إيها الولد الرسالة السادسة عشرة – مقالات – ناجي التكريتي
حين تقف في يوم من الايام وقفة متأمل مفكر، وكأنك تريد ان تكتشف وجودك الحقيقي على ارض الواقع، تذكر انك لست ابن هذه اللحظة التي انت فيها، ولست في معزل عما كان وما سوف يكون.
اعلم أنك انسان، وان لك امتداداً تأريخياً، لافكاك لك عنه ولا ابتعاد.
انت كائن الآن في لحظة تأريخية ترتكز عليها، ولكن تذكّر ان لك ماضياً قد خلفته وراءك، وليس لك القدرة على التخلص منه، لانه مركوز في جبلة كيانك، وينتظرك مستقبل لا يمكنك التوقف عند حدوده.
أرأيت كيف تجدك بين شد وجذب، لان الماضي يذكرك بما كان، والحاضر يريد منك ان تنجز ما هو كائن، والمستقبل يرسم لك اطراً جديدة لما سيكون.
وهكذا تجدك مقيداً بقيد غير مرئي، بجذبك الى الوراء تارة، ويدفعك تارة اخرى الى الامام، وانت منهمك في عملك اليومي، الذي لابد من انجازه بالشكل المطلوب.
احذر ان يشغلك الماضي بالندم على ما افرطت فيه، او على عدم استغلال فرص سنحت لك في وقت من الاوقات، فتقضي جل وقتك باللوم الذي لا طائل من ورائه، ومن غير ان تتلافى ما فات، ودون ان تحقق شيئاً ذا بال.
ليس من مصلحتك ان يشغلك المستقبل عما انت فيه من انجاز عمل معين، فتتوقف مخدراً تحت وطأة احلام اليقظة، وانت تتصور اطر المستقبل ذات أجنحة لازوردية سوف تنقلك على بساط الريح الى مدارج السماء.
اتريد ان اهمس في اذنك بضع كلمات رقاق، أم انت بحاجة لأن أناديك بصوت جهير، قد يقتلعك من الاعماق، ويعيدك الى رشدك انساناً سوياً؟ ضع جهودك الآنية اذن وركز على ما انت بصدده من عمل، بكل دقة ونباهة واتقان.
ضع في اعماق جنانك انك حين تقبل على اداء العمل تكون صادقاً مع نفسك مخلصاً مع الآخرين.
ان هذه اول خطوة من درجات الفضيلة التي اتوسم رسومها فيك، لانك اهل لان تحيا حياة مستقيمة مريحة، ما دمت تسعى الى اتقان عملك على الوجه الاكمل، ويكون هدفك تحقيق الخير للآخرين.
اعلم انك تركز كل خبراتك الماضية من حيث تدري ام لا تدري، فان الماضي في هذه الحالة معك، وانك في الوقت نفسة ترسم خطى المستقبل، ما دمت تنشد الخير، في كل ما تقوم به وتقدمه، في كل عمل تؤديه.
أرايت؟ فانت حين تؤدي الواجب اليومي المنوط بك اداؤه، تستلهم خبرة الماضي وتستشرف رؤى المستقبل، في اللحظة ذاتها، فتثبت انك انسان منسجم مع الذات.
اعلم اذن انك تحقق انسانيتك، حين تكون مخلصاً في يومك وفياً لأمسك متطلعا لغدك، من غير ان يكون هناك تضاد ولا ارتباك.
انت انسان وكل شيء فيك يسير طبيعياً بين ماضِ كان وحاضر كائن ومستقبل سيكون، وان حذقك هو الذي يحقق لك انسانية الانسان على الدوام.



















