الراقصة والزبّال – مقالات – منهل الهاشمي

الراقصة والزبّال – مقالات – منهل الهاشمي

 دوحي شاب ثلاثيني معدم يعمل بالاجور اليومية. مقابل بيته يقع بيت سوزي الراقصة في احد الملاهي (الكباريهات). تقاربه عمرا.. جميلة.. رشيقة ممشوقة.. بيضاء تسرّ الناظرين. كانت كل صباح تشاهد دوحي وهو يكنس وينظف امام بيتها ثم يطرق بابها سائلا عن الازبال لاخذها. وهي تذكر اول مرة طرق بابها قائلا : (عِدكم زبالة ؟) فأجابته بذكائِها المعهود : (إي عيني عدنة.. رحم الله والديك منريد) !!!. فلفتَ نظرها واثار اهتمامها واعجابها بحسن خُلقه وحيائه الجميل. فعطفت واشفقت عليه لِما بدا من وضع بائسٍ مزرٍ. وفكرت جديا بأن يكون لها بعلاً.. او بالاصح بغلاً بعدما هالَها بقوته وبعضلاته المفتولة.. مما يعني انها ستموت بين يديه مقتولة !!. ولكونه قوي الشكيمة.. أدى بها لهذه النظرة السليمة الحكيمة. كانت كلما شاهدته وهو يحمل حاوية الازبال الكبيرة الثقيلة (والتي وزعتها الامانة على المواطنين مجانا) يحملها بسهولة وبخفة متناهية تتخيل نفسها وهو يحملها بنفس الخفة ليلة (الدُخلة). عقدت العزم والحزم والحسم على إخباره من طرف خفي تلميحا لا تصريحا بمدى حبها له واعجابها به ذلك أنَّ كبرياءَها وكرامتها اضافة بالطبع لحيائِها كراقصة في ملهى يمنعها بمصارحته بحبها بشكل سافر مكشوف. في اول فرصة حينما اتى دوحي لاخذ الازبال إنتحت به جانبا على انفراد وهي تسبّل له العيون والجفون قائلة بلهجة مترعة بالود والدفء والرقة بأنها لم يعد باستطاعتها النوم ليلا. نصحها دوحي صادقا بأنْ ترشَّ (بِف باف) بالغرفة لقتل (البكَـ) والحرمز. اخبرته بسوء فهمه وبأنَّ الذي يؤرقها ويشغلها ويمنع الكرى عن عينيها ويطير نومها ليس الحرمز و(البكَـ) وإنما شيء آخر اكبر واخطر منهما. تألمَ لحالها كثيرا وعاد لينصحها ثانيةً بألّا تنام ظهرا كي يتسنى لها النوم ليلا. قالت بإنفعال وقد اوشكت على الصراخ والجنون : إفهمني.. إرحمني انا لا استطيع النوم الليل بطوله. فنصحها أنْ تنام الليل بعُرضَه. لم تحتمل فصرخت به بنفاذ صبر بعد أن فقدت الشَعر والشعور : (ولك ابوس اصبع رِجلك الجبير بس افهمني.. دوحي يا بعد روحي… آني أحبــــــــك). فردَّ عليها مغتاظا بانفعال بعد أنْ فهم اخيرا ـ والحمد لله ـ المراد.. مراد باشا : (إي على كيفج مو افتهمنة قابل آني مطي.. آني الكَفها وهي طايرة). فضحكت وبشّرته بأنَّهما سيكونان في الجنة : انا من صبري عليك.. وانت من شكرك عليَّ… والصابر والشاكر كلاهما في الجنة. فرح دوحي كثيرا لكنه ما لبث أن عبّر لها عن مخاوفه بأنْ تكون طامعة به. قالت سوزي وهي تلطم صدرها بيمناها : اطمع بك على ماذا (يا حصرة) فحتى المكنسة هذه انت لا تملكها فهي عهدة عندك للدولة. وأردفت بمرارة وحرارة : (صدكَـ لو كَالوا رضينا بالبين والبين ما رضا بينا). قال دوحي بألم كبير : أتعيرينني بفقري وبكوني زبالاً ؟!!… ليتكِ عيرتيني بما هو عارُ. ردت بعصبية : (ولك هو شكو عار اكثر من هذا ؟!!… صايرلي ناظم الغزالي !!!). فأجابها منتفضا لكرامته : الأَولى أن أعيّركِ انا لا انتِ كونك راقصة في ملهى. خففت سوزي من سخونة الموقف بأن قالت له بتسليم سليم : (لا اتعايرني ولا اعايرك الهمّ طايلني وطايلك.. دوحي لتهيّج جروحي… هسة اشكَلت ؟!!). طلب منها مهلة بسيطة للتفكير. لكنه بعدما ابتعد عنها قليلا عاد لها متسائلا : (اكَلج صدكَـ يعني شنو البين ؟!!). اجابت وهي تحاول جاهدة مجهدة تصنّع الهدوء وضبط النفس قبل أن تنفجر بوجهه : (دوحي بعد روحي روح من كَدامي ترة صعد عندي الضغط والسكر.. بشرفي تكسب بيّة ثواب). فتمتم بصوت خفيض مع نفسه هازئا : (هه تحلف بشرفها !!.. بلّلة لو حالفة بمعمل قنادر مو احسن). صاحت به محتدة : (اشكَلت ؟!!). اجابها مغيرا الموضوع : (لا هيجي… دا احجي عالتقشف) !!.

  في الطريق شاور دوحي (بعد روحي) عقله متفكرا  وماذا يعني لو كانت راقصة.. ألمْ تقل نبيلة عبيد حين ظهرت راقصة في احد الافلام : (كل واحد منّا يرقص بطريقته) ؟!!.. يكفي انها تحبني وتسعى لرضاي وستعاملني بحب وحنان ودلال وهو ما افتقدته طوال عمري كوني يتيما. ثم اضف لكل ذلك انها جميلة جدا (حاتة) فماذا اريد بعد اكثر من ذلك ؟!!. وما لبث أن اقتنع ووافق.

  جُنَّ جنون اخوانه ـ فلا اخوات لديه ـ مع عمه الكبير شمخي حينما جمعهم لإخبارهم بالوضوع. قال عمه شمخي منفعلا بشدة ومتوعدا : إذا تزوجت من هذه الراقصة فسنطردك من العشيرة طردة الكلاب وسأتبرأ منك ولن تعد بإبن اخي ولا انا بعمك.. وإذا اصريت فواالله سأفرغ مسدسي في رأسك. قال له دوحي بهدوء : لكن يا عمي مكسبها مع فلوس (الكيت) المنهمرة عليها كالمطر يصل الى (200 الف) بالليلة هذا من عدا (بخاشيش) زبائِنها !!. اجابه عمه مذهولا في الحال : (ابروح اُبوك اذا هيجي ما تلكلنالنة وياها اي شغلة.. إبعرضي طكَنة الجفاف عالتقشف… خلّيني اَلِمّ الكيت بعد عمك) !!!.

  وهكذا تم على بركة الله زواج دوحي الزبال من سوزي الراقصة. وبِذا تم الإقتران والتوافق والتصالح الطبقي أخيراً.. والمنتظر طويلاً.. ما بين الطبقة الكادحة… والطبقة (الرادحة) !!. لكن كما يقول المثل (الحلو لا يكمل) فلم تمضِ سوى فترة بسيطة على زواجهما حتى اخذ اصدقاؤه من الحاسدين الحاقدين يعيّروه بزوجته الراقصة. شعر دوحي بالحزن والغضب والالم من هذا الكلام الجارح المالح القاسي وتلك التلميحات التي تضرب كرامته وكبرياءه ورجولته في الصميم. طلب منها عدة مرات أنْ تعتزل الرقص مردداً بإصرار مراراً وتكراراً : (سوزي جوزي… سوزي جوزي) في حين تردُّ عليه هي الاخرى بتوسل مراراً وتكراراً : (دوحي بعد روحي لتهيّج جروحي… دوحي بعد روحي لتهيّج جروحي). فوصل به الامر بتهديدها بالطلاق. وتحت هذا التهديد القاطع الناصع الساطع رضخت سوزي للامر الواقع. فحمداً لله العلي القدير انها اعتزلت الرقص… وافتتحت بيت دعارة.

  سرعان ما حملت سوزي (جوزي) من دوحي (بعد روحي) وحان موعد ولادتها. ولأن صحتها لم تكن على ما يرام وبدأت تأخذ بالنازل  بسبب الاجهاد الشديد المتواصل في عملها فهي مثل (البانزين خانة) تعمل 24 ساعة متواصلة دون كلل او ملل. ولهذا كان وضعها الصحي دقيقا وحرجا جدا وقد سبق وأنْ اخبر الطبيب دوحي بأنَّ الحمل فيه خطر عليها وقد يهدد حياتها. بيد أنَّ سوزي (جوزي) رغم ذلك اصرت على الحمل لانها كانت تحب زوجها بشدة وتتمنى بكل جوارحها.. وكواسرها أن تنجب منه ولداً. فوراً نقلها دوحي الى مستشفى الولادة فدخلت صالة العمليات. في حين بقي دوحي.. (بعد روحي) يذرع الغرفة جيئة وذهابا بقلق وخوف شديدين وكاد قلبه ينخلع هلعا على زوجته الحبيبة. بعد ساعات طويلة على العملية خرج الطبيب ـ وكان مصرياً ـ بوجه متألم حزين. هرع اليه مستفسرا بنظراته وقد كاد قلب دوحي.. (بعد روحي) يسقط أرضاً لمرأى الطبيب المتجهم لكنه مع ذلك صبّر نفسه بأنْ توقّع من الطبيب المصري انه سيقول له على طريقة الافلام المصرية العبارة الخالدة في مثل هذه الحالات : (للاسف احنة اضطرينا انضحّي بالجنين علشان الام تعيش) لكنه بدل ذلك فوجيء به يقول بألم بالغ وهو يهز رأسه أَسفا : (للاسف احنة اضطرينا انضحّي بالجنين والام… علشان انتة تعيش) !!!. حين لاحظ الدكتور المصري وقع الصدمة والذهول والاستغراب على محيّا دوحي..

(بعد روحي) قال له مهوّناً ومشجعاً : ما بِكْ.. هل انت مستغرب ؟!!… يا اخي إحمدْ الله وإشكره لأنه في المرات القادمة توقّع بأنْ اخرج من صالة العمليات لأقول : (للاسف احنة اضطرينا انضحّي بالجنين والام والاب… علشان الجيران تعيش) !!!!