هل أنت مقبل على تقاعد ؟
الخشية من التضخّم المالي
هذا السؤال يثير الكثير من الموظفين ويجعلهم أكثر تشاؤما من المستقبل المحفوف بالمخاطر وعدم الثقة بما هو آت من تضخم مالي قد يقضي على الراتب التقاعدي المتدني ويدفع المتقاعد لصرف ما أدخره من مال خلال رحلته الوظيفية الطويلة التي قد تمتد إلى (30) عام أو أكثر مع قلة الراتب المصروف له كل شهريين .
أن نسبة العاملين في الدولة أو ما يطلق عليه القطاع الحكومي قد يصل اليوم إلى عاملين لكل متقاعد وهذا يعني أهمية معالجة أوضاع المتقاعدين وتشريع قانون موحد للتقاعد يكون منصف وعادل وشفاف…… حيث صادق مجلس الوزراء السابق في جلسته الاعتيادية الثامنة والثلاثين على – مشروع التقاعد الوطني الموحد – عندما راعى القانون الجديد تحقيق العدالة في توزيع رواتب المتقاعدين من خلال ضمان رفع مستوى الدخل لهم وبما لا يقل عن 400 إلف دينار شهريا مع إضافة مخصصات غلاء معيشة بنسبة 1 بالمئة من الراتب الوظيفي عن كل سنة خدمة كذلك يضاف مبلغ 60 إلف دينار إلى مستحقي الحد الأدنى من الراتب التقاعدي في حالات إكمال الثالثة والستين من العمر أو إذا كان المتقاعد معيلا لاثنين أو أكثر أو إذا أحيل إلى التقاعد لأسباب صحية كذلك منح قانون التقاعد الجديد مخصصات شهادة بنسبة 5 بالمئة للدبلوم و10 بالمئة للبكالوريوس و 20 بالمئة لحملة شهادة الدكتوراه. ورفع سقف الاستحقاق إلى 100 بالمئة عند الوصول إلى خدمة 40 سنة صعودا ؟.. بعد إلغاء القوانين الخاصة كافة التي كانت تمنح راتبا تقاعديا يعادل 80 بالمئة من الراتب دون الأخذ بنظر الاعتبار مدة الخدمة على إن تكون للموظف في الدولة خدمة لا تقل عن (15) سنة بغض النظر عن العمر وزيادة مكافأة نهاية الخدمة لتصبح راتب ومخصصات (12) شهراً بدلا من (6) أشهر إذا كانت للموظف خدمة تقاعدية ثلاثين سنة صعودا .
لنفرض أن(نوري) الذي سوف يتقاعد نهاية السنة الحالية – 2014 – يبلغ دخله السنوي (36) مليون دينار بمعدل راتب شهري قدره (3) ملايين دينار وهو يتوقع أن يعيش بعد التقاعد عشرين عاما ويحتاج إلى 50 بالمئة من دخله السابق لكي يعيش عيشة كريمة خلال السنوات المتبقية له أي يحتاج (18) مليون دينار فإذا كان معدل التضخم 5 بالمئة سنويا سيكون بعد عشر سنوات بحاجة إلى (26) مليوناً بينما المتبقي من المبلغ المدخر سوى (18) مليوناً أي بعجز (8) ملايين وهكذا مما سيضطره إلى طلب العمل مرة أخرى بطريقة التعاقد أو تأجير الشقة التي بناها لأولاده لغرض الزواج من هنا تبرز القيمة الزمنية للنقود كواحدة من أهم المدفوعات التي يتوجب على المشرعين إن يكونوا ملمين بها تماما للانتقال من القيمة الحالية إلى القيمة المستقبلية دون الدخول بالتوزيعات الاحتمالية المتوقعة والتي تجعل القانون المشرع وقتي وخاضع للتغيير في أية وقت ممكن أسوة بالاحتمالات الجوية للطقس المتوقعة كل يوم. وفترة العيش الطويل دليل واضح على التطور في مجالات الصحة والطب والتغذية والرفاهة الاجتماعية فضلا عن زيادة الطلب على نظام التقاعد هذا ما نلاحظه اليوم في اليابان وأمريكا حيث يشكل المسنون ما نسبته 41 بالمئة من سكانها بسبب وجود خطط للرعاية الاجتماعية سواء كانت للرجال أم للنساء . واليوم إن تحديد سن التقاعد يعد من القضايا الأكثر سخونة في فنلندا حيث هناك مقترح بان تتراوح هذه السن بين 63 و 65 سنة والحكومة الفنلندية تعمل على عدم التفريط في العمالة المدربة من خلال تقليص سن الإحالة للتقاعد علما إن رواتب العاملين في القطاع العام تستحوذ على 53 بالمئة من إجمالي بند الأجور في الموازنة العامة في فنلندا وديون الدولة لا تقل عن 60 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي فيها .
أما عندنا في العراق فمن يحال من الموظفين على التقاعد البعض منهم ينزع زيه الحكومي الرسمي ويرتدي الزى العربي (العقال واليشماغ والدشداشة) ليصبح كبير عائلته أو كبير قومه ويكون عنصر فعال في منطقة سكناه المليئة بالمشاكل العشائرية والاجتماعية لكن الكثير منهم يبقى فقيرا معوزا يبحث عن من يشغل ابنه أو ابنته لتحل محله في العمل وخاصة أولئك الموظفين المصابين بأمراض مستعصية كالسكر وضغط الدم ومن ساكني دور الدولة من الذين يدفعون إيجارات شهرية من رواتبهم المتواضعة كبدل سكن شهري بينما إيران الدولة المجاورة للعراق تقوم بتمليك الدور السكنية لموظفيها في حالة الإحالة على التقاعد أو الوفاة … أما نحن في العراق ما زلنا نبحث عن مكارم القائد الضرورة لحد هذا اليوم وخاصة أيام الانتخابات الممطرة بالخير الوفير.
أن صناديق التقاعد في اغلب دول العالم وخاصة الأوربية منها ما هي إلا برامج تقاعدية تمولها الشركات أو الوكالات الحكومية لصالح العاملين وتدار من قبل مصرف تجاري أو شركة تامين على الحياة أو مؤسسة مستقلة وتستثمر تلك الأموال في الأسهم والسندات والعقارات والقروض المضمونة وبأسلوب المساهمة المحددة بإضافة مبلغ محدد كل سنة إلى حساب المخصصات التقاعدية للعامل فهي غير محددة وتتوقف على المساهمات السنوية لرب العمل والمساهمات التي يرغب العامل بإضافتها وعلى عوائد استثمار المبالغ المتجمعة في حساب المخصصات التقاعدية للعامل نفسه. من هنا تأتي أهمية الاستثمار في أموال صندوق المتقاعدين بمشاريع عديمة المخاطر لتحقيق زيادة للمتقاعدين في رواتبهم من خلال تنمية تلك الأموال وذلك من خلال توظيفها في سندات خزينة الحكومة وسندات البنك المركزي كونها تعتبر من الاستثمارات مؤكدة الإرباح ولا توجد فيها مخاوف من الاستثمار لأنها مضمونة المكاسب وعدم الاكتفاء بالاستقطاعات من الرواتب إثناء الخدمة في الدوائر الحكومية . واليوم وصلت الديون التقاعدية لشركة (General Motors) الأمريكية إلى (9) مليارات دولار وشركة (Chevron) النفطية إلى (26) مليار دولار والبنك الأمريكي إلى (109) ملايين دولار وهذا يدلل على غرق تلك الشركات بالديون المستحقة لعامليها المتقاعدين مما أدى إلى مخاطر كبيرة نتيجة استثمار أموال المتقاعدين ودفع تلك الشركات إلى استخدام برامج المساهمة المحددة من خلال إضافة مبلغ محدد كل سنة إلى حساب المخصصات التقاعدية للعامل بدلا من استثمارها في مجالات قد تؤدي إلى المخاطر . ولا يخفى على الجميع إن هناك قوانين أهم واكبر من – قانون التقاعد الموحد الجديد رقم 9 لسنة 2014 – الذي شرعته الحكومة العراقية وأقره البرلمان مؤخراً لم تشرع لحد ألان وما زالت تبحث عن من يناقشها في رفوفها المغطاة بالتراب والمتوقع ترحيلها إلى الدورة القادمة ثم القادمة لأنها سوف تكشف عن عورتهم وجهلهم بقوانين العصر وترميهم في مزبلة التاريخ منها : قانون الأحزاب وقانون البني التحتية وقانون النفط والغاز الذي ينتظره الشعب العراقي بلهفة شديدة وأخيرا قانون الموازنة الاتحادية لعام 2014 الذي تركه البرلمانيون السابقون للاحقون ولله الحمد.
شاكر عبد موسى الساعدي – ميسان


















