الخيل والليل والبيداء تعرف الشاعر

المتنبي والسيف

 

الخيل والليل والبيداء تعرف الشاعر

 

 

  محمد السيد ياسين الهاشمي

 

   الخـيل والليـل والبيداء تعرفني

 

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

 

 شاعر من يستجلي روائع كلمة ويستقرئ روائع حكمه ، يجد الكثير الكثير من الفحولة والجزالة والقوة في المعاني الدقيقة ، ونصاعة التعبير الشعري ووضوح المعالم وتساوق الاغراض … وقد خلد مع فنه الخالد وشعره .

 

      كتب عنه عشرات الادباء والكتاب مقالات تتناول  اصناف الشعر التي قالها المتنبي ، لكنها لم تظفر فن الحرب منه بحديث خاص . وهو الشاعر المحارب الذي قال في الحرب ( ثماني عشر قصيدة ) تحتوي على (770 بيتا ً) . وها انا اليوم اخوض في شعره الذي يعتبر نبراسا ً اهتدى به رجال العسكرية . دفعني الى ذلك سؤال لأحد الاصدقاء عن معنى السيف .. فأعطيته كل معاني السيف  في قواميس اللغة العربية ، فلم يقتنع . فوددت ان اكتب عن السيف والدفاع عن الوطن ، في شعر المتنبي .

 

         ففي نظرته الى التطور العالمي وموقع البلاد العربية منه وخاصة في الجانب العسكري قال المتنبي :

 

” اعلى الممالك ما يبنى على ألأُسل “

 

    وعن قوة الجيوش وضعف القوة العسكرية العربية الذي لا يلبث ان يوردها موارد الضياع رغم وضوح الحقوق وإقرار المبادئ فقال :

 

            الحق ابلح والسيوف عواري    فحذار من اسد العرين حذار

 

       وله رأي سديد في منظمة الامم المتحدة وعن مهماتها في حماية السلم العالمي ومنع الحروب وحماية اعضائها وكأنه يعيش بيننا اليوم مع الاحداث رغم مضي مئات السنين على وفاته فقال :

 

من اقتضى بسوي الهندي حاجته

 

اجاب كل سؤال عن هل بلم

 

      وهذا ما جربناه وجري علينا في حروبنا مع اسرائيل .. منذ الاربعينات .. فسمعنا الكثير من الخطابات والمناقشات التي لاطائل منها ولا فائدة فقد سلبت حقوقنا واغتصبت فلسطين بالقوة العسكرية وبمساندة امريكا وحلفائها .

 

فلا كتب الا المشرفية عنده ولا رسل الا الخميس العرمرم .

 

     ويريد بهذا ان يقول المتنبي ان لا يرسل الى اعدائه ومخالفيه غير الجيوش ولا كتب الا السيوف .. ولعل في هذا نظرا ً الى قول ابي تمام .

 

          السَيفُ أَصدَقُ إنبـاءً مِـنَ الكُتُـب

 

  ِفي حَدِّهِ الحَدُّ بَيـنَ الجِـدِّ وَاللَعِـبِ

 

     فيعير شاعرنا المتنبي للجيوش والسلاح اهمية كبيرة .. فيعتبر السيف  في مواقفه اقوى من الخطابات والمقالات في حماية البلد والدفاع عن الارض والوطن .

 

      ويرى ان الامة التي تخشى الحرب تخسرها او تخسر معها حقها في الحياة فيشير الى هذا الجانب بقوله

 

فان كان خوف القتل والأسر ساقهم

 

  فقد فعلوا ما القتل والاسر فاعل

 

     ويرى شاعرنا العسكري ان الجيوش العربية ليست لها اطماع خارجية فعلى قادتها ان يهيئوها للدفاع عن الحمى ، وعليهم اعدادها عندما تبدو من العدو باردة عدوانية .. فعندها يقول الجيش كلمته.

 

وعنده ان الدفاع هو حرمان العدو من الحصول على غرضه .. اما التزام الدفاع في الحرب فيعتبرها عملية ناقصة اذا لم يتبعها الهجوم .. فكان يرى في (سيف الدولة ) مثالا ً لذلك فحين يشم رائحة للعدو يسارع الى لقائه بعيدا ً فيقول عنه المتنبي :

 

              يشق بلاد الروم والنقع ابلق / بأسيافه والجو بالنقع ادهم .

 

       فكان الروم شاغلهم الاول الوقاية فسجنوا انفسهم في الحصون طلبا ً للسلامة .

 

     وقد جرت على لسان شاعرنا الكبير ( المتنبي ) مبادئ الحرب جميعها ، بدأ ً من اغراضها الى الحشد وخفة الحركة والاقتصاد في القوة والسلامة والمفاجئة والهجوم وكان (سيف الدولة ) يطبقها في حروبه مع الاعداء

 

قال في اغراض الحروب :

 

الا ليست الغايات الا نفوسكم

 

وليست لنا الا السيوف وسائل

 

     ويقصد في هذا القضاء على العدو ولا يألو جهدا ً في اللحاق به ولو في اعالي الجبال فيقول شاعرنا (المحارب) :

 

تدوس بك الخيل الوكور على الذرى

 

وقد كثرت حول الوكور المطاعم

 

        ويقصد بذلك وصول الجيش الى اعالي الجبال حتى يحيل العدو الى طعام حول وكور الطيور في ابعد غايات الاوعار  .

 

      وللمتنبي آراء مصيبة في الحشد وسرعة الحركة وخفتها ليسبق العدو . ولم يقتصر شعره في هذه الشؤون بل تعداه الى المفاجأة ، فالحرب الحقيقية هي ضرب الخصم من حيث لا يحتسب والكر عليه في مكان وزمان لايتوقعهما :

 

      فما شعروا حتى رأوها مغيرة         قباحا ً وأما خلفها فجميل

 

      سحائب يمطرن الحديد عليهم         فكل مكان بالسيوف غسيل

 

      اما عن النصر في الحرب فمعقود للقائد المقدام الذي تسيطر على جنوده الرغبة في التقدم على العدو وضربه . وليست الهزيمة في الحرب عيبا ً ، ولكن عدم الاستعداد هو العيب ، والاسراع الى التسليم هو العار والفرار من المعمعة هو الموت والمقتول بالسيف خير من المقتول بالدم وهذا مايطابق قول ابي  تمام :

 

  اطفو المنايا فالقتيل لديهم           من لم يخل العيش وهو قتيل

 

  فيقول الشاعر المتنبي :

 

             وأمر ُّ مما فر منه فراره / وكقتله الا يموت قتيلا

 

وله رأي سديد عن شخصية القائد فيقول:

 

 ” وكل اناس يتبعون امامهم ” فالقائد هو رأس الجيش ، والجنود يتأثرون بقائدهم ، فأن وجدوه مقداما ً اندفعوا الى القتال غير هيابين فمستقبل الجيش يتوقف الى حد بعيد على شخصية القائد . فالقائد الباسل محترم بين رجاله ، وموثوق في كفايته وقوته …

 

         امام الكتيبة تزهى به

 

     مكان السنان من العامل

 

       ان القائد الضعيف غير الماهر والذي لا يحمل الروح القتالية فلا يجد في القيادة الا مظهرا ً ساميا ً فحسب ، فشتان بين الرجلين ، (واليد الشمال خلاف اليمين ) – مختار الصحاح –

 

            ما الذي عنده تدار المنايا    كالذي عنده تدار ( الشمول ) الخمر .

 

     فيا ايها الصديق العزيز  (     ) الذي سألتني عن معنى السيف ذلك ما فسره الشاعر – ابي الطيب المتنبي – في الابيات انفة الذكر من شعره الخالد الذكر ، الباقي بقاء الضاد -( راجع شرح ديوان المتنبي )لعبد الرحـــــــــمن البرقوقي . فستجد ابياتا ً اكثر من قصائده الرائعات .

 

    ولكن سيفنا العربي قد صدأ ، لان رؤساء وملوك وزعماء العرب تركوه في غمده في مخازن الحديد ، وتعاونوا مع الشيطان الامريكي الذي يضرب من يشاء وما يشاء بأي وقت ومتى شاء ، لاخوف ولاذمة ولا دين ولا ضمير ولا حياء ، الا ربيبته اللقيطة ز فاين السيوف الاسلامية والعربية التي لم يقف امامها حد من جبل او بحر ولم تنكسر او تصدأ فوصلت الى اقصى بقاع الارض بهمة وإيمان قادتها ..

 

     إلا نتذكر سيف الرسول الاعظم وسيف علي ( ذو الفقار )  والحمزة والعباس وجعفر ، والوليد والصحابة الاخيار .. والأيوبي والمختار لنعيد بها ارضنا المغتصبة وحقنا المهضوم في فلسطين والجولان وأراضينا المحتلة الاخرى ولتقضي على العصابات الارهابية المتطرفة – سفاكي دماء العراقيين والعرب ليسود الامن والأمان والسلام في ربوع بلادنا ( وان غدا ً لناظره قريب ).