
الرواية العراقية إنموذجاً 1-3
صورة الشخصية المسيحية في الثقافة
سامر الياس سعيد
لعل اهم انموذج ،يمكن ان نستقيه من خلال ضعف الاعلام السرياني ، في تأطير صورة مكوناته وترسيخها في المجتمع العراقي ، من خلال البناء الروائي والسردي ، في ظل ما برز في الابداعات الادبية التي دونها العديد من الكتاب سواء في مجالات الادب ، ولعل المجال الروائي هو الميدان الاكثر بروزا وتاثيرا في الحديث عن نمطية الشخصية المسيحية التي ظهرت بكتابات الادباء والروائيين بشكل خاص ، من خلال معايشتهم واطلاعهم على المدونات التاريخية والتراثية التي استقوها ، والتي مثلت مصادر توثيقية واعلامية ، مما عزز مسالة القلق الروحي الذي يعتري المسيحيين ، وهم يدورون حول معنى المصير الانساني الذي يحكم وجودهم حاضرهم فضلا عن استشراف مستقبلهم في البلد ،ففلسفة الرواية التي اخترنا انموذجها ،بالنظر لحكمتها في استشراف المستقبل ، فالكثير من الروائيين اسهموا باعطاء تصوراتهم للمستقبل ، عبر الاعمال التي قدموها من خلال الحديث عن تلك الانطباعات في الرواية التي اصدروها ،ومنها على سبيل المثال رواية 1984)) الشهيرة للكاتب البريطاني المعروف (جورج اورويل)..
لكن في المقابل ،فنظرة الروائيين العراقيين وعبر معظمهم، ابرزت نمطية تقليدية للشخصية المسيحية ، تمت وفق لغة ازدراء وسخرية بشكل غريب ،لذلك ليس من المستبعد ان يشير هذا الروائي الذي مرر مثل تلك الصورة الغير مفهمومة على انتهاج ( مفهوم) بان اكثر التاريخ المدون ، ما هو الا مجموعة من الاكاذيب ،وليس بخاف على اي متابع ،ما ابرزه التمثيل السردي للرواية العراقية ، التي عالجت ارهاصات المجتمع العراقي ،ما بعد عام 2003 وما اعترى هذا المجتمع من تغييرات ملموسة ومعطيات غير مجسدة سلفا، لذلك استحالت سبل المقارنة مع ما سبقها ، او تحديدا ما سبق العام المذكور، فلايمكن الا ان تخضع تلك النماذج الروائية والشخصيات التي تحدثت عنها الروايات ،لكي تفعل الحراك السردي الجديد المعتمد على التعايش او الاعلام ، او على شكل تقاليد ، تحكم تلك الشخصيات..
ولعل ردة الفعل التي ابرزت تلك الدوافع ، منبثقة من دور الاعلام في توظيفه لتعريف الشخصيات المسيحية وابرازها كاحد الشخوص لرئيسية في المشهد الروائي ، من خلال اعتماد الروائيين على المشهد الاخباري وشريط الاحداث المتتالية ، ومن ثم تفعيل ذلك الحضور المسيحي في تلك الاحداث التي كان من بينها مسلسل الاستهداف الذي جرى بحق هذا المكون وقراءته ،بشكل يوازي حضور المكون ما بين ترسيخ جذوره وانتمائه في ارضه او محاولة تلك الاحداث بتشكيل تهديد مستمر لهذا الوجود المسيحي من اجل اقتلاع جذوره ودفعه لاتخاذ خياره بالهجرة وترك البلد تماما ..
فضاء الرواية
ولم تغب تاثيرات الطائفية التي ابتلى بها الوطن عن فضاء الرواية المنتجة ما بعد عام 2003 فاستاثرت تلك الكتابات المتمحورة في فلك الرواية والتي ابرزت هذا الهاجس في كتابات شتى من بينها ما اشار اليه (حيدر جمعة العابدي ) حيث وضع كتابا نقديا تحت عنوان (الانساق الواقعية والرمزية في الرواية العراقية ما بعد (2003 وفي الكتاب المذكور اشار الناقد العراقي المذكور ، لكشف وتحليل ابرز سمات الرواية العراقية الحديثة ، مثلما سعى الكاتب للوقوف على الاثر الفعلي للنصوص الروائية على المشهد الروائي والواقع المرجعي الذي شكلها وساهم في انتاج انساقها المضمرة والظاهرة .. واعتمد (العابدي) في الكتاب المذكور على اسلوب تحليلي وتطبيقي نقدي يكشف من خلال الاعمال السردية ما يتصل ، وبشكل واضح بالحركة الروائية في العراق بعد 2003 في بعديها الفني والمرجعي ، بهدف تاصيل مرجعها ..
فالكاتب يتخذ في دراسته الموسعة نحو 20) ) رواية عراقية صدرت بعد عام 2003 ولم تغب تاثيرات الواقع الطائفي الذي انعكس على المشهد الاجتماعي العراقي، فابرز مبحثا من مباحث الكتاب في تاشير رواية الصراع الطائفي عبر صورة الديني والسياسي، متناولا بالكتاب المذكور الصراع الطائفي بمختلف الطرق والاساليب الادبية والفنية لما يشكله هذا الصراع من صدمة اتت على كل امل جميل في بلد مثل العراق ..
ومثلما ابرز هذا الكتاب تاثير الصراع الطائفي على المشهد الادبي ،مما انتج روايات عراقية واقعية استمدت تلك الواقعية ،بما حظي به المشهد اليومي من احداث ومحطات فان تاثيرات ذلك الصراع ايضا التفتت للمكون المسيحي ،فقد كانت بؤرة الانطلاق الاولى من خلال ملف اعده (رونين زيدل) الاكاديمي في جامعة (حيفا ) ونشره ضمن دراسات موسعة في كتاب شامل تناول المسيحيين في العراق ،وصدر بهذا العنوان في عام 2014 حيث اصدره الاكاديمي الناشط في شؤون الاقليات ( سعد سلوم )..
وكان هذا الملف الذي اعده( زيدل) قد حمل عنوان ( المسيحيون في الرواية العراقية ) ،فقد عالج فيه الباحث ، وفي مستهل البحث التدهور السريع لنطاق الامن بعد سقوط نظام صدام في نيسان (ابريل ) 2003 مشيرا في سياق مقدمة البحث ،لجهود اثنين من الناشطين في مجال الدراسات المختصة بالاقليات ، منوها ببصمات كلا من( سعد سلوم ) و(دهام العزاوي)..
تنوع الخطاب
وركز الباحث (زيدل ) على مضامين الجدل الفكري وتنوع الخطاب ، في اوساط هذين الناشطين ، وبالتالي انعكاس خلافهما الفكري على الجدل المحيط بالاقليات خصوصا في بيئة المجتمع العراقي ، دون ان ينكر (زيدل)على هذين الناشطين اتفاقهما ،على جملة من النقاط الاساسية ،بتناولهما ماسأة المسيحيين ومحاولتهم تقديم تفسير واضح للماسأة التي ابتلي بها هذا المكون بالتحديد ..
ورغم ان مقدمة البحث لاتتفق مع صورة الموضوع الرئيسي الذي عمل عليه (زيدل ) وهو عن الاشارة لتجسيد الشخصية المسيحية في الرواية العراقية لما بعد عام 2003 حيث يقول عن هذا الامر بالاشارة الى ان الكتابة ، عن هذا المكون لم تشكل امرا محظورا قبل هذا العام بخلاف تسليط الضوء حول الانقسام السني الشيعي ، وفي الصفحة 438من كتاب (المسيحيون في العراق) يذكر الباحث ( زيدل) بان الكتابة عن المسيحيين كمسألة سياسية وتناول محنتهم ومأزقهم سواء قبل ام بعد عام 2003 اصبحت وفيرة بعد ذلك التاريخ (انتهى الاقتباس ) ..
وقد ذكرنا سلفا ،بأن اتخاذنا للرواية جاء لاعتبارات مهمة ،ابرزها ما ركزت عليه الكاتبة (لطفية الدليمي) في اكثر من اصدار لها خصوصا النصوص التي ترجمتها عن كتابات غربية ابرزت دور الرواية وتاثبراتها المجتمعية ،ومن بين تلك الكتب كتاب (تطور الرواية الحديثة) فابرزت (الدليمي ) في مقدمتها الخاصة في الكتاب الذي صدر بطبعته الاولى عن دار المدى عام 2016 لاجابتها عن سؤال (لماذا الرواية ؟) ،مشيرة الى ان الفن الروائي يكاد يكون الاشتغال المعرفي الوحيد بين الاشتغالات الادبية الذي طاله الارتقاء المتواصل بلا انقطاع الى جانب فن السيرة الذاتية الذي يمكن عده رواية ذات سمات خاصة وواصلت (الدليمي) في سياق تلك المقدمة لايراد بعض الاسباب ، التي تدفع بالرواية الى الارتقاء المستديم على كامل رقعة عالمنا وبين كل الجغرافيات البشرية حتى بات الامر يشكل علامة مميزة لها ، ومن تلك الاسباب التي اوردتها تمثل الرواية كنوع من الذاكرة الجمعية المميزة لكل جغرافية بشرية..
وقد سلطت المترجمة الضوء حول تأدية الرواية دور يماثل خزانة الحكايات التي تحفظ المزايا المجتمعية والانثربولوجية لكل جغرافية بشرية ، ويمكن من خلالها الاطلالة على العادات والتقاليد وانماط العيش وفنون الطبخ والازياء والملابس السائدة في كل عصر ، الى جانب كل التفاصيل الحياتية الاخرى الخاصة بالحب والزواج والصداقة والرفقة والسفر وهذا تماما ما يتطابق مع نظرة الكتاب العراقيين في استحضار الشخصية المسيحية ،كنوع من الاشارة الى مجتمع تحظى فيه تلك الشخصية بحضور واسع تماما مثلما يبدو الحديث عن المجتمع الموصلي ،وما ابرزته تلك الشخصيات والنخب في المجتمع المذكور حتى طغت بعض تسميات المناطق المرتبطة بدور العبادة المسيحية على بعض الاحياء كـ(حوش البيعة) او (قصر المطران) او (حاوي الكنيسة) ليتم الاشارة الى حضور موسع في تلك المناطق قبل ان يتبدد ذلك الحضور، ويتلاشى بسبب الهجرة وتأثيراتها العكسية ..
اما السبب الثاني الذي تستخلصه (الدليمي )في سياق الاهتمام المنقطع النظير بالرواية ، هو ما تؤديه كجنس ادبي مماثل للوظيفة التي نهضت بها الاسطورة من قبل ، وقد وصفت المترجمة العراقية المعروفة الرواية بكونها اضحت الفضاء الميتافزيقي الذي يلجا اليه الافراد للحصول على فسحة من فك الارتباط مع الواقع الصلب واشتراطاته القاسية ..
وقد اكدت (الدليمي )على ان الرواية اضحت البديل الاكثر جدارة وقدرة عن الاسطورة التي ساهمت مع فنون السحر البدائية في تعزيز الصلابة الداخلية للفرد البدائي ،وقد حاول الكتاب العراقيين الى محاولة توظيف الاسطورة في كتاباتهم في الاشارة الى ان الاسطورة تمثل تقليدا متوارثا يلتزم به اغلب المسيحيين في الاشارة لبعض الشخصيات الدينية ، مثلما تتوارد تلك الاسطورة في منح القوة والعزيمة لدى قديس تتوارد صوره وايقوناته وهو يهزم تنينا برمحه، كما في الصورة الحاضرة للقديس( مار كوركيس) او (مار جاورجيوس) ،او في توظيف القصة الدينية في الرواية التاريخية والتي استلهمها الروائي (هيثم بهنام بردى) في حديثه عن القديس (مار بهنام واخته سارة) ..
ونواصل مع المترجمة( لطفية الدليمي) في ايرادها حول علامات الرواية الحديثة وتأثيراتها ،فتشير الى السبب الثالث المتلخص في كون الرواية عملا تخييليا يبدا بالمخيلة ويتطور داخل فضائها ، كما شددت الكاتبة على ان الرواية لعبة ذهنية ، حيث يعمل الفن الروائي على اشاعة نوع منعش من الحيوية الذهنية والعبقرية ، وهذا ما يتطابق مع فكرتنا بأن الرواية ستكون المجال الحيوي الذي يعمل على توثيق القضايا المصيرية تماما ،كما تلعب الفنون الصحفية الحديثة من قصة خبرية او صورة معبرة عن واقع ما عاشه ابناء شعبنا من محنتهم الحاضرة ، وقد تكون الرواية نفسها علاجا في حالات خاصة وهذا ما تبرزه الكاتبة (لطفية الدليمي) في السبب الخامس من اسباب انعكاسات الرواية وتأثيراتها .. ولايمكن انكار العامل السادس وهو ان الرواية تضحي معلما حضاريا وثقافيا تنهض به العقول الراقية في مختلف الاشتغالات المعرفية ، فضلا عن كونها جهد خلاق يرمي الى فتح افاق جديدة امام الوعي البشري والخيال الانساني ومع ان الرواية بحسب المترجمة (لطفية الدليمي) تعد في نهاية المطاف اداة ناعمة من ادوات العولمة الثقافية ، ومن خلالها تشير( الدليمي )الى ان الملاحظة المؤشرة في تاريخ الرواية العالمية ، تدعو الى اعمال فكر كبير اذ في الوقت الذي خدمت فيه الرواية الوعي القومي وتشكل ما يسمى الضمير الجمعي للامة وبخاصة ابان نشوء مفهوم الامة، فقد بتنا نرى الرواية تسلك اتجاها روائيا معاكسا يميل الى عولمة الافكار والثقافات والاتجاهات الروائية بدلا من مركزتها في شكل استقطاب احادي اللون والنكهة الثقافية ولاتخفى بناءا على ذلك (والاشارة للمترجمة لطفية الدليمي) بأن هذا الامر يعد اتجاها ايجابيا للعولمة التي تفوق سلبياتها المدعاة بكثير على خلاف العولمات الاقتصادية والتجارية المتغولة..
شكل حيوي
ونبقى في ميدان استحضار الرواية كشكل حيوي ومعاصر لما تعكسه ازمات ابناء شعبنا ففي كتاب اخر بعنوان (فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة) والذي ترجمته واعدت تقديم نبذ عن الروائيين والروائيات ممن نشرت حوارات لهم في سياق الكتاب المترجمة والكاتبة( لطفية الدليمي) حيث صدر الكتاب بطبعته الاولى عن دار المدى في عام 2016 هنالك دعوات من قبل اغلب الروائيين ، نحو ابراز دور الرواية وتاثيرها على الواقع العام للبلد ففي حوار مع الروائية ( ايريس مردوخ )وهي كاتبة بريطانية ابرزت في اجابة لها دور الرواية ،حيث قالت عنها انها منحة للانسانية ، ولكن غياب تاثير الفن الجيد ليس بخاف .. حينما يذكر الكاتب النيجري الاصل (شينوا اتشيبي ) في سياق اجابة له ، بان الفن الجيد والجاد وجد دوما لاجل خدمة الانسانية ، لا لادانتها ويضيف بانه لايعرف كيف يمكن للفن ان يدعى فنا ، اذا ما تسبب باحباط الانسانية وقهرها ، وهذا ما يتلاءم مع الانماذج التي ابرزها كتاب وروائيين في سياق احاطتهم بالشخصية المسيحية من خلال ما قدموه.. ولايمكن انكار ماذكرناه سلفا ،بان الانموذج الحيوي الذي مثلته رواية جورج اورويل المعنونة (1984 ) والتي بقيت انموذجا بارزا في علاقة الادب بالاستبصار وقراءة النخبة الادبية ، لما ورائيات الحاضر مثلما ذكر الكاتب (احمد مجدي همام) في مقالة له نشرتها مجلة (الشبكة العراقية) بعددها المرقم 283 والصادر يوم 17 كانون الثاني (يناير ) 2017 حيث اتخذ الكاتب نماذج عديدة لسرديات عالجت قضايا مستقبلية ، مثلما هو الحال مع رواية (عالم رائع جدا ) والصادرة عام 1932 للكاتب الانكليزي ( الدوس هسكلي ) وتناول بروايته الهندسة الوراثية والاحماض النووية الممزوجة صناعيا ، وهو ما اكتشف لاحقا ،اي في عام 1972 على يد فريق بحثي مؤلف من طلبة الدراسات العليا في جامعة ستانفورد الامريكية.. ويفيد كاتب المقال، الى ان الروائي هو اكثر شخص مختلط بمجتمعه ومتورط فيه وهو بطبيعة تفكيره ، يختلف عن اي شخص عاد لانه مشغول طوال الوقت بالشخصية والاحداث والحوار وربط القصص ببعضها ، والحقيقة ان الحياة المحيطة بنا ليست سوى احداث وشخصيات وقصص لذلك ..وبحسب كاتب المقال ،فان الروائي يمتلك تلك النظرة المستقبلية من خلال المامه بمجتمعه ورصده لتبعات وعواقب ما يحدث في الراهن او ما حدث في الماضي ، ليعيد للاذهان ما استبصره (اورويل) في روايته المعروفة والمشهورة ..ان الافكار تحتاج لكي تعيش الى السياق الذي يتقبلها، ويسمح بظهورها فالعبرة ليست بالجزء ،بل بالكل فكم من الافكار سبقت زمانها واجهضت مباشرة ليست خاطئة ، بل لان الاطار النظري لايسمح لها بالبروز ، وهذا ما يشهد عليه التاريخ لذلك فان اي فكرة تحتاج لاطارها النظري الذي ستسبح فيه بامان، وهو من يقدم لها جواز المرور نحو القبول والظهور بل الذيوع والشعبية .. وقد تصدى الروائيون ، للتحولات التي مر بها البلد من خلال الروايات التي عالجوا فيها قصور الوعي وغياب قدرته على اتبصار المستقبل ،فبقيت افكارهم عائمة في زمن ملتبس ومحدد ،وهذا ما عكسته توالي الحروب والصراعات التي ابقت البلد بداومة العنف والاحداث المؤلمة والخسائر التي مني بها ،نتيجة تلك الازمات والتي ادخلت بلدنا متاهة لم تتضح نهاياتها لحد الان ..
وبما ان المسيحيين وازماتهم كانت جزءا من تلك المتاهة ، وليس على صعيد ما شهده البلد في ازماته التي مر بها عبر عقد ماض من الزمن، فحسب بل يحسب لازمة هذا المكون استمرارها منذ سيطرة الحكم العثماني الذي كرس الكثير من الاختلالات في منظومة القيم وعادات التفكير واخفاقات النظم الوطنية في محاربة الذهنية العثمانية التي رسخت لالغاء الاخر المختلف وتهميشه واقصائه، مما عزز باسهام المحتل، بفرز هويات فرعية وطائفية اضحت فيما بعد ادوات تزيد من احتقانات متراكمة ، عبر توالي العقود الزمنية لكنه مع ذلك بدا الامر غير مرئي ، ولم يتوضح الا مع استشراف المستقبل ..
ومن خلال ما عاشه هذا العالم ، فان الادب لم يكن يوما الا اكثر انعكاسا لواقع المجتمعات التي عبر عنها باجناسه الابداعية المختلفة خصوصا مع بداية العقدين الاخيرين ، حيث كان الادب بحق مرآة للمجتمع ، فاستلهم منه تلك المرآة الاديب والكاتب ، ما اعانه بتوظيف ادوات ابداعه ،ليعبر من خلال تلك الادوات ، عن اشكالية غالبا ما كانت ماساة او ازمة اومشكلة معينة لتترك تلك الارهاصات لاحقا بصمة في عمق الضمير الانساني ..
فقد اتسعت مثل تلك الظاهرة بشكل ملحوظ ووفق نماذج روائية عديدة من ابرزها الظاهرة الروائية التي برزت في امريكا بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر ) عام 2001 حيث تفاجأ الامريكان بما جرى في منطقتهم ،دون ان يكونوا قد حسبوا في اعتقادهم بانهم سيكونون في مأمن ، من تلك الحوادث التي اضرت بامنهم من خلال التهديدات الخارجية التي تواترت عليهم ،فاذا الارهاب بضرب بشكل مفاجئ اكبر رموز الحضارة الاميريكية ممثلا بمركز التجارة العالمي وما دمنا في سياق الواقع الروائي وانماذجه في تشكيل الاجناس السردية الناتجة من وقع الاعلام وتاثيراته ،فان الامر لايتعدى الايدلوجيا وتاثيرها في هذا الخصوص من خلال تشكيل ملامح النص الروائي والسردي .. وقبل ان ننطلق في تحليل الايدلوجيا التي لها انعكاسها المؤثر في النصوص الروائية ، علينا ان نعد وصفا مناسبا للايدلوجيا مستقى من كونها، تمثل الايقان والايمان بفكرة ما ففي المقابل يبدو الابداع والادب امران يعتمدان اللا يقين ، فمتى ما وصل الادب بشكل عام والرواية على وجه الخصوص الى اليقين الخالص والاجابات الجاهزة ، فحينئذ يفقد هذا الفن سحره وجمالياته ،واذا ما كانت الايدلوجيا هي علم الافكار المسبقة والجاهزة تحديدا فالادب بناء على هذا الامر ، يفقد النص الروائي قوته وتاثيره ،وكثيرا ما يعيش الروائي وطاة ابعاد نصه الادبي عن تدخلات الايدلوجيا الصادمة .. وبالعودة الى قراءة ( رونين زيدل) التي ابرزها في الملحق الخاص بكتاب ( المسيحيون في العراق) والتي عالج فيها الاكاديمي في جامعة حيفا ، حضور المسيحيين في الرواية العراقية فقد اشار الى التجليات الاكثر انتشارا ،لنمطية الشخصية المسيحية في احداث ووقائع الروايات التي انتجها الروائيين العراقيين ما بعد عام 2003..
فقد ظهرت تلك الشخصية متعايشة ضمن جماعة تتعايش هي الاخرى ، وفق تعددية ترمز الى تنوع اطياف المجتمع العراقي ككل ، مثلما يتخيل الروائي في سرده ونصوصه التي انتجها بناءا على الراهن المعاش ،ووفق التصورات والانطباعات التي اتخذها من النماذج المعتمدة لدى( زيدل )ومنها ما ابرزها من شخصية مسيحية في رواية (اقصى العالم ) للروائي (ناظم العبيدي) ففيها يسردالاخير من خلال روايته عن شخصية المواطن المسيحي الذي يعيش داخل مصحة معتقلا وهي الرمزية التي ابتغاها الكاتب للدلالة على ما عاشه البلد تحت نظام البعث ..
شخصية مسيحية
كما اظهر (زيدل) نموذجا اخر للشخصية المسيحية متوارية في نص رواية (ذبابة القيامة ) للروائي (سلام عبود) واظهر فيها شخصية المسيحي معتقلا وسط جماعة من المنبوذين المصابين بمرض (الجذام) وهي الرمزية التي ذكرناها سلفا والتي لاتختلف عن الشخصية الواردة في الرواية السابقة للدلالة على ما عاشه العراقيون في زمن البعث ..
كما اشار (زيدل) الى شخصيات اخر ضمن قراءته للروايات العراقية التي انتجت بعد عام 2003 حيث تحدث عن شخصية ( ام توماس) والتي ابرزتها الروائية (لطفية الدليمي) في روايتها المعنونة (حديقة حياة ) حيث رفضت تلك الام مغادرة بلدها (العراق) وهي امرأة كبيرة السن متمسكة بمنزلها الواقع في العاصمة العراقية (بغداد) دون ان تبدي رغبتها بالانضمام لافراد عائلتها ممن استقروا في المهجر، وتصر من خلال سياق الرواية على انها ليست وحيدة لكون جميع الاشخاص الذين ماتوا من عائلتها موجودون هنا ليؤنسوا وحشتها.. كما يعبر (زيدل )عن تجسيد المسيحيين في الرواية العراقية ،كرمزية للتعبير عن انتمائهم الوطني وتجذرهم ببلدهم ليرفضوا فكرة الهجرة رغم توالي الاستهدافات المستمرة بحقهم حيث صور بعض الروائيين شخصية المسيحي بكونها جزءا وحزمة من التاريخ والمكان ضمن اطار مدينة عراقية طالما عرفت باحتضانها لهذا المكون ..
وفي هذا الصدد نذكر عنوان رسالة الماجستير الخاصة بالإعلامي عماد جاسم، والتي نالها بدرجة الامتياز عن دراسته الموسومة ( تمثل الهويات الفرعية في الرواية العراقية، الهوية المسيحية نموذجا ) ،فقد نال الناشط المدني والإعلامي عماد جاسم شهادة الماجستير بتقدير امتياز ، وذلك عن رسالته العلمية التي جاءت بعنوان ” تمثل الهويات الفرعية في الرواية العراقية 2003-2004 الهوية المسيحية نموذجا ” .حيث جرت مناقشة الرسالة على قاعة الدكتور رشيد العبيدي في كلية الآداب / الجامعة العراقية في بغداد نهار يوم 14/تشرين الثاني (نوفمبر /2016 وتألفت لجنة المناقشة من الاساتذة الدكتور ناهي ابراهيم محمد رئيسا وعضوية الدكتور اثير محمد شهاب والدكتور فاطمة بدر حسين واشرف على الرسالة الدكتور عباس عبيد كزار.وقد تعمدت ان اذكر اسماء لجنة المناقشة لانني وجدت ان في الامر تهميشا بالنخبوية المسيحية من خلال الاستعانة بها لمناقشة المواضيع التي تخصها فكما يقول المثل الشائع (اهل مكة ادرى بشعابها )!وقد اختار الباحث (عماد جاسم) سبع عشرة رواية تناول فيها حيثيات الشخصية العراقية المسيحية من محتوى أصالتها والانتهاكات التي تعرضت لها في إطار ما تعرض له العراق عموما وضمن ضغوط الخوف من الآخر ومحاولات الاحتواء والإلحاح اليومي للهجرة خارج الوطن والمساعي الرائدة للتعايش والتجانس تحت وطأة مجسات الدين والجنس والسياسة . هذا وقد أشار الباحث الى انه اختار هذا الموضوع من منطلق ، اولا الاهتمام بموضوع الاقليات ونشاطه هو شخصيا في ميدان الاعلام والمجتمع المدني واثر موضوع الهوية في تماسك النسيج الاجتماعي من جهة أخرى ، وثانيا حداثة حقل الهوية المسيحية وجدته في الدراسة الأدبية عموما والروائية بشكل خاص في العراق .
كما عبرت عن موضوعة اختيار المكونات ضمن سياق الرواية ما تحدثت عنه( لطفية الدليمي )عبر ترجمتها لكتاب (تطور الرواية الحديثة ) لمؤلفه (جيسي ماتز) حيث ذكرت ان الرواية تمثل الاشتغال المعرفي الذي يعد المتفرد ضمة الاشتغالات الادبية التي طالها الارتقاء المتواصل بدون انقطاع الى جانب فن السيرة الذاتية الذي يمكن عده رواية ذات سمات خاصة وتعود (الدليمي )لابراز هذا الامر من خلال تجسيد الرواية للمعلم الثقافي والحضاري في أي بيئة يمكن ان يعيشها البطل المفترض في سياق النص الروائي ..
وبما ان (زيدل ) قد تحدث عن اطر متعددة للشخصية المسيحية خصوصا مع تمسكه بالاشارة الى كون هذه الشخصية تحمل انتماءا لبلدها ،كما في سياق شخصيات اوردها روائيون لتترجم ذلك الانتماء وخصوصا في رواية (مدينة الصور ) للروائي ( لؤي حمزة عباس) ورواية ( الذباب والزمرد ) للروائي (عبد الكريم العبيدي) ورواية(سفر السرمدية ) للروائي (عبد الخالق الركابي) .. فالى جانب شخصية المواطن المسيحي المشبع بالانتماء الوطني الخالص ،تبرز شخصيته كمثقف ينتمي لمجتمع متحضر فيتحدث عنها روائيين بمزيد من الوقوف عند عمق التحضر والثقافة التي تمتلكها تلك الشخصيات التي يوردها الروائي (نجم والي) بروايته(صورة يوسف ) وفي رواية (غايب) للروائية (بتول الخضيري) حيث يتمسك الروائي، بايراد تلك الشخصيات ممن تحمل عمقا فكريا ناجما من الانتماء ،على سبيل المثال للحزب الشيوعي العراقي ..
دور تاريخي
كما ذكر( زيدل) وفق رؤيته بان المسيحيين قاموا بتأدية دور تاريخي في سياق هذا التنظيم السياسي ،حيث ابرز على سبيل المثال شخصية لمسيحي عضو في هذا الحزب كما في رواية (جنان جاسم علاوي ) التي حملت عنوان (اماكن حارة ).. وليس الرجال المسيحيين فحسب من برزوا في سياق الروايات التي تطرق لها (زيدل )في سياق قراءته الشاملة ، بل ابرز دورا نسائيا ملحوظا في عدد من الشخصيات التي اوردتها الروايات العراقية فضلا عن كونها لعبت دورا محوريا في سياق الروايات ، مثلما هو الحال في رواية (زنابق بين الالغام ) للروائي (علي الشوك) فتحدث من خلالها هذا الروائي عن انبهار زوجين مسلمين بتقاليد وطقوس مسيحية تصل ذروتها بالاستمتاع لانامل امرأة مسيحية تقوم بالعزف على البيانو، لكن تلك الذروة الثقافية والفنية ممن تميز بها المسيحيين بشكل خاص ، لم تغب عن اذهان الروائيين بل عمدوا لاستحضار كواليس المجتمع الخفي لبعض العوائل المسيحية ،فقدموا من خلال رواياتهم الجانب السلبي ،لاظهار بعض الواقعية التي يمكن ان تكون تفردا او تغريدا خارج سرب المالوف ..


















