الدموع على عنوان كتاب.. قيامة أرض السواد رؤيا لجمر الغضا
شفيق المهدي
حدثني جمر الغضا ودرة الزمان عبد الرحيم بن ياسر قال بأنه نام وصحا أربع مرات في دقيقة واحدة ، وكان في كل نومة يرى فيما يرى النائم – غير ان رؤياه هذه المرة جاوزت الدهشة وخرقت المستحيل – فقد روى إنه رأى ” كلكامش ” أشعثا ، أغبر ، يرتدي خرقة لا تستر عورته ، جُدع أنفه وقطعت شحمة أذنه اليمنى ، في حين يتدلى قرط من إذنه اليسرى ، حافي القدمين ، يلتمس طريقه وكأنه كفيف ، يقوده صبيّ كأني به ” أنكيدو ” ، يدور في السوق القديم من منطقة الكرخ ، – قرب جامع الشيخ صندل – وعجبت لأنكيدو وهو يفج زحام الناس منشدا بصوت أطربني وهو يقول : ” إن الحياة التي تريد يا جلجامش لن تجد ” ، والناس في شغل شاغل عنه ، إلّا صاحب دكان يبيع الدرّ ويهدي الؤلؤ ويمنح كل مشتر ياقوتة ، وصاحبه رجل معروف إسمه ” مدني صالح ” ، تقدم من ” كلكامش” قربه وأحسن إليه ، غسل وجهه بماء الورد ، وازال عن عينيه القذى ، أعطاه ما أعطاه من خبز ” هيت ” ، وشيئا من رطب ” البصرة ” ، وهمس في إذنه ذات القرط كلاما لم أتبينه ، فقطب كلكامش ما بين حاجبيه وزمّ على شفتيه ، وزمجر بصوت مبحوح ، بكلام لم أعرفه ..
، هكذا حدثني جمر الغضا ، ثم أردف قائلا : ” فملت أسأل الرجل الصالح مدني بن صالح عمّا همس به في إذن جلجامش ، فنهرني وطردني ، ثم ضربني بصولجان عصاه من الخيزران الغليظ المرصع بالؤلؤ ، ورأسه ياقوتة كبيرة ، فشج رأسي ، فنفر الدم منه غزيرا شديدا ؛ وكان لونه ” ليلكيا ” وهذا ما لا أستطيع تفسيره ولا تأويله ، فكيف يكون لون الدم ” ليلكيا ” ؟
هذا ما سألني به جمر الغضا ، فقلت له : ” هذه والله رؤية عجيبة ، ولو رواها غيرك ما صدقت ، لو كان لون الدم أحمر لفسد الحلم ، وفسدت الرؤيا ؛ وما حال لون الدم إلى ” الليلك ” إلّا بعد أن سالت دماء حمر حنّت رؤوس الجبال وخضبت أديم الجنوب ، وهذا هو تفسير الحلم وتأويل الرؤية ” ، فأطرق جمر الغضا ودرة الزمان ساهما ساكتا حتى فطنت إلى لون عينيه وكأنها بلون الليلك هذا ، وإذا بسبابته اليمنى تتحول إلى هذا اللون حتى منتصفها ، ثم فزّ جمر الغضا من سهوه هذا وقال : ” أزيدك في غرابة ما رأيت ، أنني هرولت وأنا في نومتي الثانية لألحق بكلكامش ، فاذا به وهو واقف عند بوابة عشتار يعزف على قيثارة أصلها في الأرض وفرعها في السماء ، في حين يقف على يمنه الشاعر ” سعدي يوسف ” مرتديا قميصا أخضر وهو ينشد مغمض العينين ” أأخطأت الطريق ؟ فلم أجد بيتي … وفي المحطات تقابلنا شربنا الشاي … في غرفة بالطابق الرابع من عمارة في ساحة التحرير .. ” فقلت لجمر الغضا عبد الرحيم بن ياسر ، ساخرا منه : ” أما إنك لم تحفظ ما غناه شاعرنا إبن يوسف ، أو إنك لم تنتبه أو تتذكر ، ذلك إن هذه من ثلاث قصائد وليست من واحدة ! ” فقال جمر الغضا : ” لا أعرف ، هكذا سمعت ، وهكذا كانت الرؤيا ” .فقلت له : ” إذن فسد الحلم واخطأت الرؤية .. إذ ما كان لسعدي أن يقف على اليمين ، وطالما إنه خلط بين ثلاث قصائد في أغنية واحدة فالتفسير سيكون ، باننا سنفترق إلى ثلاث شيع ، بلغات ثلاث ، برغن أن اللسان واحد ، ولو كان في فمه ثلاثة ألسنٍ لدكت جبال الشمال ! وغاصت أرض الجنوب ، وإنفرط عقد الوسط ! عند ذاك لا تزرنا وازرة ، ولا تعرف الأمهات ما أنجبت !!
فذهل إبن ياسر وإرتجفت شفتاه من ألم عظيم ، حتى عض على سبابته الليلكية من دون أن يدري ، فاذا بقطرةٍ من حبر الليلك تسقط على الأرض..
فقلت له : ” ما بالك “
فقال لي : ” أيكون هذا ؟ “
قلت : ” لا ، أكمل ما رأيت في نومتك الثالثة “
قال : ” في نومتي هذه تحولت الرؤية إلى كابوس ، كان عبد الخالق الركابي ” قاطعته بشدة وقلت له : ” ويحك ؛ وعكازه الشهيرة ؟ “
قال : ” لم يكن ثمة عكاز ، بل كان بأشد ما يكون عليه القوي الشديد ، وكان يرتدي – الشروال – ويعتم عمامة نصفها أسود والنصف الآخر أطبق على صدري فضاق نفسي ! إذ رأيت كلكامش يرتدي دشداشة ويشد حزامين ، يعلق في حزامه الأول شاقولا مما يستخدمه البانؤون ، وفي الآخر يشد خنجرا مما يضعه أهل اليمن ، وهو في هذه الحالة قد إعتلى سياجا كأنه جدار أوروك ، أو حائط برلين ، وربما شابه سور الصين ، يرص الطابوق بفأسٍ من فضة ، في حين يفرش الجص أمامه رجل كأنه نوري السعيد .. ” .
فذهلت ، كيف إجتمع الرجلان على ظهر جدار واحد ؟
فقلت له : ” يا جمر الغضا ما الذي جمعهما ؟ “
فقال : ” لا أدري ، ألم أقل لك إنه كابوس “
فسألته : ” ومن الذي كان يرمي له بالطوب والطابوق ؟ ” قال : ” ستدهش باشد ما تكون الدهشة ، فالذي يرمي الآخر أحمر “
قلت : ” وماذا بعد ؟ “
قال جمر الغضا : ” كلما دق جلجامش طابوقة بيضاء ، سقطت طابوقة حمراء ، غير أن كلكامش لا يبالي ولا يأبه ، برغم أن سلام عبود الذي لا أعرف من أين ظهر كان يصرخ بكلكامش معنفا أياه أن ينتبه ؛ ومع كل طابوقة حمراء تسقط كان سلام يضرب على جبينه ، في حين يستلقي فاضل السوداني على قفاه ضاحكا يجر نفسه جرا .. حتى أن حر زفيره أيقظني ، فقلت له : ” خير عميم ، يبشر بأن فاضلا سيعود إلى مدينته العمارة عمّا قريب .. وأما سلام فلن يعود إلى وطنه إلّا مغيبا !!
وما أن أكملت كلامي هذا حتى كان جمر الغضا عبد الرحيم بن ياسر يغط في نوم عميق ، فاجأني .. فرحت أمعن النظر في وجهه طويلا ، فاذا بدمعة تسقط من عينيه على كتاب كان في حضنه لم أنتبه له ، فاذا بعنوان الكتاب وقد خطّ باللون الأحمر تقول حروفه ” الأديان والمذاهب بالعراق ” لمؤلف إسمه ” رشيد الخيون ” رسم على وسط جلده الأسفل حروفا خضراً .. محزومة بحزام أحمر .. راح جمر الغضا ودرة الزمان عبد الرحيم بن ياسر في نومةٍ عميقةٍ ، غير أن دموعه كانت تسيل كأنها النشيج .. وسال الدمع على عنوان الكتاب فاذا باللون الأحمر يسيح شيئا فشيئا على الحزمة الخضراء ، وكلما ذاب عنوان الكتاب ، إتسعت الرقعة التي غطت غلاف الكتاب كله .
كنت أنظر إلى هذا الذي يقع ويحدث أمامي ، إذ إختلط الأمر عليَّ .. أهتز جسدي بقوة أربع مرات في دقيقة واحدة .. كان العراق يبلل وجهي كله ؛ بل إنه يتخلل ملابسي ، لم أنتبه .. إلّا ومؤيد نعمة يقول لي : ” أنا درة الزمان وجمر الغضا وروح أرض السواد ” هامسا كعادته .. مبتسما كعادته .. خلف رأسه هالة من نور ، رافعا سبابته بلون الليلك ، يسأل عن توأم روحه ” عبد الرحيم ياسر ” لماذا مات ؟!
وفي لحظة قيامة مؤيد في يوم 15 / 12 / 2005 غطى أفق العراق لونا لم نكن نألفه نحن أهل هذه البلاد ، لون ليلكيٌ ، راعشٌ ، مضئٌ .. إرتسمت عليه مدنٌ وجبالٌ عامرةٌ بشجر اللوز ، وسهولٌ غطتها غابات النخيل وعيون سود ..


















