اعادة هيكلة مؤسستنا العسكرية – مقالات – اكرم سالم
ما حدث في الرمادي مؤخرا وقبلها في الموصل وغيرها هزّنا جميعا كعراقيين وزعزع استقرارنا بشكل عميق ومؤلم ، في الوقت الذي اثار دهشة اوساط قيادية عليا ولاسيما في المؤسسة العسكرية وهو ما يزيد من مرارتنا النفسية ويضاعف مأساتنا ويشوش اكثر وأكثر على مستقبل العراق القريب والبعيد ، الامر الذي يلقي ضبابية بل عواصف ترابية تمنع الرؤيا وتحجبها وتجعلها شبه مستحيلة حتى يخيل لنا اننا على كف عفريت بالرغم من ايماننا العميق بالعراق وتفاؤلنا الرومانتيكي .. نعم تفاؤل رومانتيكي حالم بالمستقبل المتقلب والمفاجآت الآتية بلا حساب وبلا توقعات وبلا و بلا وبلا الخ .اود هنا ان ابتعد عن الاجواء الرومانتيكية واحتكم قليلا الى العقلية التنظيمية التي نتحلى بها كخبراء ومختصين في هذا الشأن الذي يوجع لدى التحليل والتمحيص ويؤذينا بل يؤذي البعض من السياسيين .. ولكن لا تهمنا السياسات والسياسيون كثيرا في هذا الشأن المصيري واود ان اطرح بعض الافكار التي تمس واقع الحال بشكل مهــني حرفي . ابتداء ما حصل يرقى او ينزل في الواقع الى مستوى النكبة الوطنية وهي قضية كبيرة تحتم على المطلعين والمتتبعين الدراسة والبحث الهادئ ولكن بسرعة واحترام لعامل الوقت وعدم الابتعاد عن الاولويات . ثم لماذا يستغرب القادة العسكريون ولاسيما كبار ضباط الاركان ذلك ونحن نعرف وهم يعرفون بأن جيشنا العراقي اصلا هو جيش عريق له تقاليد عمل وذاكرة ارشيفية وضوابط وعقيدة مهنية ، لكن حصل بعد 2003 ان قام الحاكم العسكري بريمر بحل المؤسسة العسكرية الوطنية وتفكيكها بحجج واهية وذرائع سياسية غريبة وغير موضوعية ومشبوهة اذ ان ذلك ادى الى قطع وبتر وتفكك بالمؤسسة العسكرية المسؤولة عن أمن وسلامة العراق حاضرا ومستقبلا .. هذا التفكك يعني ازاحة الطاقات والخبرات العسكرية الحرفية بمختلف المســـــــــــتويات التنفيذية الميدانية والوسطى الإشرافية والقيادية و الآمرة والمخططة والموجهة والمنسّقة والمتابعة وغيرها . ماذا يعني ذلك ؟؟ .. بكل وضوح يعني ان المؤسسة العسكرية الحالية اضحت معزولة بشكل او بآخر عن تقاليد العمل التاريخية الحيوية والعوامل الانضباطية والتنسيقية التي كانت قد تراكمت عبر سنواتها التي قاربت الثمانين عاما ونيّف شهدت خلالها معارك وحروبا مختلفة وخبرات لا يمكن الاستغناء عنها وتوظيفها بالاتجاه الجديد الذي يواكب الرؤية الوطنية للعراق وبما ينسجم مع الدستور ويعزز القدرات القتالية..ما حصل ايها السادة الاعزاء اعلان صريح وعلى الارض بفشل واخفاق كبيرين في هذه المؤسسة الكبرى .. ولكن هذا ليس نهاية المطاف وإن كان مؤلما وموجعا ومهددا لنا كشعب ومؤسسات . لابد اذن من اعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وفقا لستراتيجية وطنية تقنيّة واضحة تعتمد على تواصل الخبرات القديمة المتراكمة وتجسيرها مع الحاضر لتفعيلها واعادة تشغيلها بشكل دينامي . ما جرى أكد للجميع هو فقدان القيادة والسيطرة والتنسيق .. بكل ما تحمله هذه العبارات المقتضبة من معان تجعل هذه المؤسسة بعيدة كل البعد عن المركزية والانسجام في الضبط وتنحى منحى لا مركزيا بل شديد اللامركزية والتفكك في وحداتها على الصعيدين الميكرو والماكرو الكلي ، وتدني مستويات الترابط والتماسك بين الوحدات والتشكيلات . اقول ان المؤسسة العسكرية لها خصوصيتها وتمايزها الاكيد عن المؤسسات المدنية .. لها خصوصية القيادة والانضباط والامن المعلوماتي والاعلامي وخصوصية الستراتيجية والتعبئة والنظم الاستخبارية والتواصل المعلوماتي الآني مما لا يمكن الحديث عنه في هذه العجالة .. ما احوج جيشنا الحالي الى ستراتيجية عليا متجدّدة والى قرار ستراتيجي موحّد ، والى تفهم واع لشروط حرب العصابات التي يستعملها العدو .. والى تفهّم الاختراق المفاجئ و الاختراق المضاد والاحاطة والالتفاف وتلافي الاحاطة . .. والى اعادة هيكلة ستراتيجية شاملة مدروسة على المستويات كلها .



















