إعلاء بنيان أم تهديم أركان – مقالات – مثنى الطبقجلي

الولايات المتحدة العراقية

إعلاء بنيان أم تهديم أركان – مقالات –  مثنى الطبقجلي

  نشطت في الاونة الاخيرة دعوات مُظِلِلة واخرى تفيأت  عباءة   الخط الطائفي  البغيض،  لاقامة ما اسمته اقليمي َ البصرة  والانبار،  اللذان صارتا اعلامهما تروج تحت ستار  من الرفض المبطن لسياسة الحكومة المركزية، بدعوى  تخليها عن التزاماتها الوطنية والاخلاقية تجاه شعبي المحافظتين ..وتلك  الدعوات وحتى ولو اندرجت تحت  مسلك اقصائي وتهميشي فانها لاتبيح المحضورات و تدخل   في سياق  افتراضية جدلية وتحريضية صارت اعلامها ترفع فوق سقف مشاكلنا  التي تحركها رياح الاجندات الاجنبية…

      اعلامُ ودعاوى وتوجهات محمومة صرنا نسمعها و تتواتر  اخبارها على  صفحات التواصل الاجتماعي وداخل المكاتب الحزبية المشبوهة ،تروج  وتبشر بالحدثين وهما ابغض الحلال في مسيرة العراق  وعلى  حفيف  علمين لارابط بينهما صورة وانتماء وتاريخا مع وطن يذبح من وريد الفرات الى وريد دجلة  ..

   الجميع ذباحين  بلا استثناء ، سواء هؤلاء الاغراب الخارجين من اعماق التاريخ بلحاهم الوسخة من همجيي داعش ام تلك الرقاب التي علقتها المليشيات الطائفية  على اسنة الحراب في ديالى لكي يذكروننا بالتاريخ الدامي لارض تداولتها الامبراطوريات المتصارعة على ارضه ونفائسه ، لكي يشيعوا الرعب تحت وطأة   وظلامية ووحشية الاولى .

    علم البصرة  الفيحاء!!  تلك المدينة الوادعة التي يغفوا الخليج عندها يحاولون وأد طيبتها وتحملها وصبرها وهي تشرب الماء المالح دهورا ، هي اليوم هدف مشروعا لهولاء الحاقدين على وحدة العراق ..البصرة.. مدينة الفراهيدي والجاحظ  يرسمون لها علما عجيبا لايشابهه الا علم قراصنة القرون الوسطى ،  محافظة عراقية عروبية كانت رفضت قبل اعوام الاستفتاء على انشاء اقليم خاص بها بنسبة 95 بالمئة من السكان فاسقطت مشروع القاضي الوائلي بالضربة القاضية ..

   هي اليوم برغم ما ألم بها من جور وعسف واهمال هدفا لهولاء المتلاعبين  بمقدرات الوطن من الاحزاب الطائفية والمليشيات التي تتبعهم  ، هي ثغر العراق الباسم ولكنها لازالت دموعها تنهال على خديها عند ملتقى الرافدين تشكو العطش والجوع والفقر رغم إنها اغنى محافظة نفطية.. والعاصـمة الاقتصادية للعراق ..

   اما الانبار فانها المدخل لتجارة العراق البينية عبر الاردن مع العالم .. ظلتهي مثل البصرة  مهدمة البنى التحتية ،ولاحقتها داعش فاكملت تدمير الانسان ومرازها الحضارية ، حتى اصبحت في ادنى قائمة المحافظات المنسية، ولكن  ليس بسبب لونها وانما لكونها من اكبر المحافظات مساحة ولها حدود مع ثلاث دول عربية ،  ولهذا جاء رسم علمها مستعجلا فاقدا للهوية القومية والوطنية . لله درك يا عراق كم اشبعك التاريخ قهرا ودما  وتحملت من  الصعاب ما لا نعرف  اين المنتهى وما سيؤول اليه وضعنا حينما نصحوا يوما  تحت مسمى الولايات العراقية  المتحدة..؟ دعونا نقرأ شواهد من التاريخ..

     بعد حرب اهلية  طاحنة عُرفت بحرب الشمال والجنوب ،ولدت الولايات المتحدة الامريكية  دولة كبرى  خيم علمها على ربوع وطن جمع كل الاجناس ممن انصهروا في بوتقة  واحدة مع كل ما حملته معهم  موجات المهاجرين من عُقد الماضي  وارثم الاستعماري  ، واستقرت تلك   الموجات في 50  ولاية  شغلت رموزها  ،نجوما في زاوية علم  ظل ينوء بحملها منذ الرابع من تموز 1776 ، والذي اصبح  فيما بعد يعرف بعيد الاستقلال ..

 ولو تسنى لنا ان نعقد   مقارنة  بين   واقع الحال  وما يجري في العراق من هبات سياسية  لاقلمة الدولة   وتمزيقها لفرض تقليعة البلد الاتحادي عليه  وبين بلد  مثل متحد مترامي الاطراف مثل امريكا ، بعض ولاياته ربما حتى انها اكبر من العراق مساحة ونفوسا ، سيصاب بالعجب من بؤس هذه الدعوات ..لاعادة تقسيم العراق ومن ثم لملمته ثانية تحت مسمى اتحادي ..!!

     وشتان بين الدولتين الاثنتين عند عقد اي مقارنة..الاولى تهدم اركانها والثانية علت علواَ بنيانها ،محققة تقدما هائلا على حساب الشعوب الفقيرة والمستعبدة..  وفي المقابل  تاخذ عملية الهدم في العراق  شكل مقاولة  تفليش طائفية واثنية واعادة البناء على اسس رخوة  قابلة للانهيار  والارتماء في احضان دول الجوار .. وشاهد آخر هو  ليس ببعيد عنا ، انها دولة الامارات العربية المتحدة ، هذه القمة الاقتصادية مكانة  واستقرارا ونهوضا ، كانت قبل اربعين عاما  من اعلان استقلالها ، عبارة عن امارات سبع متناثرة سميت مجازا جغرافيا بالمتصالحة ، استطاع رجل اُمي ووطني حتى النخاع،  يملك ارادة وحكمة وقيادة ان يوحدها ويجعل منها قوة اقتصادية يشار لها بالبنان،  في وقت  كنا نحن في قمة اقتصادنا في سبعينيات القرن الماضي….

       انظروا لها..حينما  رحل الشيخ زايد رحمه الله إلى دار حقه ، بقيت الامارت دولة موحدة رغم تعرضها الى عدوان ايراني استولت به بعد ايام من استقلالها من بريطانيا على جزرها الثلاث ولم تدافع عنها بريطانيا رغم ارتباطها بمعاهدة دفاعية معها ، حالنا مثل شبيهتها والتي  تخلت امريكا عن العراق  وانتهى الحال الى اقامة دولة اللاسلامية تقودها الان داعش ويشاطرهم امر هولاء شذاذ الافاق من المليشيات المتحكمة بنصف مساحة العراق،  داعية الى تجزءته..

.. جزأوا بغداد الى كانتونات طائفية لكي يتقبل المواطن ما يبيتون له من اقاليم ومرجعيات طائفية البنيان وشوهوا معالم بغداد  ومدن العراق بالكتل الكونكريتية تحت هوس الاجراءات الامنية.. والسبب يكمن  في الفساد السياسي والاداري والمالي الذي  تغلغل في كل مفاصل الدولة ،وان الحكومة الحالية وبسبب النأي بنفسها عن معالجة اخطاء الحكومات السابقة فهي بدورها رضيت ام لم ترض  ترتكب نفس الاثم والخطأ باقامة محافظات بالتقطيع وولايات او اقاليم حسب الطلب  مثل حال هذه الاعشاش التي اسس لها الدستور  ..اذن  يخيل لي رغم غلوا داعش إنها موحدة تحاول ان تؤسس دولة رغم حركة التاريخ ..؟  وانتم تؤسسون لاعشاش لقالق متارجحة..وُمفرقة.. هكذا نحن أمسينا  نهدم ولا نعمر..

     فما بالنا اليوم ايها العراقيون حينما  يشتد  بنا الكرب وتتعالى الصيحات ،نرى المغالين والمُصنعين والمصدرين لنا اطعمة الموت على اطباق  هذه الاجندات الجاهزة ، نسارع الى التهامها وكاننا لم نكن من قبل دولة موحدة مهابة ، هولاء المنحشرين  في الخنادق  الطائفية والاجندات  هم اليوم وتحت شعارات مشبوهة وانفاس حاقدة ، من يمزقون الوطن الواحد الى مزيد من الاقاليم والمحافظات والاشلاء، ليرتفع  العلم الاخرق البديل في آخر الزمن من علم  تتوسطه ثلاث نجيمات الى آخر  تفوق اعداد نجيماته ،حتى  نجوم علم امريكا باربع مرات.. وربما تكون فيه ثمانية عشر نجمة منفلتة من افلاكها او تزيدة !!

هذا هو  المنتظر لو تمادى المنُحرِفون والمُحرفون في تصنيع   الازمات  ،متى سرنا باقدامنا الى حتفنا  في سيناريو تدمير العراق نحو غد مظلم يضعنا في مجرة المتاهات ..

واذا كانت امريكا  قد نفضت  عنها غبار حربها الاهلية  واصلحت ذات بينها وتوحدت كأمة  وتوجهت نحو اطماعها واحلامها بالسيطرة على العالم ونحو تكنولوجيا تغطي بها على فراغ روحي وحضاري   تفتقده ، ،فان  مصيبتنا نحن العراقيين  اكبر لاننا لما نزل نعيش تحت ِظلال وظلالةِ  دستور عام 2005  الذي وضع لبنات حروب المستقبل بين الشمال والجنوب وبين الوسط والغربية لا بل بين الغربية والجنوب  وما يحدث الان هو مقدمة المقدمات ،فيما  لو قام  البعض باستنساخ المحافظات وتفريخها  في مداجن سياسية معروفة الاجندات ؟؟

    فهل يا ترى  لو استمر السباق في تشكيل المزيد من الاقاليم  إننا  سنصبح جمهورية الولايات المتحدة العراقية  المحفوفة بملايين  الحسرات وآلاهات  على ما كنا عليه وما فات..؟ وحالها ليس بمثل حال الولايات المتحدة ..قوة ومنعة واستكبارا  وحضارة وغزوات !!!هي بكل المقاييس  مقدمة   لحروب المستقبل  الكارثية التي يمكن لها ان لم نسارع الى اجهاضها  والعودة الى جادة الحـــــــــق ،ان تعمل  على تمـــزيق العراق وزواله ..

     وواهم جدا من يعتقد ان تشظي العراق الى 3 دويلات  سيكتفي به الخصوم والحاقدون  ،فواقع الحال اليوم ورفرفة اعلام بغيضة يرفعها البعض ، يفضح معالم ما ستفعله  معاول الهدم  من تشرذمات ، وربما  قد يتناثر العراق  الى كُومُ احجارِ في مجرة ملتهبة، او نكون اطرافا ليست ذات بال في أذيال  دول طامعة .

     ، ولإن حدث هذا   التغيير والتطبير والتشجير ،فان  بغداد سيجري شطرها   وستعقبها   بلا شك  الكثير من الويلات ..؟؟  والاخيرة ستكون  الوسيلة الاخطر بلاشك  وستتبعها ولادات غريبة ستشوه حتما معالم خريطة العراق الادارية والسياسية والمائية والمعدنية   والاثارية  في البصرة وكربلاء والحلة وديالى وكل محافظات الوسط والجنوب العراقي ، ما سيفجر حتما  حروبا داخلية لاحصر لها تحت مسمى فايروس المناطق المتنازع عليها ..

فهل تتراجع البصرة والانبار كما فعلتها عشائرها العربية  عن الابحار في  سفن حطموا لها اشرعتها و مجاديفها هولاء الرعيان من مختلف اليشماغات والالوان بعدما صار للعراق الف ربان .. آمان آمان من هذا  الزمان ..

   أما اذا تمادى  الجمعان  في غيهم وتسقيط بعظهم للبعض الاخر تحت راية فلان وعلان ولاغراض سياسية لعينة واجندات غريبة ،  عبر  انتاج المزيد من الولايات المتناثرة ، فانه تبعا لذلك  سيكون العراق ارضية مفتوحة   للاقتتال الطائفي والاثني ،  هذا ان لم تاخذ حكومة العبادي المثقلة بتراكمات التي سبقتها مجاعة وفرزا طائفيا وسجونا ومعتقلات ان لم تتراجع وتضع نفسها على مسافة واحدة بين كل الطوائف والاثنيات وتكون وزارة لكل العراقيين تعامل اهل البصرة بالحسنى مثلما تعامل الانبار  وبما يهدأ من خواطر النفوس ،ولكن لو استمر الغي والعناد  فانه من المتوقع  ان  يصبح العراق  بكامله   مناطقا متنازعا  عليها..وبدلا من مادة واحدة متنازع عليها ستكون لنا تبعا لذلك مائة مادة وعلى غرار ال140 وربما اكثر..؟

   ولوافترضنا ان سياسة الامر الواقع  اتت اكلها مُرةَ وبرزت  للوجود الولايات العراقية المتناثرة ، فان محافظات لاحصر لها ستولد من رحم هذه الكارثة، وان علما اتحاديا  مهما تباعدت اطواله لن يستطيع حمل نجيمات محافظات عراقية واقاليم هي الولادات المسخ التي ستفرزها هذه اللعبة التي ستخلط الاوراق جميعها وهذا يعني تفكك العراق ..

.فيا ترى من سياخذ دور  الحطاب هنا ومن سيكون دور وقاد جهنم لواحترقت الارض العراقية جميعها في منازعات لا اول لها ولا نهاية حول مصادر الطاقة والنفط والمياه وورسوم المنافذ الحدودية  ودور عبادة ومزارات ورموز دينية   واثار وحتى على شوارع قد يقتسمها المتنازعون بل وبعض الحالمين  بالاستقلال  ممن يروم  بعظهم الالتصاق بدول جوار، تعد عُدتها وحُصن فارس  تتهيأ لليوم الموعود ..؟

    وسلاما على العراق  ويا اهلنانحن الحاملين قلوبنا على اكفنا ستضل تهتف لك موطني ..موطني ..سلاما  ان بقي لنا اسم اوحضارة ..ان طمسوا اثرا واحدا منك ،  طالما ان كل   ضلع فينا يحتويه عصف انين  على الم دائم وعلم امة  اصبحت جاهزة للتقسيم .. وانقاض دويلات  بدات تنهض تباعا  من تحت غبار حروب قومية وطائفية فمتى نكبر ونضمد جراحنا وننهض من كبوتنا القاتلة .. ونعود  الى الجمهورية العراقية..الواحدة الموحدة..

{ كاتب مستقل من العراق

eltabkchli@yahoo.com