الدائرة خارج الشرنقة.. الشاعر داخل دائرة الإلتقاطات

الدائرة خارج الشرنقة.. الشاعر داخل دائرة الإلتقاطات

يوسف عبود جويعد

لكل شاعر مدخل يولج من خلاله لصياغة البُنية النصيّة لقصيدته الشعرية وهي زاوية النظر التي تحمل سمات وصفات وطريقة نظم المفردة الشعرية في هذا المبنى ، وهذه حالة قد تكون شاملة لكل الشعراء ، أي أن لكل شاعر طريقته التي تُميّزه عن سواه من الشعراء ، عند القيام بتدوين منجزه الادبي الابداعي الشعري ، أو قيامه بنسج بُنيتها النصيّة وإستحضار أدواتها التي تؤهله في المضي قدماً نحو تقديم نتاجه الأدبي والذي يشبه بصمة اليد ، التي لايمكن لها ان تتطابق مع اقرانه من الشعراء ، وهي التي تؤسس ملامح مسيرته الشعرية ، لهذا فأنني أجد في الشاعر أمير الحلاج من خلال تحليل نصوصه الشعرية ، في مجموعته الشعرية ( الدائرة خارج الشرنقة ) التي تقدم زاوية نظر إختصَّ بها الشاعر عن سواه ، وهي إنه ينطلق من بُنية العنوَنة التي أولاها اهتماماً كبيراً ، لتكون الاساس الرصين لصف مبنى النص لقصيدته بل انه جعل ثيمتها وفكرتها ، المحور الرئيسي الذي من خلاله قام ببناء صروح نصوصه الشعرية ، ولكي نقترب أكثر من رؤية الشاعر وأسلوب صياغته لُبنية النص الشعري ، وكيفية التحام والتصاق متن النص مع بُنية العنونة واتحادهما ليشكلان الثيمة والفكرة والمضمون والشكل لكل قصيدة ، علينا أولا مراجعة عناوين القصائد التي ضمتها هذه المجموعة ، والتي بلغت خمس وثلاثين قصيدة ” عذراء خارج الشرنقة ” ضرع ” لعبة السوط ” كرسي العائلة ” صراخ ” هدوء ” تجاعيد ” تحذير” عتمة ” رقصة الجليد ” حروب ملونة ” مراسيم هجرة ” قشعريرة ” لماذا ” ملاحظة عابرة ” عامل مشترك ” الممحاة ” قناع … اقنعة ” محاق ” غبطة … ولكن ” حين ينسى المهاجر” حينما يدلهم الصباح ” اصفاد ” لحظات مسلسل قبلة ” حوار الكؤوس ” نيزك ” الجندي ” أجراس ” انهم يعبرون ” تصفيق ” الاياب ” المسطر ” سرقة ” مقاتل ” وهكذا فأننا نجد هذه العناوين هي المدخل ، والثيمة ، والفكرة ، والبُنية الاساسية في متن النص ، ومنها تنطلق القصيدة في نسج مفرداتها الشعرية مكوَّنة المحور العام للشكل الذي سوف يبدو عليه ملامح النص ، وبالرغم من إسهاب الشاعر في جعل قصيدة (عذراء خارج الشرنقة) ذات لغة بليغة ، وضمنها مدلول رمزي عميق ، إلا إنه جعل العنوان مدخل لبناءها :ــ

حينَ رأتْ الحائكَ يُطّعمَ بالقطنَ الحَرير

أنتحرتْ بِفضْ بكارتها دودَة القز

يا لجُرأتِها بممارَسة الاحتجاج

إحتِجاجَ يعللَ الشِموخ َالفولاذي

من التعذّب كَيفَ يَذوبْ

كُلِما إنحرفتْ شَعرتْ مِن الرغبات

توَسوِسَ لصعود سِلّم النِعيم

فارضة العَبرةَ

هذه القصيدة تقدم لنا صورة الاحتجاج والرفض لواقع مرفوض ، يجب أن يُقابل بردة فِعلْ أقوى منهُ ، وصوت إستغاثة عالٍ ، أن الشاعر يوَّحِدَ البُنية النصيَّة للقصيدة إبتداءاً من مدخله للعنوان ، ثم تتضح الثيمة لديه بتوحيد وحدة الموضوع الذي يُحوِلهُ الى لغُة ذاتَ مضامين دلالية ورمزية عميقة ، ونجد في قصيدة (الضرع) أن بُنية العنونة تُشكل محور القَصيدة وهَمَّها ، لِما تضمنته من صور تؤكد ذلك :ــ

لأنَ إتزان الوسائِلَ السليمة أختل

من أثداء الامهات الشبيهة بعيونَ الماءَ المذروف

جَفَّ الحَليبَ

وإخضوضَرتْ بغيبوبتها كلمات التأمل البَيضاءَ

مُعلنةَ أن تزهر

لَيسَ مِنْ تُخمة

أما في قصيدتة ( لعبة السوط ) يقدم لنا الشاعر فيها صورة ورؤية شعرية مُتقنة ، وتأتي قصيدة ( كرسي العائلة ) لتؤكد هذه الرؤية ، وَتوَضَّحَ هذا البناء وهي تقدم لنا ثيمة واضحة عن رب أسرة صار جليس الكرسي ، فتجِفَّ حركة الحيَاة داخل الاسرة ، لأنه كان المصدر الرئيسي لهذا العطاء: ـــ

طفلُ يبكيَّ

ضَرعَ جاس

رِضاعةً فارغِةً والملهاة المطاطية ملّتْ الفمَ

كَيفَ السُكوتْ ؟

الثلاثةَ يبكونَ

الطفلَ جوعاً

الأمّ

من شكواه وضمور الثديين

الأب

على تَهدُم أعمدة الإعالة

ما دامَ كرسيهُ المتحركَ

يأبى ألسيرَ في الشوارع

ليَمُد اليدين

وفي قصيدة (صراخ ) يوظف الشاعر حالة الصراخ داخل مَتن النص الشعري ليجعل منه وحدة موضوع القصيدة ، ويؤكد لنا من خلاله صَوتَ الصراخ في حياتنا من الظلم ” من قسوة الحياة ” من المرض ” من الكبر” من سنين العمر التي تمضي “:ـــ

نصرخ ضِدَ عيونٌ تودَّع الصفاء العذب في مرارة الاقبية

ونصرخ من الم انحناء العمر حيث المرض المزمن

نصرخ ، نصرخ ، نصرخ

وكذلك يوظف الشاعر حالة الهدوء في قصيدته ( هدوء ) كمحور يستمد منه وحدة موضوعه ، وثيمة قصيدته ، ومدى إرتباط هذا الهدوء بحياتنا ، وفي قصيدة (تجاعيد) يقدم لنا الشاعر، ملامح كبر السن ، وبلوغ المرء سن الاربعين ، وما للتجاعيد من دور في انتقال الحياة الى مرحلة جديدة ، وقصيدة ( طقوس ) يأخذنا الشاعر من خلالها الى طقوس الحزن في حياتنا ، وما أكثرها، وفي قصيدة (تحذير) نعيش حالة الحذر ، وفي قصيدة ( عتمة ) ننتقل الى العِتمة ودورها الكئيب في السواد الذي غلَّف حياتنا ، ونحن نصبوا الى بصيص نور ينبثق من نافذة صغيرة هناك في الافق :ــ

لو شَحَ بَصيصَ الضوءَ المُتسللَ

مَنَ شَقْ في الجِدار

كيفَ تداريك العتمة

وهبوبةٍ مِنْ ريحَ تقتلُ وَهجَ الفانوس ؟

أما قصيدة ( لماذا ) فأنها تساؤل يٌضيءَ متنَ النَص ، ويسبر أغواره ، وفي قصيدة (ملاحظة عابرة) نَعيش طواف من الملاحظات بعين الشاعر وهو يقدم لنا صور من حركة الحياة ، ولكن بملاحظة شاعر، وفي قصيدة (عامل مشترك ) يقدم لنا الشاعر هذا العامل المشترك بين الغزالة الهاربة والصياد، وفي قصيدة ( الممحاة) نعيش في البدء حالة الكره للمحاة ، الا انه احتاج اليها ليمحو اشياء كثيرة ، لا يريد لها أن تبقى ، وهي معمقة بالحسّ الشعري العميق ذات الرموز والدلالات التي تنسجم وسياقها الفني ، وفي قصيدة ( قناع .. أقنعة ) التي تؤكد في مضمونها ، ان الاقنعة مهما بقيت ، فأن الصباح سوف يظهر وتسقط تلك الاقنعة ، وفي قصيدة (محاق ) نشاهد أيضاً دخول بُنية العنونة متن النص لتشكل وحدة موضوع :ـــ

حين يدخلُ دَورَ المحاق

ترى من يتصوَّر كيَف يَكونَ سنى القمر المختفي

بالسرور يقهقه

أم تمطر الدمع عيناه ؟

وفي قصيدة ( غبطة …ولكن ) نكون مع حالة الغبطة ، ومع ما يعيقها ويُعكر صفوها في إسترسال شعري مُتناغم ، أما قصيدة ( حين ينسى المهاجر ) فأن حالة حسيّة شعرية لواقع حياة الغربة ، وحياة المهاجر ، وحالة القلق ، وحالة الخوف ، وسموَ يتصاعد ، وأفق يَبتعد ، وشوق الى بغداد ، وهكذا نستمر مع هذه النصوص الشعرية ذات المضامين العميقة ، والحسّ الشعري المٌعبر والصور المترادفة المتلاحقة ، والانزياحات والاستعارات التي ترتبط ومسار صياغة القصيدة ، أن المجموعة الشعرية ( الدائرة خارج الشرنقة ) للشاعر امير الحلاج ، عالم شعري كبير وواسع يطوف في حياتنا ، وينقل لنا ما يعكر صفو حياتنا ، وما يعيق مسيرة الحب والسلام ، وهو طرح جديد استطاع من خلاله الشاعر ان يوحد بناء القصيدة ويجعلها مترابطة متماسكة ، وهي زاخرة بالصور الشعرية ، التي تحيلنا الى كتلة من الاحاسيس الوهاجة .

من اصدارات دار ميزبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع عام 2016