إشكالية الإنتقال الديمقراطي

إشكالية الإنتقال الديمقراطي

دخلت إشكالية الانتقال الديمقراطي ميدان الفكر السياسي المعاصر، في العقدين الأخيرين، بقدرٍ هائل من القوة والكثافة لا يوازيه سوى غيابها التام في مجال التأمل السياسي قبل ربع قرن..! يتعلق الأمر – إذاً- بأنعطاف فكري حاد في أنماط مقاربة السياسي والمسألة السياسية في وعي النخب التي أنصرفت إلى إنتاج معرفة نظرية بهما. لكنه يتعلق – بالقوة نفسها – بإكتشاف غير مسبوق لمنطقة جديدة من الرهانات من لدن المشتغلين في حقل السياسية من فاعلين (سياسيين) شبّوا وترعرعوا على أفكار لم تكن تتسع –  في ما مضى- للفكرة السلمية عن (التغيير والبناء الديمقراطي) في الحالين، نحن أمام كيفية جديدة لوعي المجال السياسي، وأمام أسلوب جديد لممارسة السياسة وللسعي إلى السلطة. ومن نافل القول إن هذه الجدّة-في الصعيدين معاً: النظري والعملي- تتصل، حصراً، بمجتمعات (الجنوب) التي لم يسبق أن (جرّبت) السير في ستراتيجيا سياسية من النوع الذي يفتحه الإيمان بإمكانية تحقيق الانتقال السياسي الديمقراطي السلمي، وهو ما لا ينطبق على قسم عظيم من مجتمعات (الغرب) عَبَر إلى الديمقراطية عبوراً طبيعياً، ودون صدمات..!  إزاء هذا الموضوع، يستحسن – أبتداء- إلى تعريف معنى (الأنتقال الديمقراطي)، وما ينطوي عليه استعماله – اليوم- من دلالات، مثلما سنكون مدعوين إلى تعيين الشروط (التحتية) التي تؤسس لإمكانية تحققّه التاريخي، فضلاً عن جملة العوامل التي تبرّر القول بأن آلية الأنتقال الديمقراطي باتت تفرض نفسها كآلية حاكمة –  أو ناظمة- لمسار التطور والأشتغال في الحقل السياسي داخل قسم من البلاد العربية المعاصرة، يتعلق الأمر – إذاً- بتعريف الجغرافية الدلالية لمفهوم الانتقال الديمقراطي، وتعيين الجيولوجيا السياسية لذلك الانتقال،ثم تبرير (تاريخية) هذا الانتقال في المجال العربي..! قبل أي حديث ممكن عن عوائق وممكنات ذلك الانتقال عربياً. وهناك شروط تدعى بالجيولوجيا السياسية للانتقال، هي على نحوٍ حصري، قيام ثقافة سياسية جديدة لدى السلطة ولدى المعارضة على السواء، تسمح ببناء وعي جديد بالمجال السياسي وبعلاقات السلطة داخل المجتمع، وليست تلك الثقافة الجديدة، التي نعني، سوى ثقافة الانتقال الديمقراطي ذاته. تعبر هذه الثقافة السياسية عن نفسها من خلال منَحْنيّن: المنحى الأول: فهو ذاك الذي يمنح الثقافة السياسية إياها صفة السياسة، إذ يحرر مفهوم السياسة ذاته معناه (الوحشي)  يماهي بينها وبين الحرب، أو يتصور التناقض بين المصالح، وهو قاعدة كل عمل سياسي –  مبرّراً لممارسة العنف والإفناء دفاعاً عن المصلحة..! لكي يعيده (المفهوم) إلى وضعه الطبيعي، أي إلى تعريف السياسة كمنافسة (مدنية نظيفة) من أجل تحصيل الحقوق وإدارة التوازن بين المصالح. وأما (المنحى) الثاني، فهو ما يمنح الثقافة السياسية تلك، صفة (الجدّة) من حيث هو يطُوَقُ غريزة (التفرّد) و(الاحتكار) في السياسة بواجبات مراعاة الأطراف الأخرى في الحقل السياسي، والاعتراف بها، وتقديم بعض التنازل الموضوعي لها عند الاقتضاء، إنه المنحى الذي يعيد فيه الثقافة السياسية مراجعة تقاليدها التسلطية والشمولية، كي تتحلى بقيم العدالة في توزيع السلطة. وغني عن البيان أن مفهوم السياسة والسلطة، بهذا المعنى، يعيد تعريف الشرعية السياسية بوصفها تلك التي تتحّصل برضا الشعب وحرية أختياره، من حيث هو مصدر السلطة والتشريع في النظام المدني الحديث، وليس بوصفها حاصل (أمتياز) ما: عرفي، أو فئوي، أو ثيولوجي، أو أيديولوجي…الخ. من ذلك نتبيّن كثيراً من الأسباب الموضوعية الحاملة على الاعتقاد في أن هذا الانتقال ليس مجرد ضرورة اليوم، فحسب، بل إمكانية واقعية في بعض البلدان العربية.

معتصم السنوي