ابسط الدروس من لندن – طارق الجبوري

ابسط الدروس من لندن –  طارق الجبوري

عندما سافرت الى لندن لاول مرة عام 1976 لم اكن بعد قد قرأت المقولة المشهورة للمصلح محمد عبده التي اطلقها عند زيارته فرنسا في القرن التاسع عشر ولمس وتعايش مع جزء من ملامح الحياة المشبعة بقيم الاخلاص و العدل والمساواة  في هذه البلاد والمفقودة في مجتمعاتنا فقال وجدت الاسلام ولم اجد مسلمين وعشت في بلاد الاسلام فلم اجده ..لكني وبعد حين وانا اطالع مؤلفات هذا العالم الجليل الذي قد نختلف او نتفق معه في بعض المواقف صرت اردد هذه الكلمات لكثرة ما كنا نعاني من ازدواجية الشخصية في مجتمعانا سواء لدينا كمواطنين بسطاء او انظمة وقادة وصناع رأي .. هذه الازدواجبة التي عرضتنا للعديد من الخيبات والنكسات وضيعت علينا فرص المسيربخطوات ثابته نحو حياة كريمة .الامثلة على ذلك كثيرة في حيتنا اليومية ونظن ان اكثرها مراراة كل تلك الشعارات الكبيرة والعظيمة التي بشرتنا بها الطبقة السياسية منذ 2003 وعيشتنا  فيها بالعسل كما يقولون من دون تطبيق وهذا لايعني تنزيه الانظمة السابقة من الاخطاء .ولكي لانبتعد عن جوهر الموضوع المتعلق بما منحته لي هذه السفرة من دروس تعلمتها من خلال ايفاد الى عاصمة الضباب مع الشاعر والاعلامي كمال الحديثي الذي احتفظ له بعد الله بفضل قراءة العديد من امهات الكتب وفي مختلف فنون المعرفة ،فكان اولها  عدم التسرع بالحكم على الناس وحتى الانظمة  من دون الاطلاع  المباشر على الحقيقة  التي قد تغير القناعات. كنا قد سكنا في نزل  ( AshtreeHotel (  وقد اختاره  الصديق الدكتور ابراهيم العظماوي مفضلاً اياه على فندق  (Banta) المقابل لمكان سكننا وكان محقاً فهناك تعرفت على وكيل المالك وهو رجل انكليزي كبير السن والعقل وعلى مغني اوبرا شاب انكليزي ايضاً وبرغم ضعف لغتي وركاكتها فقد كانا حريصان على التواصل معي باستمرار واحياناً كان يعينني عامل مصري يعمل هناك وغالباً ما كان يتركز الحديث عن النفط ونهب الشركات الاحتكارية له وحرماننا من حقوقنا وزيف الديمقراطية التي يدعونها، لم يتذمرا او يغضبا وانا العن الامبريالية والامبراطورية التي غابت عنها الشمس وما فعلته باوطاننا ومنها فلسطين ، بل احياناً يتعاطفان مع قضايانا ويقولان مشكلتكم انكم العرب  هو العجز عن فهم العقلية الاوربية وكيفية التفاهم معها بالعقل وليس بالخطب الرنانة تمتلكون الامكانيات الماليه والثروات لكن لم تستثمروها بالشكل المناسب .. وفي احد الايام اصطحبني الرجل الى  حديقة الهايد بارك ولساحة اعتاد الناس التجمع فيها لابداء وجهات نظرهم المختلفة كان البعض ينتقد تاتشر واخر يبشر بالشيوعية واخر عن الهيبز .. وهنا قال ان البوليس لحماية حق المتكلمين وليس لاسكاتهم !! لم نعتد مثل هذه الحوارات الهادئة في مجتمعاتنا وتمنيت ان نتعلم كيف يحترم احدنا الاخر ويصغي له مهما اختلف معه في الرأي .

بعد ايام رقدت اروى بنت الاستاذ كمال احدى المستشفيات وهي صغيرة لايتجاوز عمرها السنوات الست وتوقعنا عدم تحملها البقاء وحدها لكن وبعد ايام وعند اكمال الفحوصات تفاجئنا انها ترفض الخروج من المستشفى للاجواء السعيدة التي عاشتها اضافة للعناية الطبية .. اجواء ورعاية سببها الاخلاص في العمل او ما نسميه بالعامية ( تحليل الخبزة )  وهو ما نفتقده سابقاً وحالياً في مستشقياتنا  العامة والخاصة التي زادها الفساد تدهوراً وهو الامر الاخر الذي تمنيت ان يسود مؤسساتنا الصحية ولكن !

بعد اسابيع ارادت سيدة انكليزية كبيرة تسكن نفس النزل الذي نحن فيه  ان تحتفل بعيد ميلادها فجاءت تستأذننا للقيام بالحفلة لانها تخشى ان تزعجنا اصوات الموسيقى العالية وتتجاوز على حقنا بالهدوء وهو درس  بسيط اخر في احترام حقوق الاخرين نحتاج الى ان نتعلمه جيداً ونمارسه فعلياً ..

اخيراً لايتوهم البعض اننا هنا ندعو لتطبيق النموذج الغربي في حياتنا لكننا نعتقد انها فرصة للمقارنة بين مجتمعاتنا وكل هذا التأخر الذي نعاني منه  وتغنينا بتاريخنا وحضارتنا من دون ان نتواصل معها وبين اخرى ومنها المجتمع الانكليزي الذي عرف كيف يستفيد من تجاربه ويصقل شخصيته من دون ان يسلخ نفسه عن ارثه بكل مافيه  .فهل نتعلم  ان نقرن القول بالعمل؟!!