكاتبة غادة صديق رسول التي عنونتها بـ(شتات نينوى ) والتي صدرت  عن دار الفارابي ببيروت بـ(376)صفحة  وحاولت الكاتبة من خلال روايتها الجديدة دحض كل ما يقال  بان اعمق وافضل ما  يكتب لايكتب  في زمن الازمات  بل على العكس  في ان ما كتبته ( رسول) ياتي  في اطار المعركة  المفتوحة على ذلك التنظيم  والاسلحة المستخدمة لابد ان لاتغفل  اسلحة السياسة  والاقتصاد والادب  لتوصل ما عكسه ذلك التنظيم  الذي حاول فصم عرى  النسيج الاجتماعي  والذي لم ينفع  جهد امهر الحائكين  من رتق تلك الشقوق  التي احدثها التنظيم بذلك النسيج ومع ان الصبر لاينفع اذا ما عالجنا به عقدا اخر  لنصبر على قراءة  سرديات تحاول رصد ما  دار في بلاد الرافدين وفي بقع مختارة من تلك البلاد التي وقعت اسيرة بيد التنظيم  ليحرق فيها الاخضر واليابس ..

عالجت الروائية (غادة صديق )في روايتها حاجة المشهد الادبي لهذا اللون الابداعي  معايشة بذلك الواقع  وهنالك انماذج عربية  عالجت واقعها  برؤية ادبية خالصة  وتحولت فيما بعد الى  دراما تلفزيونية  كمسلسل (ذات) على سبيل المثال ..

فقد انصتت الكاتبة في روايتها لاصوات المهجرين ،ممن اضطروا لترك منازلهم فاستباحها التنظيم  ووضع عليها بصماته المسخة ، فابرزتها بصورة الغلاف المعبرة  ولم يكن متن الرواية  بعيدا عن  غلافها  فقد تفاعلت  الروائية مع تلك القضية الساخنة، لتحولها الى رواية حافلة بالشخصيات ، وتكون خطوة اولى تستدعي السينمائيين واهل الفن من ان يلتفتوا اليها ليحولوها فيما بعد  الى مسلسل او فيلم ، لتترك اسئلة  تحيط بالصورة الكبيرة  التي اهملها العالم  بعد ان اهمل قبلها عشرات القصص الاعلامية  التي دونها صحفيون كشفوا زيف التنظيم وفضحوا  ماكنته الاعلامية ..

واذا كانت وسائل التواصل  في قفص الاتهام بتهمة تغيير مزاج القارئ الذي بات يفضل كتابا صغيرا  بجمل قصيرة وحيوية  مع افكار سهلة  مبرزا ذلك القارئ رؤيته نحو الكاتب  الذي كلما  بسط ما يريد ان يقوله  لايصاله للاخرين  فيكون على قدر كبير من النجاح  لجذب ذلك القارئ وسيعتري ذلك القاريء شعور بالاستغراب نتيجة ما انتجته الكاتبة غادة من اسلوب جاذب للقاري بفصول روايتها التي تجاوزت الـ(65)فصلا حيث تعمدت مواراة احد الفصول الذي بدا  محوريا في سياق كل الحكاية التي تناوبت على نسج تفاصيلها بشخوصها وشخصياتها  لتستهل تلك الرواية باهدائها لي شخصيا ، وهذا ما جعلني  اشعر بالاعتزاز  معتبرا بان ما قامت به الكاتبة يعتبر دليل التعايش وعنوان الحكاية الابرز  والذي عولت عليه  لتنطلق في سرد حكاية بطل الرواية (احمد رابح  عباس) واصدقائه ومحيط عائلته ..

فالبطل  يبدا بسرد  حكايته ،مرمزا لاحداثها بالموصل المدينة المرأة التي تقف وراء الكثير من التفاصيل  لكن في سياق كل التفاصيل هنالك الكثير من الشخصيات المحورية لاسيما (عزيز ) الذي يطل كلما تعرض البطل( احمد) لخطب ما  جراء الاوضاع الشاذة التي تعيشها المدينة  ومثلما ذكرت مسبقا ،فان  الكاتبة ركزت  كثيرا في روايتها لاثارة  قيم التعايش  والتنوع والتبادل الثقافي وهذا ديدن الكتاب ذوو النزعة  التعددية الثقافية  من خلال تركيزهم  في العادة على الحديث على تلك القيم  واثارة موضوعة التعايش في فضاء تغلب عليه ثقافة مهيمنة  كما تبرز بذلك شخصية شقيق البطل المدعو (عباس)..

 (شتات نينوى)  الرواية بصدورها تمثل ترنيمة امل لمستقبل المدينة  التي استباحها التنظيم  ونهاية الرواية ، بالرغم مما تكتسبه من الم وحزن عميقين  لايشكل الاانتصارا للرؤية الخلاصية  في خضم ازمة  الهوية الحديثة  الطاحنة  التي يعيشها الموصليون ممن تشتتوا  في  اتجاهات العالم  وفي فضاءات المدن البعيدة والقريبة .

وقد اشرت ايضا الى ان الرواية تنتمي لسلسلة الروايات التوثيقية التي ينبغي امر صدورها ملزما خصوصا في خضم ما واجهته النخب الادبية من احداث فقد كانت الاحداث متشابكة لايغيب عن افقها ما جرى من مشاهد مؤلمة بناءا على سيطرة التنظيم الارهابي على مدينة الموصل صيف عام 2014 ?وما لفظته تلك السيطرة من صور التشتت والتهجير لتمحو مجتمعا بني بالكثير من صور التعايش، لتبرز بعد تلك الصور مشاهد اخرى من الشك والتجني والريبة التي حلت في اوساط المكونات المتعايشة لتستبدل كل الصور التي كانت مألوفة قبل ذلك التاريخ ..

وربما كانت هذه الروايات التي بدات بالاستعداد لتكون بمتناول القارئ  الباحث عن وجه الحقيقة مما جرى لمدينة الموصل ولتخزن الرواية اليوم  عمق البشرية  ولتعبر عن تداخل الواقعي بالخيال الابداعي الذي ينتجه الكاتب كما تعد الرواية التي تنتج اليوم لتوثق ما جرى بمثابة  اختبار لعمل المفهوم  الذي لاينفصل  عن شخوص الرواية وصيرورة تفاعلاتها  مع ممكنات الوجود ..

ومما دعاني الى ان اوثق هذا الامر المتعلق بالرواية هو توالي الاحداث التي  لم يفلت منها الارهاب ليؤشر في الجانب الاخر ولعا لدى القارئ باعادة اكتشاف الاماكن والاروقة التي اضحت فيما بعد مسرحا للاحداث..

 وفي هذا المجال سأجد ما بين مقالات نشرتها جريدة عراقية مقالا مترجما يكشف عن  اقبال متزايد لرواية كتبت في عشرينيات القرن المنصرم من قبل همنغواي وعنونها  بـ(باريس عيد ) وكانت تباع بمعدل 10نسخ لتصبح بعد الهجمات التي طالت فرنسا في خريف العام الماضي تباع باعداد تقارب الـ(500)نسخة يوميا لكي يعرب الباريسيون عبر هذه المبادرة عن حبهم لمدينتهم  التي وثقتها تلك الرواية  التي تتضمن ذكريات حميمة لهمنغواي قضاها  خلال اقامته في العاصمة الفرنسية( باريس) في العشرينيات من القرن المنصرم ، حيث اقتناها  المتضامنون مع ذوي ضحايا الاعمال الارهابية، ليضعوا تلك النسخ بين الزهور والشموع امام الواجهات  التي ثقبها الرصاص واجتاحتها الشظايا في الاماكن التي شهدت تلك الاعمال الارهابية ..

الجنس الادبي

اما بما يتعلق باختيار الجنس الادبي ممثلا بالرواية لتكون شاهدة العصر على ما جرى من احداث، فقد برهن العالم العربي ان الروايات الصادرة في بلدانه قد اصبحت مثل الطوفان فقد ابرز ملتقى خاص بالرواية العربية عقد في لبنان في العام 2016  بان ما مجموع 700 رواية عربية باتت تصدر في السنة الواحدة لتشكل طوفانا يتجاوز المعنيين بهذا الفن الادبي وليجعلهم بناءا على ماتناوله ذلك الملتقى  من الاحاطة حتى بالانواع التي يمكن ان تندرج تحت هذا المصطلح  خصوصا..

 حينما عبر عدد من الروائيين بان ما يكتب في بلدانهم التي تشهد ازمات تحت هذا المصطلح  اصبح متاحا حتى بين اوساط من ليس له علاقة بالكتابة ، ليتحول فعل الكتابة الى فعل حرية ورغبة بالتعبير تتناسب عكسيا او تاتي كردة فعل على حياة  اولئك الذين يكتبون عن حياة  محافظة ومنغلقة عن نفسها  ،وقد اشار المجتمعون في سياق ذلك الملتقى  الى امر اخر يخص الرواية العربية  التي باتت تزداد تورطا بالواقع ليجعلها فيما بعد تسجيلا للحياة اليومية  بدلا من ان تكون اعادة انتاج للحياة  ذاتها ..

وفيما شكل حضور وسائل التواصل من شبكة الانترنت وما يتعلق بها من نوافذ تواصلية كالفيس بوك والتويتر وغيرها من تلك النوافذ الالكترونية  التي اضحت منافسا للكتاب وللفنون الادبية فان الثقة بسطوة الكتاب وانتصاره في هذه المنافسة بات يتردد في اكثر من جانب،  لكن في متابعة امر برز اخيرا في توجه القارئ الى الكتاب الصغير بدلا عن الموسوعات والملاحم فالكتاب الصغير يحوي جملا قصيرة وحيوية ويمنح افكارا سهلة ويجذب الكاتب قراءه بتبسيط ما يريد تمريره  لكي ينجح في جذبهم نحو مؤلفاته..

مواجهة صعبة

وهذا الامر يواجه صعوبة لدى الروائي العربي الذي لايهضم فكرة الاستغناء او المساس عن نص يمكن ان يصل الى 500 صفحة  في الوقت الذي تسعى دور النشر الى تصغير حجم كتبها  لكي تلائم رغبة القارئ  الذي يجد اغلبهم ان القفز بين الصفحات والاستغناء عن المرور بكل التفاصيل يتيح لهم الوصول الى ادراك نهاية الرواية باختصار الوقت المتاح لقراءة تلك الرواية .. اعود لاشير الى ان ما جرى من احداث خصوصا بما يتعلق بسيطرة داعش على مدن عراقية ومنها مدينة الموصل وما تمثله الاخيرة من شواهد تاريخية خصوصا وان التنظيم خلال سيطرته على المدينة قام بالعديد من الافعال التي وثقتها تقاريره المنشورة على شبكات التواصل ومنها تدميره للاثار والشواهد التاريخية واستباحته للكنائس ودور العبادة سيكونان الملامح البارزة للكثير من الروايات والحكايات التي ستنتجها اقلام الكتاب والادباء ، اعتمادا  على ما تمثله الرواية  من الذاكرة الجمعية  لكل جغرافية بشرية .. فمثلما ذكرنا بان الرواية اصبحت خزانا للذكريات  التي باتت تحفظ المزايا المجتمعية  والانثربولوجية  لكل جغرافية بشرية  كما تؤدي  الرواية في زمننا الراهن وظيفة مارستها الاساطير في ازمان سابقة لذلك تعتبر الرواية ، البديل الاكثر جدارة وقدرة عن الاسطورة التي ساهمت سلفا بتعزيز  الصلابة الداخلية للفرد وبينما ستكون الروايات المنتجة متمتعة بالكثير من الواقع فلا بأس من ان ينحى كتابها الى اعتماد جزء  من الخيال البشري ليشعل شعلة الشغف والاحساس بالمغامرة التي اصبحت الانطباع الذي تذوقه المحاصرون في لجة تلك المدينة التي عانت ذلك الحصار الخانق، يضاف اليهم المغامرون بالركون نحو اختيارات الاراضي المتاخمة للمدن التي لم ينجح التنظيم بالسيطرة عليها لكي يتذوقوا طعم الحرية التي سلبت منهم  ..

وقد تحدثت الروائية (غادة صديق رسول )عن جانب من بيئتها التي جعلتها تتمسك بالشخصية المسيحية كمحور دائم الظهور في اغلب رواياتها ،ومنها رواية (بياض الليل سواد النهار) حيث ابرزت في سياق هذه الرواية التاريخية  حضور مسيحي إلى جانب أبناء الموصل في تصديهم لحصار القائد الفارسي ( نادر شاه )مشيرة الى ان على المثقف، والمؤرخ والإنسان، إبراز الصور الصحيحة الأصيلة، للتآخي والتعايش السلمي في الموصل وكل العراق، الوضع الذي استمر قروناً، ولم يهتز حتى ضعفت سلطة الدولة بعد أحداث سقوط النظام في 2003.

وتابعت (رسول )بان محنة تهجير المسيحيين من المدينة افقدت  مدينة الموصل نكهتها  مشيرة الى ان مدينة الموصل خلال الاعوام  التي ترك فيها مسيحيو الموصل مدينتهم كانت ناقصة بالتأكيد، مضيفة بان الموصل بدون التعايش والاحترام والمواطنة ستضيع ولن تعود فموصلنا التي نحب والتي نعرف.

ثم قالت (رسول ) انها عرفت من المسيحيين صديقات وزملاء في العمل، وكنا نتبادل التهاني والكليجة في الأعياد، إضافة لأن أقرب صديق لوالدي كان اسمه( يوسف فرجو)، كان الوالد يعيش في بغداد، وكان العم يوسف (أبو داليا) أقرب إلينا من عمنا وخالنا، ولم نعرف الفرق بيننا وبينهم حتى ذهبنا إلى المدرسة المتوسطة.أجمل ذكريات طفولتي تتعلق بمنطقة رأس الكور والشهوان، كنت أقضي هناك عطلة الصيف والأعياد في منزل جدي، وكنت أشاهد الراهبات يدخلن ويخرجن من الكنيسة وإليها، وكن يقمن بزيارة المرضى ولا يتأخرن عن تقديم أي مساعدة للجميع، كنت أشبههن بالحمائم وكن يبتسمن لي دائماً.كما عبرت عن شغف بالحضور المسيحي في رواياتها الصادرة  حيث اكدت ان هذا الامر مستمد من شغفها  بالأديرة والكنائس(بحسب قولها )، لروحانيتها ومعمارها الجميل الذي يحرض الخيال. من قساوسة ورجال دين مسيحيين كانوا يشبهون مدينتي ووطني.

 وبعيدا عن عوالم الروائية( غادة صديق رسول) ننصت لما كتبته الاعلامية (حنان اويشا) بشأن رواية (سابرجيون)  للكاتب العراقي  المعروف (عامر حمزة) حيث ذكرت اويشا  بأن الرواية منذ الوهلة الاولى تستميل القارئ .. عنوانها .. اناقة الغلاف وتعابيره.. البداية وحتى النهاية.. كلها مجتمعة جعلتنا نتريث لايام عند محاولاتنا للتعبير عنها عبرالقليل من الكلمات تعطيها حقها وتتناغم مع ذلك الابداع والروح النقية لكاتبها، وما حمله من مشاعر جياشة ومعاني حقيقية للحب والتعايش والوفاء لاناس كانوا جزءا من حياته وربما حياته بأكملها .. فبمجرد ان وقع نظري على عنوانها خلت بانني متوهمة فيما اقرأ .. حتى بدأت اتهجى الحروف كمن عرف اللغة لتوه…انها رواية (سابرجيون) للكاتب العراقي المبدع عامر حمزة بطبعتها الاولى الصادرة عام 2014 عن دار فضاءات للنشر والتوزيع.

الرواية وبحسب قراءة الاعلامية (حنان اويشا) التي سنورد جزءا واسعا منها  تحكي قصة الكاتب الذي عاش طفولته وشبابه في ( حي الاثوريين ) في منطقة الدورة ببغداد ومن خلال قصته يبدع في وصف حياة المسيحيين في ذلك الحي بكل تفاصيلها، الصغيرة منها والكبيرة.. مسراتها وآلامها .. اعيادهم بطقوسها.. مناسباتهم بصخبها .. الوصف النابع من حقيقة مشاعره وشدة تأثره بتلك الفترة ومن ثم تأثيراتها على حياته الشخصية، ليعود بنا لذكريات ما زالت عالقة في اذهان من عاش في ذلك الحي ومن لم يعش!!.. وما يزال لتلك الايام وقعا جميلا وخاصا في نفوسهم وربما تمتلكهم الحسرات وتدمع عيونهم كلما عادت الى ذاكرتهم متمنين عودتها يوما .. ولكن.. رواية ابطالها .. (ميري) و(هاول) و(الاب توما) و(اوسي الجريء) والمشاكس(جوكي) و(وليم الخياط) و(محمد الاسمر) و(الجميلة بتي) و(البرنسيسة) و(جورج العجوز) وو وغيرهم الكثير ممن حاكوا بقصصهم نسيج حياة ملئها الحب وجمال الروح وعطر الاخوة ومن ثم ألم التشتت .. ورغم ان الكاتب اهتم بشكل اكبر بحياة المسيحيين الاثوريين بعد انتقالهم الى الحي، الا انه احيانا يشير الى ما قبل تلك الفترة وتحديدا تلك الظروف التي اجبرتهم على النزوح من مناطقهم حيث يقول في وصفه لها ..( كحال الفقراء والمعذبين دفعتهم الحاجة للبقاء الى النزوح من اماكنهم الاصلية الى اخرى غريبة، فعافوا الشمال الشاسع ليدوسوا مجبرين على ذكرياتهم ايام كانوا فيها يرون الشمس الكبيرة والجبال المخضرة والوديان الدافئة، وايام كانوا فيها قريبين من الله، لينتظموا مضطرين في (كمب الحبانية) ويعملوا عسكريين وعمالا وفنيين اتقنوا اشغالهم المتنوعة ليحــطوا اخيرا جوار نهر دجلة عند احد بساتين النخيل في الدورة ببغداد).