الدسوقي لـ (الزمان): المنهج العربي يعتمد المدارس الأجنبية لأننا نعيش عالة على الغرب
حاوره: حيدر زكي عبد الكريم
الدسوقي مؤرخ عربي – من البلد المصري الشقيق ، عقلية بارزة وعطاء متدفق غنيّ عن التعريف ، ولمن لا يعرفه نقول انه ولدّ عام 1939 في محافظة الغربية ، حاصل على ليسانس الاداب – قسم التاريخ جامعة عين شمس عام 1961 وماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر من معهد البحوث والدراسات العربية العالي عام 1970 ودكتوراه في التاريخ الحديث من كلية الاداب جامعة عين شمس عام 1973 . كذلك حاصل على عضوية العديد من الجمعيات واللجان والمراكز العلمية والثقافية منها في سبيل المثال الجمعية المصرية للدراسات التاريخية ومركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر والهيئة المصرية العامة للكتاب ولجنة كتابة تاريخ العرب – جامعة دمشق والامانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب – بغداد عام 1985 و1987 ولجنة توثيق الحركة الشيوعية المصرية حتى عام 1965 ومركز البحوث والدراسات الافريقة1995 -2010 و الجمعية المصرية للدراسات السياحية 1998-2007 واللجنة العلمية لدار الوثائق القومية والجمعية الثقافية لحماية بيئة الاثار الاسلامية والقبطية . يرافق ذلك العديد من شهادات التقدير والتكريم ومنها وسام المؤرخ العربي عام 1986وشهادة التاريخ العربي عام 1990 وجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية لعام 2012 ودرع تذكاري من الجبهة العربية المشاركة للمقاومة الفلسطينية عام 2013 و درع تهنئة وتقدير من القيادات الناصرية في محافظة القليبوبية ودرع المعهد العالي للخدمة الاجتماعية بالقاهرة عام 2014 وشهادة شكر وتقدير من مركز بحوث الشرق الاوسط جامعة عين شمس وغيرها الكثير . له العديد من الاعمال المنشورة ” كتب وبحوث واصدارات خاصة منها :ملاكِ الاراضي الزراعية ودورهم في المجتمع المصري 1914-1952 القاهرة ،1975 .مصر في الحرب العالمية الثانية 1945-1939 معهد البحوث والدراسات العربية ، القاهرة ، 1976 .فكرة القومية عند الاخوان المسلمين في مصر 1928-1945 جامعة عين شمس ، القاهرة ،1976.مصر المعاصرة في دراسات المؤرخين المصريين دراسة في الكم والكيف ، القاهرة ، 1977.مجتمع علماء الازهر في مصر 1895-1961 لمسة في البناء التنظيمي والاجتماعي ، القـاهرة ، 1980 . الصهيونية والقضية الفلسطينية في الكونغرس الامريكي 1943-1945 دار الملك عبد العــــــــــزيز ، الرياض، المملكـــــــــــــــة العربية السعودية ، 1983.المسيحيون العرب بين الطائفية والوطنية في في البحث القيم المشتركة وقهر التعصب ، الكتاب الثامن في سلسلة كتاب ” قضايا فكرية ” 1989 بعنوان الاسلام السياسي . الولايات المتحدة الامريكية وتسييس الثقافة : من وحي كتاب الحرب الباردة والثقافة ، مجلة الاسن للترجمة ، كلية الالسن ، جامعة عين شمس ، العــــــــــــدد الخامس ، 2004.فن الرواية وعلم التاريخ ، اشكالية الجدل بين المتناقضات في كتاب دوري الرواية قضايا وافاق ، العدد 2 الهيئة العامة للكتاب ، القاهرة ، 2009. وغيرها من الكتب المترجمة والجامعية واشرف وحرر العديد من الاعمال العلمية والمؤتمرات خارج مصر وداخل مصر ، وأشرف على العديد ايضا من الرسائل العلمية – اكثر من 60 رسالة لدرجة الماجستير و اكثر من 40 اطروحة دكتوراه منذ العام 1986 من مختلف جامعات مصر .
في هذا الحوار سنحاول تسليط الضوء على مدى اهمية علم التاريخ الذي هو اساس لكل العلوم :
{ معنى التاريخ في التاريخ ببساطة ؟ – التاريخ هو الزمن أو دلالة على الزمن.. ولقد أطلق العربي القديم هذه التسمية من ملاحظته لولادة الناقة حيث كان يقول “أرخت الناقة” أي ولدت .. وهذه الولادة تعني حدثا وقع ويتم تسجيله. ومن هنا جاءت كلمة “المؤرخ” أي الذي يسجل الأحداث يوما بيوم بشكل متتابع عند وقوعها. ومن هنا أيضا قال العربي القديم “أرخت الكتاب تأريخا .. أو “ورخت الكتاب توريخا” .. والخلاصة أن التاريخ سجل الأحداث التي تقع في بلد المؤرخ، أو في أي بلد ما، أو على مستوى العالم وتكون محل إهتمام المؤرخ ومتابعته.
{ يرى البعض بأن التاريخ لا يعطي اشياء مادية ملموسة ، لكنه يبقى علما ، كيف تفسرون ذلك ؟
– بما أن التاريخ سجل الوقائع والأحداث فإنه يقدم وقائع مادية أي أحداث ملموسة وقعت في زمانها وأصبحت معروفة للأجيال التالية من خلال تسجيلها (أي تأريخها). أما “علم التاريخ” فهذا لا يتأتى إلا مع باحث يقرأ وقائع الأحداث التي سجلها المؤرخ (مثل الطبري والمسعودي والمقريزي وابن تغرى بردي والجبرتي ..) ويعمل على تحليلها وتفسيرها في ضوء الظروف الموضوعية التي وقعت فيها، ويقوم بالربط بين جزئيات هنا وهناك لكي تكتمل صورة الحدث. ومن هنا جاءت مقولة أن الكتابة عن حدث ما أشبه بوجود صورة شخصية لإنسان ما (بورتريه) ولكنها ممزقة ومتناثرة في جهات عدة. ويأتي الباحث ويقوم بتجميع أجزاء هذه الصور من هنا هناك (المراجع والمصادر) بحيث تكتمل أمامه، وبشرط أن يضع كل جزئية في مكانها. أي لا يضع مثلا الأنف مكان العين (أشبه بلعبة المكعبات التي يتعلمها الأطفال لكي يكون الشكل صورة صحيحة). وعندما يفسر نتائج الحدث الذي يتناوله بالرجوع إلى الظروف الموضوعية المصاحبة كما سبقت الإشارة وفي ضوء احدى نظريات التفسير العلمي للتاريخ يصبح التاريخ علما .. أما إذا إقتصرت دراسته أو بحثه على سرد الوقائع كما حدثت يصبح ما يكتبه من باب فن الرواية والقص والحكي، وبعيدا عن العلم ..
{ هنالك مدارس خاصة للتاريخ حسب طبيعة المكان والزمان ، ما قواسمها المشتركة ؟
– المقصود بمدارس التاريخ هي نظريات تفسير التاريخ، وهذه النظريات تنقسم إلى قسمين رئيسين: الأول: مدرسة التفسير المثالي للتاريخ أي الذين يبحثون عن أسباب الظاهرة أو سبب الحدث المراد تفسيره من خارج الحدث وليس من داخله. وفي مقدمة هذه المدرسة يأتي التفسير الديني كأن يقول الباحث أن وقوع الحرب بين دولتين أمر إلهي وهكذا شاء الله من دون أن يشغل نفسه بالبحث عن الأسباب المادية الملموسة أو المقبولة عقلا .. مع أن الله سبحانه وتعالى حضنا على البحث عن الأسباب فقد قال في محكم كتابه: ويسألونك عن ذي القرنين .. قل سأتلو عليكم منه ذكرا .. إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا .. أي أن هناك أسباباً أدت إلى وجود ذي القرنين لم يذكرها وعلينا أن نبحث عنها سببا وراء سبب. ويرتبط بهذا اصحاب المدرسة المثالية أيضا الذين يقولون بنظرية البطل العظيم أوالفرد القوي الذي يقود بلاده إلى النصر من دون دراسة للأسباب التي جعلته يتقدم بشعبه. وهذا التفسير جزء من المدرسة الدينية لأن الفرد البطل هنا في عرف هذه المدرسة “إختيار إلهي” ومن هنا وجب إحترام البطل وتقديره والإيمان به ولا ينبغي البحث عن نقاط ضعف عنده لأن الله لا يختار ضعيفا. وفي المدرسة المثالية يأتي التفسير الجغرافي للتاريخ الذي يربط بين الثابت (الجغرافيا) وبين المتغير (الإنسان ونشاطه حسب الظروف) ومن هنا صدرت أحكام ثابتة عن الشعوب الصحراوية والشعوب الجبلية والشعوب النهرية والشعوب الساحلية، وإصدار أحكام ثابتة بشأن كل منهم دون ربط بين حاجة الإنسان وأفعاله لقهر الظروف الطبيعية التي وجد نفسه فيها. ومن أركان هذه المدرسة المثالية التفسير الإنثروبولوجي الذي يفسر حركة التاريخ على أساس لون الشعوب، ومن هنا أتت أحكام أن الشعب الأسود اللون متخلف والشعب الأبيض متقدم من دون الربط بين الظروف القائمة وتحدي الإنسان لها، بدليل أن الأسود الأفريقي “المتخلف” عندما يذهب إلى أوربا يبدع ويتقدم تأثرا بالظروف الموضوعية. ومن ذلك ما قاله هتلر عن الشعب الألماني من أنه شعب “آري” أكثر الشعوب تقدما ومن حقه السيطرة على العالم كله وكلها أفكار عنصرية خارج الزمن والظروف التي تصنع الإنسان. أما المدرسة الثانية في التفسير التاريخ فهي المدرسة المادية في مقابل المدرسة المثالية السابقة، وتقوم على تفسير وقائع التاريخ بالرجوع إلى الظروف المادية والتحديات التي يواجهها شعب من الشعوب وفي مقدمة هذه الظروف الأحوال الاقتصادية. ومن هنا قيل “أن الاقتصاد يحرك السياسة ويفسر التاريخ”. وصاحب هذه المدرسة كارل ماركس الذي أخذها عن استاذه هيجل ولكنه جعل منطق هيجل يقف على قدميه من حيث صراع المتناقضات والأضداد، أي صراع المصالح الذي يؤدي إلى التغيير، لأن هيجل أرجع أسباب الصراع إلى الإرادة الإلهية فأصبح مثاليا. وقال ماركس أنه جعل منطق هيجل يقف على قدمية أي على الأرض (المادة) لتفسير الأحداث. والقواسم المشتركة بين هذه المدارس تكمن في أن كل منها يحاول تفسير الوقائع. والحكم على صحة أي منها يكمن في كلمة واحدة يقولها القارىء: هذا كلام معقول .. فإذا قال “معقول” أي أن العقل قبلها ..
{ للعرب تراث عريق في كتابة التاريخ؟
-تاريخ العرب في كتابة التاريخ يقتصر على سرد الوقائع والأحداث من دون تحليل إلا من بعض عبارات “بارك الله .. ولله ما أعطى .. أو أن فلانا حظه قليل في الحياه”. وما تركوه من كتابات تعد مصادر يرجع إليها الباحث في موضوع معين من أجل تحليل الحدث في ضوء مدارس التفسير التي سبق ذكرها. وتطور الكتابة التاريخية عند العرب القدامى والمعاصرين جاء من خلال نقل المعرفة التاريخية وتفسير الأحداث، من تراث الغرب الأوربي إبتداء من أرسطو ومنطقه إلى المنهج الرياضي الاستدلالي في التفكير القائم على الفروض الذي وضعه ديكارت الفرنسي، والمنهج التجريبي لفرانسيس بيكون الإنكليزي، وأخيرا منطق هيجل في صراع المتناقضات والأضداد ثم كارل ماركس في البحث عن الأسباب المادية (الإقتصاد) وراء الحدث.
{ يقول المؤرخ العراقي الكبير عبدالعزيز الدوري ان( الكتابة التأريخية الحديثة لا تتجاوز القرن ، لم تنم من الاساليب الموروثة وأنما بدأت مع النهضة الحديثة والنظريات الحديثة شرقية وغربية )، ماهو رأيكم
– هذا صحيح وإجابتي السابقة تشرح ما قاله من أن الكتابة التاريخية بدأت مع النهضة الحديثة. والنهضة الحديثة مصطلح يشير إلى النهضة الأوروبية الحديثة.
{ كيف ترى ان يكون بما يعرف ” النقد التاريخي” علما بحد ذاته كما هو الحال مع النقد الادبي ؟
-طبعا النقد التاريخي علم قائم على الإستناد إلى أحد مدارس تفسير التاريخ التي سبق ذكرها عند قراءة أي نص تاريخي سواء وثيقة أو دراسة لكاتب أومقالة منشورة في جريدة.
{ هل تأثر علم التاريخ بالمتغيرات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية ؟
– هذا السؤال ليس محل إعتبار، ذلك أن التاريخ وقائع مسجلة كما قلنا سابقا في وثائق (أرشيف الدولة) أو في كتابات المؤرخين القدامى قبل أن ينشأ أرشيف الدولة، ثم تحليل هذه الوقائع طبقا لإحدى مدارس تفسير التاريخ التي سبق الإشارة إليها. لكن اذا كنت تقصد أن الباحث في التاريخ قد يتأثر في كتابته بالمتغيرات السياسية فيمتدح حقبة تاريخية وينتقد حقبة أخرى، فهذا ليس من العلم في شيء ولاعلاقة له بعلمية التاريخ، مثلما يفعل معظم كتاب الأعمدة الصحافية الثابتة حين يكتبون ما يكتبون على مقاس الحكم القائم.
{ كيف نتحقق من النصوص التاريخية وصحة الوثائق وخاصة هنالك عبارة ” لا تاريخ من دون وثائق؟
– التحقق من النص التاريخي من أساسيات منهج البحث في التاريخ وتفسير وقائعه. وقبل أن يعتمد الباحث على نص يجب أن يتثبت من صحة نسبته إلى قائله أو كاتبه والزمن الذي كتب فيه. وثانيا عليه أن يكون على دراية تامة بكاتب النص من حيث تكوينه ووضعه الاجتماعي وانتمائه السياسي لأن هناك كثيرا من كتاب المقالات السياسية تاريخيا أو الكتب ينحرفون بكتاباتهم انتقاما من حقبة تاريخية معينة عاشها أو عاشها أباؤه .. فمثلا في مصر ثروت أباظة في كتاباته ينتقد عبد الناصر دائما وأبدا والسبب في هذا أنه من أسرة خضعت لقانون الإصلاح الزراعي وبالتالي فإن كل ما يفعله عبد الناصر خطأ من وجهة نظره .. وعلى هذا فقبل أن يعتمد الباحث على نص مقال أو دراسة أو رأي، يجب أن يكون على دراية بالكاتب. فمثلا في تاريخ مصر كتب عبد الرحمن الجبرتي (المؤرخ) كتابه الشهير “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” وهو كتاب حوليات .. تسجيل الأحداث يوم بيوم أو حسب وقوعها (وهو معاصر لآخر حكم المماليك ثم الحملة الفرنسية ثم حكم محمد علي باشا حتى عام 1824 .. المهــــم في أحداث عام 1814 كتب يقول أن محمد علي ألغى نظام الإلتزام (في جمع الضرائب) وعقب على ذلك بقوله: فحجر على الأرزاق واحتكرها ..” ثم عرفنا أنه كان أحد ملتزمي جمع الضرائب وبإلغاء محمد علي هذا النظام وترتيب جمع الضرائب بمعرفة موظفي الحكومة خسر الجبرتي فائض الأموال التي كان يتحصل عليها، فكانت عبارته الجارحة لمحمد علي (حجر على الأرزاق واحتكرها). أما عبارة “لاتاريخ من دون وثائق” فمعناها أنه لا يمكن الكتابة عن حدث ما دون معلومات موثقة في أرشيف أو في مصادر ..
{ ما هو المنهج التأريخي العربي المعاصر من حيث الفكرة والاتجاه ؟
– لايوجد ما تقوله “المنهج العربي التأريخي المعاصر” لأن كتابة التاريخ والبحث فيه عند العرب يتم طبقا لإحدى مدارس التفسير التي صاغها الغرب وسبق إستعراضها لأن العرب يعيشون عالة على الغرب الذي سبقنا في هذا الإتجاه إلا إذا كان الكاتب مجرد سارد للأحداث ومن هنا يكون المنهج العربي هو فن القص والحكي والسرد كما سبقت الإشارة.
{ حقول التاريخ متنوعة منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، بعبارة ادق هل هناك من وضع فكرة جديدة في هذه الحقول في مصر من .. وفي العراق من .. على سـبيل المثال؟
– حقول التاريخ أي مجالاته، متعددة ومرتبطة بنشاط الإنسان عبر الزمن، ومن ثم جاء التاريخ الاجتماعي والتاريخ الإقتصادي والتاريخ السياسي والتاريخ الحربي والتاريخ الفني والأدبي، أي كل من صدر عن الإنسان من نشاط عبر الزمن وبشرط أن من يكتب من الباحثين في التاريخ في أحد هذه المجالات ينبغي أن يكون على دراية بالأصول العلمية المنهجية للعلم الذي يرتبط بالنشاط ..
فمثلا الذي يكتب في التاريخ الإجتماعي يجب أن يكون على دراية بعلم الإجتماع ونظرياته, وكذلك في التاريخ الاقتصادي يكون على دراية بعلم الإقتصاد والاقتصاد السياسي لكي يفهم الظواهر والأحداث التي يكتب عنها .. وهكذا في كل سائر الأنشطة حيث أن لكل نشاط إنساني علم أساسي قائم بذاته يساعد على تفسيره.
{ بدأ مؤخرا الاهتمام بالتاريخ المحلي والشخصيات والأسر التي لها تاريخ ، ما رأيكم ؟
– هذا أمر مطلوب لأن وقائع التاريخ المحلي تكمل صورة التاريخ العام، وتاريخ الشخصيات والقبائل والأسر كذلك تكمل الصورة العامة للبلد بشرط أن تكتب وفق المنهج العلمي للبحث في التاريخ وكتابته.
{ ماهي المسؤولية على مؤرخي الجيل الجديد ” الراهن” ؟
– تنحصر المسؤولية في تسجيل الأحداث المعاصرة أولا بأول إستعدادا لكتابة الحدث في ضوء الظروف الموضوعية لتفسيره. وهنا تأتي عبارة “التاريخ يبدأ حين تنتهي السياسة”، أي لا يجوز أن تكتب بحثا في تاريخ العراق الراهن في ضوء الحكم القائم الآن لأن المتغيرات كثيرة ولا يمكن فهم الحدث بشكل علمي شامل، إنما يمكن كتابة تاريخ العراق حتى عام 2003 عندما أجهزت الولايات المتحدة على العراق وإعدام صدام حسين .. هنا يغلق الملف ويصبح قابلا للبحث في ضوء المحددات العلمية السابقة.
{ يرى البعض ممن لايفهم قيمة علم التاريخ ” لنهمل الماضي ونلتفت الى المستقبل والحداثة او نعيش في الماضي كأسرى له ” ما قولكم ؟
-إنهم لا يفهمون قيمة التاريخ لأن لهم إرتباطات سياسية مع الواقع الذي يعيشونه .. يريدون من الآخرين أن ينسوا الماضي ويؤيدوا الحاضر وهذا كلام خارج العلم ولا علاقة له بعلم التاريخ.
{ الكثير من دارسي التاريخ وممن هم على مستوى الدراسات العليا في (س) من الجامعات ليس لديهم غطاء علمي ولامعرفة مسبقة عن هذا العلم ، ماسبب ذلك برأيكم ؟
– سببه يعود إلى المنهج الدراسي المقرر، وإلى عدم وجود القائم بالتدريس المناسب، ذلك أن المنهج العلمي في دراسة التاريخ وتدريسه يدخل في فرع الفلسفة، وهذا تخصص قائم بذاته ولا غنى عن الباحث في التاريخ من دراسة المنهج العلمي في كتابة التاريخ وتفسيره عند اساتذة تخصص الفلسفة الحديثة.
{ لمن يكتب التاريخ ، هل من الضروري عليه معرفة باقي العلوم كالفلسفة والاقتصاد والاجتماع الخ .. ام تبقى مسألة للزمن مع الخبرة التراكمية ؟
– كما قلت سابقا فإن الفلسفة أساسية للتكوين العلمي لفهم أحداث التاريخ. وأما فروع العلوم الأخرى مثل الاقتصاد والاجتماع والسياسة فهذه يحتاج الباحث أن يكون على دراية بها حسب الموضوع الذي يدرسه .. فإذا كان مثلا يدرس العلاقات بين دولتين ما في مرحلة تاريخية معينة فعليه الإلمام بعلم القانون الدولي وعلم العلاقات السياسة والإقتصاد السياسي..
{ لماذا هنالك عدم رغبة في دراسة التاريخ في بعض الجامعات سابقا وحاليا ؟
– هذه الحالة تعود للقائم بالتدريس الذي في يده أن يحبب الطالب في المادة أو يجعله يكرهها .. أما إذا جاءت الرغبة من الحكومة القائمة فهذا يعني أنها لا تريد للجـــــــــيل المعاصر أن يتعرف على التاريخ السابق حتى لايضع الحقبة التي يعيشها موضع المقارنة مع التاريخ السابق ..
{ واخيرا ماهو السؤال الذي ترغب ان اسئله ولم اسألك به ؟
– أسئلتك وافية وقد أرهقتني في الإجابة عليها.
– شكرا جزيلاً لتكرمكم بالاجابة على اسئلتنا المتواضعة المتعلقة بهذا العـــــــلم الواسع الذي يحتاج الى الكثير من التفصيل والنقاش والصفحات لمسالكه المتنوعة .



















