الثروة الوطنية تحتاج التخطيط الإستراتيجي والتنمية المستدامة – صالح الهماشي

491

الثروة الوطنية تحتاج التخطيط الإستراتيجي والتنمية المستدامة – صالح الهماشي

يشير العديد من متخذي القرار السياسي والاقتصاديين الى اهمية التخطيط الاستراتيجي في بناء المجتمع على الاسس التنموية الحديثة، وبالرغم من اهميته إلا أن التطبيق على أرض الواقع يصطدم بالعديد من العقبات والمشاكل والتحديات التي تعيق عملية التخطيط، وتشير العديد من الدراسات المختصة الى وجود علاقة طردية بين التخطيط الاستراتيجي ومفهوم التنمية المستدامة، فكلما كان التخطيط الاستراتيجي مدروس وواعي كلما انعكس ذلك على حجم التنمية المستدامة والعكس بالعكس، ولا يمكن في كل حال من الاحوال فصل هذين المصطلحين عن بعضهما البعض.

ولفهم اهمية التخطيط الاستراتيجي وعلاقته بالتنمية المستدامة ينبغي الإشارة الى تعريفهما بالمفهوم المبسط حيث عرف الدكتور علي محمد عبد الوهاب التخطيط الاستراتيجي بأنه المسار الرئيسي الذي تختاره الإدارة لتحقيق أهدافها من خلال التعامل مع المتغيرات المحيطة للوصول إلى تحقـــــــيق الأهداف المحددة كما عرفت بأنها طريق المنظمة للوصول إلى الأفضل من بين البدائل والاختيارات المتاحة لتحقيق أهداف المنظمة ” .

ومن خلال التعريفين أعلاه يتبين للقارئ ان هذا المصطلح يعتني بدراسة العملية الإدارية، وتشكيل الاستراتيجيات، وخطوات تنفيذها، والرقابة على تطبيقها، في حين عرف عدد من الخبراء الاقتصاديين التنمــــــــية المستدامة على أنَّها القيام بالعملية التنموية لخدمة الأجيال الحالية بشكل لا يضر أو يمـــــــس بمصالح الأجيال القادمة، مع ملاحظة ان التنمية المستدامة اخذت في إطارها العام مفهومًا بيــــــــئيًا ثم تحول إلى مفهوم تنموي يشتمل على ثلاثة محاور رئيسة وهي المحور الاجتماعي (الإنسان) والمحور لاقتصادي والمحور البيئي.

متطلبات الاجيال

حــــــــــــيث يبين التعريف السابق إن التنميـــــــــــة المستدامة هي التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بمتطلبات الأجيال القادمة.

ومن خلال استقراء التعاريف أعلاه والربط بين المفاهيم المتاحة يتبين الرابط بين التخطيط الاستراتيجي من حيث كونه خطة عمل طويلة الأمد يمتد اثرها للأجيال القادمة وبين التنمية المستدامة والتي تعني بالدرجة الأولى عدم الاضرار بمصلحة هذه الأجيال، وهنا تتجلى ضرورة السؤال التالي أين العراق من التخطيط الاستراتيجي؟ وهل تطبق مؤسساتنا العامة والخاصة التخطيط الاستراتيجي ؟

وقبل الإجابة على تلك التساؤلات لابد من الإشارة الى ان العراق يعتمد على النفط في القيام بالعملية التنموية منذ خمسينات القرن الماضي حيث بدأت الواردات النفطية تتضاعف نتيجة توقيع الحكومة العراقية ان ذاك عقود مناصفة الأرباح مع الشركات الأجنبية المستخرجة للنفط، وان كان النية في ذلك الوقت تتجه نحو تخصيص هذه الواردات بشكل مطلق في البناء التنموي للعراق.

نظام ملكي

لكن الاحداث السياسية المتسارعة وتبدل شكل الحكم في العراق من النظام الملكي الى النظام الجمهوري وما تبعه من سلسلة انقلابات وحروب داخلية وخارجية عمدت الى ازدياد الاعتماد على الواردات النفطية بشكل شبه مطلق، وان هذا الاندفاع لم يشكل سوى حاجز امام بقية القطاعات الإنتاجية للدولة ومسبب رئيسي لإهمال هذه القطاعات بالإضافة الى عامل اخر لا يقل خطورة عما تقدم وهو ان الاعتماد المطلق على النفط يشكل استنزاف سريع للثروة الطبيعية التي تملك فيها الأجيال القادمة بقدر ما يملكه هذا الجيل وما سبقه.

وبعد هذا الاستعراض والتوضيح يمكن الحكم على بعض مؤسساتنا من خلال الواقع العملي والمتمثل في تنفيذ الخطط والبرامج حيث نجد أن العديد من شركات القطاع الخاص تواجه مشــــاكل في الإنتاج والتســـــــــويق والمنافسة الشديدة من الخارج كما أنهـــــــــا ظلت تعتمد على الدعم الحكومي وبالتالي لم تســـــــــــتطع الاستمرار وتعثر واغـــــلق أغلبها وأعيد هيكلة البعض الآخر وهذا ناتج عن عدم وجود تخطيط استراتيجي يحدد الرؤية والأهداف المستقبلية بدقة وكفاءة.

أما بالنسبة للقطاع العام فإن الحال لا يختلف كثيرا فهناك العديد من المشاريع والبرامج التي تم تنفيذها وكلفت خزينة الدولة ملايين الدنانير إلا أنها لم تحقق الأهداف المرجوة ولو نظرنا إلى الرؤية المستقبلية (الخطة الخمسة 2022 التي اطلقتها الحكومة بداية عام 2018) والتي أعدت قبل الحكومة وكان هدفها الأساسي التنمية الاقتصادية المستدامة من خلال تنويع مصادر الدخل القومي ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي فعلى الرغم من أنه حاليا يتم تنفيذ الخطة الخمسية والتي هي الرؤية الاقتصادية للدولة إلا انها لم تستطع التقدم خطوة واحدة نحو الأهداف الطموحة الموضوعة لها، فلا زال اعتمادنا الأساسي على النفط وهذا ما ظهر جليا في موازنة 2019 ، وهذا ما يؤكد لنا أن التخطيط الذي تقوم به بعض مؤسساتنا العامة والخاصة إنما هو تخطيط تقليدي لا يراعي الرؤية المستقبلية وحق الأجيال القادمة ولا يرقى إلى تحقيق الأهداف بكفاءة عالية.

وأخيرا نقول انه لابد من ربط التخطيط الاستراتيجي بالتنمية المستدامة من خلال الفهم الكامل والموضوعي لأهمية الربط بينهما، إذا ما أردنا تحقيق الأهداف المخطط لها وينبغي وضع أهداف قابلة للتنفيذ والتقييم وتراعي الاحتياجات الحالية والمستقبلية وضرورة التوازن بينهما فلا يمكن بكل حال من الأحوال استنزاف الموارد الطبيعية لحساب الجيل الحالي تحت أي ذريعة واهمال مستقبل البلاد، والالتفات الى ضرورة التخطيط بعيد المدى في كبح جماح استنزاف هذه الموارد، وقبل هذا وذاك لابد من وجود عقول تعرف كيف تخطط وكيف تنفذ وتتابع .

{ خبير اقتصادي

(الصفحة الثامنة, CATEGORY)

مشاركة