رسائل الى رجل حكيم
الرسالة السادسة والسبعون
ايها الرجل الحكيم: جميل جداً بك، انك آمنت الآن ايماناً مطلقاً، ان العقل له الاثر الفعال في حياة الانسان، وان الانسان، لولا العقل لما كان اكثر من بهيمة تمشي على قارعة الطريق او تائهة في عرض الصحراء. دعني اذكرك الآن، بان عليك ان تكون حر العقل، والا ما الفائدة من عقل الانسان الذي يبقى متقوقعاً في داخل جمجمته، لا يتحرك مع احداث عصره ولا يشارك في هموم مجتمعه، بل يبقى كسولاً خاملاً، حتى يتغلب عليه الخمول وينهيه الخمود. كن اذن حر العقل، لانك بالعقل الحر تكون انساناً سوياً، وتستطيع ان تثبت نفسك، فتتغلب على خضم الاحداث. اذا تسألني عن الطريقة التي تمكنك من بناء عقل حر، تستطيع به ان تميز بين الحق والباطل، فقد اجيبك بحسب ما انا قادر عليه، وآمل الا اكون مخطئاً في ما سوف ارسمه لك في بداية الطريق. لعل اول درجة تستطيع ان ترتفع بها، حين تتغلب او بالاحرى، تتحرر من طلبات حواسك غير الضرورية، او التي تدفعك الى الرغبات المتطرفة والشهوات. انا ادرك جيداً، انه ليس من السهل ان يتخلص الانسان من اندفاع حواسه، ولا سيما في ايام اقباله الاولى على الحياة، على ان الانسان بالصبر والممارسة وقوة الارادة، قادر على اخضاع حواسه والسيطرة عليها، وتوجيهها في كل ما هو نافع وضروري ومفيد. تأتي بعد ذلك على مصاولة ومجاهدة رغبات النفس وعواطفها، وهي ليست اقل شأناً واندفاعاً من القوى الحسية، التي تتحكم في مسيرة الانسان. بعد هذا تخلص من زيف الجماعة وتقاليد المجتمع البالية، ولا تنقاد لما هو موجود، بل حاول ان تجد ما هو انفع وأبقى. اذا وجدت في ساحة بلدك السياسية، احزاباً وفرقاً مزيفة عارية عن المبادئ، لا تنقاد لمشيئتها، بل استوعبها وارتفع درجة او درجات عن مستواها. لا تنسى ان العالم حولك مبني على المحبة والكراهية، انت لست بحاجة ان انصحك بان تتبنى المحبة وتطأ الكراهية بقدم ثابتة. كن حكيماً يقظاً، ولا تقنع بما يطفو على السطح، بل ليكن ديدنك الغوص في الاعماق، لاكتشاف حقائق الاشياء. ربما تتصور ان كلامي هذا مجرد انشاء، او استدرار عواطف ليس غير. معك حق وانا اتفق معك، بان ليس من السهل ان يتحرر الانسان من القيم البالية، لكن ارجو الا تنسى ان الذي يريد ان يقتحم البحر المحيط، لا تهمه السواقي والجداول ولا حتى الانهار والنهيرات. لا بأس عليك، فانك سوف تجدك مهما اجتهدت في التحرر والانعتاق، انك اسير قيود بالية، تحيط بك من كل مكان. وانا رغم كل ذلك، اشجعك على الاقدام بما ترتأي وتعتقد، وان التكرار والممارسة والقرار المكين، كفيلة بان تطلقك نحو ما تروم وما تصبو للوصول اليه. ربما تشعر بالعزلة، ربما يقاطعك اقرب الناس اليك، غير ان الصمود والثقة بالنفس والثبات على الرأي، كفيلة بان تقهر كل ما يعترضك من صعاب.
ناجي التكريتي

















