
التشكيلي عاصم الأمير من نقاء اللون إلى بانوراما الموت
تجارب مختلفة بين الأمس واليوم
رياض الدليمي
للغوص في متاهة المنجز المختلف لابد من الاحاطة بكل اثارته للوعي ، والإحاطة بتفاصيل الابداع ومنجزه تعد مغامرة غير محسوبة المتاهات والتشظي وخاصة لو اِمتلكت زمام المبادرة الشخصية وأنت تبحث وتدرس وتتأمل تجربة فنية تشكيلية لها بصماتها في المشهد التشكيلي العراقي والعربي ولها حضورها ، واستفزت عنصر الدهشة عند المختص أو المتذوق لجماليات هذا الفن ، الفنان عاصم الامير يرسم بروح الطفولة وبعقلية مفكر يجتهد ليحول العدم الى وجود على سطح اللوحة التصويري ..انه لا يتهيأ للوحته بل يجعل اللوحة تزيّن نفسها الى تلقائيته وعفويته وأحلامه البريئة التي رافقته منذ الصغر ، فتجدها تعبر وتفصح عنها بالوان الزهر والبنفسج والابيض .لوحاته هي بمثابة احلام وأثر يلاحقانه وعصية على فكرهِ ويقظتهِ يجد نفسه عاجزا من التخلص منها ، فأنها تتمثل في مشهده الفني منذ بداياته ومازالت تتربع على متون القماش وزواياها ، هي بمثابة (طفولة وبيئة واشياء وأحلام ) تتجسد بخطوط وملامح واشكال وكائنات مشوه ، فتراها عند النظر اليها كأنها عبث فرشاة أو تكوينات غير مبررة ، وكتل لونية زاحفة من الفراغ الى سطح اللوحة دون قصدانية منه كما يتراءى لنا أول وهلة ، ولكن ما أن تتأملها تشي كل كتلة لونية وضوء و خط و تكورات ومسافات فيها تعبر عن حالة مشاكسة فطنة تفصح عن قضية وتمرد وثورة واحتجاج ، وقد تكون هذه الثورة التمردية حالة شخصية كأن تكون أحلام صادرها الزمن واقتلعتها الفاقة والتاريخ والوجود ، وفي أحايين كثيرة تجد موضوعات ( عاصم الامير ) قضايا شعب وهَم حضاري وثقافي مرمز ومشفر بابتسامة طفل أو على هيئة بالونات طائرة بيد طفل تتأرجح في الهواء الذي لم يعرف مصدره ووقته وكأن يقول : أحلامي قد تتحول الى ثورة في لحظة ما تنتظر نسمة وكتلة هواء و ربيعا حاضنا للألم الجمعي تستدعي جمهورا وقعت عليه ذات القسوة ، فتلتقي أحلام طفولتهم بأحلامه ليعلنوا ثورتهم الجمعية بألوانها الزهرية .لوحات ( عاصم ) اِحياء لعدمية الحياة التي عاشها هو كشخص والتي عاشها العراقيون كأفراد ومجتمع من فعل الحروب ومطاردة السلطات المتعاقبة لهم وللفكرة المغايرة ، فكرته كفنان هي بنت اللحظة العالقة في ذهنه منذ الطفولة واسئلة لم يجد لها أجوبة ، حتى الطبيعة والبيئة والاشخاص الذين احتضنوا هذا الفنان غير قادرين على الاجابة ، لهذا ترك فكرته ولونة المبتسم وقماشة اللوحة تعبر عن مظاهر التساؤل ، الزهرة والورقة والنخلة مقطوعة الراس والقلاع السومرية وفأس كلكامش هي ادوات تعبيرية وان طغى عليها الاسلوب التجريدي في اغلب لوحاته ، رموزه غير بريئة كما نجدها في براءة الاطفال الذين مرحوا كثيرا على سطح لوحاته وطيلة ثلاثة عقود مضت ونسوا العودة لبيوتهم ، ربما لم يجدوا فسحة مغرية وجاذبة ليعبروا عن مكبوتاتهم واحلامهم وافكارهم سوى سطح لوحته النقي كما ونقاء روحه ، انه يرسم بألوان النقاء التي تجلب الفرح والطمأنينة والاستكانة النفسية في ذات المتلقي مقابل هم ووجع وألم يعتصر فكر وروح وفرشاة التشكيلي ( عاصم الامير).
لوحاته التي رسمها خلال عامي 2015 و2016 جاءت واقعية مشفرة برمزية عالية أحيانا وفي أحايين أخرى تفصح عن نفسها دون عناء المتلقي ، انه يوثق الالم والحزن العراقي الماكث في ذاكرة أبناء ما بين النهرين منذ الخليقة للان في لوحات تسجيلية توثيقة بمثابة شريط بانورامي طوله مترين ونصف وبعرض 50 سم والتي عرضت في الامارات وقطر مؤخرا والتي استدعتني للوقوف عليها وقفة طويلة متأملة فاحصة لتجربة كبيرة .
احداث سياسية
أعتقد انه تأثر بما جرى من أحداث سياسية وقعت في بغداد وفي بعض العواصم العربية ألا وهو الربيع العربي والتظاهرات والثورات التي حدثت وهنا استحضر ( الامير عاصم ) الحضارة البابلية والسومرية بمسلاتها وحروفها وابداعها لتعلن تضامنها مع المحتجين وقد غلفها كخلفيات ذاكراتية دلالة للحضارة المغيبة لحجم الدمار والفقر والقهر الذي يعاني منه العراقيون طيلة تاريخ وجودهم ، لقد كان اللون الابيض في لوحته طاغيا وكانه يشير الى لحظة اقتراب تحقيق الحلم ولكنه محاط بأحبار رمادية وسوداء وهي تعبر عن قلقه ومخاوفه على هذا الحراك الشعبي المجتمعي الرافض الى الظلامية ومصادرة الحريات ، ووضع حمورابي والالهة خلف وجوار الثوار وشعاراتهم ايماءة منه وايمانا راسخا في وجدانه الى أن لكل حركة احتجاج لابد أن يكون لها ظهير معرفي وثقافي وتاريخي تكفي لكي تكون أسلحة قادرة على خوض معركة الوجود وآليات يمكن الاتكاء عليها دون خوف وريبة.في لوحة أخرى يمكن تسميتها اللوحة الزرقاء اللوحة الحالمة المبتهجة بالمرح الطفولي الذي حاصرهم بخانات وكانه يريد أن يسجنهم مع أدوات مرحهم الصبياني من طبول ودفوف والعاب وزخارف وأشكال مزججة ، ويلاحظ وجود النوافذ والقضبان ظاهرة في كل مربع تواجد فيه طفل أو أيقونة ترمز الى الفعل الطفولي دلالة على تجسيد الحلم الطفولي المغيب والمصادر والمتخفي وراء سلطة غاشمة اِمتدت يدها لتغتال الاحلام الصغيرة وهو افصاح على أن الحلم بات مقهورا ومجبولا في زمن الظلام والخفاش .لو نظرنا الى احدى لوحاته الذي جسد فيها شكلين على هيئة صخرتين بحجم كبير وقد اصطبغتا باللون الازرق ويجاوره اللون الاصفر في أحداهما ، أما الاخرى بلونها الازرق الفاتح أخذ اللون الذهبي يتجسد بخطوط وبلغة مسمارية وصورية توحي الى اللغة السومرية او الأكادية وهي الاقرب للغة العربية ، في حين تجد الصخرة الاخرى قد نقشت عليها حفر فيها كما يبدو للمتلقي سلاسل بشكل عرضي وكأنها سلسة من أيادي اطفال ممتدة تمسك ببعضها البعض لتشكل سياجا منيع الاختراق ، أو تمثل دبكة أطفال يلعبون لعبة صبيانية وتحاذيهم سلسلة مفتولة للأعلى على هيئة نقش ترمز الى ربطة للعنق أي أن للمرح ثمن ألا وهو شراسة رباطة العنق . وما يثير المتلقي أن الصخرتين المثبتتين على سطح اللوحة شكلها الفنان تورية الى نصب الشهيد أحدهما قبالة الاخرى وأزاحهما عن بعضهما ليتجاورا ويتوازيا وبنقس اللون الازرق وهذه الدلالة اللونية تتماهى مع اللون الازرق لنصب الشهيد في بغداد ، واللون الازرق الحالم الموشح بلون بالذهب والاصفر وبعبارات وحروف ونقوش انما تمثل هواجس فنان وأمان وثقافة هامدة على هيئة حجر أي جردها الفنان من حيويتها وديناميكيتها وازاحتها للألوان الشفيفة والمفعمة بالحياة الى فعـل الموت.ويكفي القول أن ( عاصم الامير) الفنان التشكيلي العراقي هو فنان متجدد ومبتكر لأساليب عدة من التجريد الى التعبير الى الفنتازيا اتخذ من براءة الاطفال مشاكسة لواقع مرير ومؤلم بمعنى الكوميديا السوداء ، اذ أراد القول من خلال عشرات اللوحات التي جسدها منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي ولحد الان : أن اقتلاع الطفولة وبراءتها يكفي لقتل حضارة بأكملها.


















