الديمقراطية الشاذة

عبد‭ ‬الهادي‭ ‬كاظم‭ ‬الحميري

منذ‭ ‬أوائل‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬ومرورا‭ ‬بالقرن‭ ‬العشرين‭ ‬ووصولا‭ ‬الى‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭ ‬وجد‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬كل‭ ‬على‭ ‬حدة‭ ‬أنهم‭ ‬ينقسمون‭ ‬بصورة‭ ‬عامة‭ ‬الى‭ ‬مجموعتين‭ ‬لكل‭ ‬منها‭ ‬ميوله‭ ‬وتصرفاته‭ ‬وأفضلياته‭ ‬فانخرطوا‭   ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬حزبين‭ ‬تحت‭ ‬مسميات‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬والحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬وحزب‭ ‬المحافظين‭ ‬وحزب‭ ‬العمال‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬الأول‭ ‬يجمع‭ ‬المحافظين‭ ‬والمتشددين‭ ‬والثاني‭ ‬يجمع‭ ‬الأكثر‭ ‬تحررا‭ ‬وليبرالية‭ ‬في‭ ‬النظرة‭ ‬الى‭ ‬الأمور‭.‬

أجرت‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والبريطانية‭ ‬بحوثاً‭ ‬وتجارب‭ ‬كثيرة‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬عوامل‭ ‬نفسية‭ ‬سيكولوجية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬المنتمين‭ ‬الى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬المحافظين‭ ‬والليبراليين‭ ‬الى‭ ‬درجة‭ ‬كبيرة‭ ‬وعلى‭ ‬غير‭ ‬المتوقع‭ ‬وجدت‭ ‬بعض‭ ‬البحوث‭ ‬أيضاً‭ ‬خصائص‭ ‬فسيولوجية‭ ‬مثل‭ ‬كبر‭ ‬المساحة‭ ‬الخاصة‭ ‬بالخوف‭ ‬في‭ ‬الدماغ‭ ‬البشري‭ ‬عند‭ ‬المحافظين‭.‬

يعني‭ ‬ذلك‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬بطبيعته‭ ‬ينقسم‭ ‬غالبيته‭ ‬في‭ ‬الإتجاهين‭ ‬المذكورين‭. ‬فحزب‭ ‬المحافظين‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬ضم‭ ‬الإنكليز‭ ‬والاسكوتلنديين‭ ‬والويلش‭ ‬وكذلك‭ ‬ضم‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الناس‭ ‬أنفسهم‭ .‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬فهي‭ ‬بلد‭ ‬مهاجرين‭ ‬شاسع‭ ‬الأطراف‭ ‬والمكونات‭ ‬ويشكل‭ ‬بحق‭ ‬أمم‭ ‬متحدة‭ ‬على‭ ‬قياس‭ ‬حجم‭ ‬مكوناته‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شعوب‭ ‬الأرض‭ ‬وبضمنهم‭ ‬العرب‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬تواجد‭ ‬هذه‭ ‬المكونات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬واحدة‭ ‬انضم‭ ‬أصحاب‭ ‬الأعراق‭ ‬والأديان‭ ‬والطوائف‭ ‬والألوان‭ ‬الى‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬وكذلك‭ ‬الى‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬وحصل‭ ‬ما‭ ‬يشابه‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الكبرى‭ ‬الأخرى‭.‬

‭ ‬يمكن‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬تقسيم‭ ‬غالبية‭ ‬العراقيين‭ ‬بين‭ ‬محافظين‭ ‬وليبراليين‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬ولكن‭ ‬للأسف‭ ‬لم‭ ‬تتشكل‭ ‬عند‭ ‬العراقيين‭ ‬أحزاب‭ ‬عابرة‭ ‬للقومية‭ ‬والطائفية‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية‭ ‬الحاكمة‭ ‬والهموم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأمنية‭ ‬المشتركة‭ ‬للمواطنين‭.‬

والسبب‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬المتصدين‭ ‬للزعامة‭ ‬وخصوصاً‭ ‬الطائفيين‭ ‬منهم‭  ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الأحزاب‭ ‬الكوردية‭ ‬كانت‭ ‬موجودة‭ ‬أصلاً‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وتحكم‭ ‬في‭ ‬كوردستان‭ ‬قبل‭ ‬2003‭  ‬رأوا‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬الطائفية‭ ‬الوافدة‭ ‬معهم‭  ‬فرصة‭ ‬لإحكام‭ ‬الزعامة‭ ‬وزيادة‭ ‬الثراء‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬رقاب‭ ‬الطائفة‭ ‬فعمدوا‭ ‬الى‭ ‬(سجن)‭ ‬طبيعة‭ ‬الإختلاف‭ ‬البشرية‭ ‬المذكورة‭ ‬أعلاه‭ ‬داخل‭ ‬الطائفة‭ ‬بإقامة‭ ‬أحزاب‭ ‬طائفية‭ ‬تحت‭ ‬دكتاتورية‭ ‬فردية‭ ‬داخل‭ ‬الحزب‭ ‬الواحد‭  ‬وحاربوا‭ ‬التنظيم‭ ‬الحزبي‭ ‬العابر‭ ‬للطائفية‭ ‬وإنطلقوا‭ ‬يتقاسمون‭ ‬مع‭ ‬نظرائهم‭ ‬سلطات‭ ‬وثروات‭ ‬البلاد‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬لمصالح‭ ‬البلد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأمنية‭ ‬ومصالح‭ ‬فقراء‭ ‬الطوائف‭.‬

كان‭ ‬السيد‭ ‬محمود‭ ‬المشهداني‭ ‬أحد‭ ‬رؤساء‭ ‬البرلمان‭ ‬العراقي‭ ‬السابقين‭ ‬صريحاً‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيره‭ ‬عندما‭ ‬ذكر‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المقبلات‭ ‬التلفزيونية‭ ‬أن‭ ‬المسؤول‭ ‬الأمريكي‭ ‬بيرت‭ ‬ماغورك‭ ‬جاءه‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬للعبادي‭ ‬لرئاسة‭ ‬الوزارة‭ ‬فقاله‭ ‬له‭ ‬المشهداني‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبيره‭ ‬(‭ ‬ما‭ ‬يهمنا‭ ‬من‭ ‬يرأس‭ ‬الوزارة‭ ‬لأننا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحول‭ ‬نأخذ‭ ‬كَيّاتنا‭ ‬(عامّية‭ ‬بمعنى‭ ‬مالاتنا‭ ‬أو‭ ‬استحقاقنا)،‭ ‬رئاسة‭ ‬البرلمان،‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬وفَد‭ ‬كم‭ ‬وزارة‭. ‬

بالتأكيد‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬فكر‭ ‬به‭ ‬الآخرون‭ ‬أيضاً‭ ‬إذ‭ ‬بعد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الإقطاعيات‭ ‬بدأت‭ ‬الأحزاب‭ ‬بعملية‭ ‬حلب‭ ‬الوزارات‭ ‬وتسخيرها‭ ‬لخدمة‭ ‬جيوبها‭ ‬ومصالح‭ ‬الأسياد‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭ ‬إن‭ ‬وجدوا‭.‬

تصور‭ ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬شخص‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬والقائد‭ ‬العام‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬أي‭ ‬عملياً‭ ‬لاتهم‭ ‬مصلحة‭ ‬البلد‭ ‬والشعب‭ ‬ككل‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أوصلنا‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬نحن‭ ‬فيه‭ ‬وأصبحنا‭ ‬فرجة(لليسوى‭ ‬والما‭ ‬يسوى)‭ ‬حسب‭ ‬المقولة‭ ‬العراقية‭.‬