الأنبار.. مسؤولية من ؟ – مقالات – عماد عبود عباس

الأنبار.. مسؤولية من ؟ – مقالات – عماد عبود عباس

حلقة أخرى من حلقات تمزيق العراق شعبا و ارضا و هوية بدأت . و كباقي الحلقات تتداخل و تتفاعل فصولها : حملات اعلامية ، خطب و اتهامات و تحريض تصاحب أزيز الرصاص و كالعادة الخطباء يتبعهم الغاوون كببغاوات تردد ما تسمع بلا بصيرة و لا تفكّر و يتحولون الى ابواق مجانية لا تخدم الا اجندة المتربصين بالوطن الساعين الى خرابه . حتى جموع المدنيين الفارين من أتون الحرب لم تسلم من اللوم  و التقريع فتعالت الاصوات مطالبة اياهم بالعودة الى بيوتهم لينالوا نصيبهم من الموت الذي لا يعرفون من اي طرف يأتيهم ناهيك عن التجريح والسخرية و الطعن و التشكيك . فهل حقا أن الدفاع عن الأنبار مسؤولية المدنيين من أهلها و عندما تسقط بيد داعش تكون استعادتها مسؤوليتهم دون غيرهم ؟ هل هي مسؤولية الحشد و المجاميع المسلحة ؟ هل هي مسؤولية ” القوات الصديقة ” شرقية كانت ام غربية ؟

ما يحدث في الأنبار وما حدث قبلها في صلاح الدين وأجزاء من ديالى و الموصل حلقات متصلة لمسلسل واحد ما زال أبطاله بعيدين عن المساءلة و المتسببون هم من أخطأ متعمدا أو مجتهدا في معالجة قضية الاعتصامات مبكرا معالجة صحيحة وتركها تتفاقم و تسبب بعدها بضياع الموصل و ما تبعها من مآس ليس أقلها مجزرة سبايكر التي راح ضحيتها عدد كبير من شبابنا و هم بعمر الورد إضافة الى من يسقط من المتطوعين نصف المدربين او غير المدربين الذين لا يحملون في أيديهم من السلاح بقدر ما يحملون في صدورهم من مشاعر تم شحنها على أنها مسألة دفاع عن عقيدة تخصهم لا عن وطن يحتضن كل العقائد  . الخطباء و الوعاظ و أشباه الإعلاميين و أشباه السياسيين الذين وضعوا هذا التقسيم و روجوا له عليهم الآن أن يجيبوا على هذا السؤال و يتحملوا مسؤولية الدماء التي سالت و تسيل : قتال داعش في أية محافظة هل هو مسؤولية سكانها لأنهم مستهدفون بشكل مباشر من هذا التنظيم المنحرف أم هي مسؤولية المتطوعين لأن معتقدهم مستهدف ؟ هذا الفرز الذي جمّلوه في عيون أتباعهم و مريديهم وانتشر ليعم السواد الاعظم من الناس هو نواة الجريمة  و الشحن بأي من الإتجاهين هو جزء من عملية تفتيت الوطن ، فداعش التي ترفع شعار دولة دموية لا توفر دم أحد و لا تقف عند حدود و الوقوف بوجهها مسؤولية الجميع

الحرب  لا يمكن أن تكون حرب عشائر و لا متطوعين أولا لأن الجندية ليست هواية بل هي علم و اختصاص ومهنة و رتب تتدرج على أسس الخبرة و المراس و التدريب و هي ليست كأية مهنة أخرى لأن الخطأ فيها يعني الموت أو التسبب في كارثة و هي بكل الأحوال ليست مهنتهم  . و ثانيا إن لهذا الامر حساسيات معروفة لدى جميع الاطراف تتعلق بتصرفات غير منضبطة لابد أن تحدث و غالبا ما تكون هناك انتهاكات يعقبها افلات من العقاب فالمدني لا يمكن محاسبته كما يحاسب العسكري . عشائر الأنبار كانت أول من اكتوى بنار داعش و مع ذلك كان ينظر لهم بعين الريبة عندما يكون الحديث عن التسليح و اذا كانت الحساسية التي ذكرناها مبررا لهذه الشكوك فإن تحسس هؤلاء من دخول المتطوعين الى مناطقهم أيضا له ما يبرره لنفس الأسباب . ما الحل إذن ؟الحل في جيش نظامي وطني يضم الجميع بلا استثناء لا يقف عند طائفة و لا يضع معايير للإنتماء إليه غير المعايير الوطنية التي نعرفها و لا يخضع لدولة أجنبية حتى لو وصفت بأنها صديقة  إذ لا صداقات مطلقة في عالم اليوم و لا احد يقدم لنا خدمة مجانية بل غالبا ما يأكل الثمن من جرف السيادة ، مقدساتنا و اضرحة أجدادنا و تراب أرضنا ، دماء أبنائنا و اعراضنا مياهنا و خيراتنا نحن أولى بها و لا خير في شعب لا ينتج جيشا يستطيع الدفاع عن كل هذه المقدسات و أن ينظف هذا الجيش من العناصر الدخيلة و الفاسدة و غير المهنية و أن تتشكل فيه وحدات خاصة بحرب المدن لانها ليست حربا تقليدية  تعتمد الخطط العسكرية المعروفة بصفحات الحرب من دفاع و هجوم و انسحاب بل هي حرب مدن تحتاج لقوات مدربة تدريبا خاصا على مثل هذا النوع من القتال يراعى فيها تجنيب المدنيين ويلات الحرب فالجيش هنا لا يهجم على ساتر ترابي بل على مدينة مأهولة بالسكان . أما المدنيون فينعمون بالأمن و يمارسون أعمالهم المعتادة في ظل مثل هذا الجيش الذي سيكون محل فخر و اعتزاز الجميع بلا استثناء.