أمـيـر الـظـلام – مقالات – عبدالزهرة الطالقاني

عين الزمان

أمـيـر الـظـلام – مقالات – عبدالزهرة الطالقاني

قد يتصور بعضنا ان المنتمين الى تنظيم داعش الإرهابي هم مجموعة ساذجة من القتلة الشاذين ،  الذي تلقوا أفكارا متطرفة ، وخضعوا لتدريبات عنيفة من اجل تحقيق الأهداف المرسومة للتنظيم . لكن المعلومات عندما تكشف تظهر لنا أمورا من الضروري التعرف عليها في وقت مبكر.فعندما قُتل مصمم الدولة الإسلامية ترك خلفه سراً أراد أن يبقيه كذلك .. وهو مُخطط دولته، إنه ملف يضم العديد من الجداول التنظيمية المكتوبة بخط اليد ، والقوائم التي تبين كيفية إخضاع دولة ما تدريجياً. كنز من المعلومات حصلت عليها صحيفة شبيغل في تحقيق استقصائي غاية في الخطورة . صفحات الملف الواحدة والثلاثين التي تم لصق بعضها ببعض. تُبين تلك تركيباً معقداً ، وتوجيهات تم اختبار البعض منها ، والبعض الآخر تم استحداثه للسيطرة على الفوضى التي حلت في مناطق سيطرة تنظيم داعش . ويمكن اعتبار هذه الوثائق مرجعاً لجيش إرهابي يكاد يكون الاكثر اجراما في التاريخ الحديث .ان مقولة اعرف عدوك هي خير دليل لنا للقضاء على التنظيمات الإرهابية التي أصبحت الهدف الأول والخصم الأول ، فلا بناء ولا استقرار ولا أمان ، الا بالقضاء التام على هذه التنظيمات الاجرامية . ومن أولويات التعرف على العدو ، معرفة قادته وخلفياتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية ، بل حتى تلك المعلومات المتعلقة بالوضع النفسي السيكلوجي والقدرات الشخصية ، فمن منا يعرف مؤسس داعش .. وكيف رسم سيناريو هذا التنظيم الاجــرامي .تشير المعلومات المتوفرة ان اسمه الحقيقي (سمير عبد محمد الخليفاوي) وهو عراقي الجنسية، تغطي ملامح وجهه النحيل لحية بيضاء، لكن لم يكن يعرفه أحد بذلك الاسم، حتى اسمه الحركي الأكثر شهرة – حجي بكر- لم يكن معروفاً على نطاق واسع ،  كان عقيداً سابقاً في مخابرات الدفاع الجوي لنظام صدام ،  وكان يعمل على إنشاء الدولة الإسلامية في السر.لقد اتخذ بكر منزلاً عادياً غير مميز ليسكنه في (تل رفعت) شمال حلب بسوريا . وقد كان اختياره للمدينة محسوباً. ففي الثمانينيات من القرن الماضي هاجر العديد من سكانها للعمل في دول الخليج وبالأخص المملكة العربية السعودية. ثم عادوا حاملين معهم أفكارهم وصِلاتهم المتطرفة. وبذا أصبحت (تل رفعت) معقلاً حصيناً للدولة الإسلامية عام 2013 فهي بيئة مناسبة وتضم مئات الارهابيين المتمركزين فيها.  المعلومات المستقاة من صحيفة المانية تشير الى ان – أمير الظلام؛ – كما يحلو للبعض أن يسميه –  قام برسم بنيان “الدولة الإسلامية” من قمته حتى قواعده المحلية في المدن، ونظم قوائم تتناول التغلغل في القرى وتحدد المشرفين والعاملين .من هنا نجد انه عبثا محاولة حصر المشكلة بالجانب العسكري على أهميته ، فما لم ندرك كيف نشا تنظيم داعش ، وكيف يمول ، وكيف يقنع المنتمين اليه بافكاره المتطرفة ، وكيف يتمكن منهم ، فان الجهود العسكرية تذهب سدى ، وان المعارك تصبح كرا وفرا ، وهي معارك استنزاف للموارد البشرية والمالية ، واضعاف للقدرات والمعنويات العسكرية. بل ان الجهد الاستخباري يلعب دورا اساسيا في حسم المعارك .فقصة الوثائق التي تم الحصول عليها في وقت لم يسمع فيه العديد بالدولة الإسلامية بعد تبدأ عندما سافر حجي بكر العراقي الجنسية إلى سوريا في أواخر عام 2012  ، كان يحمل معه خطة تبدو غريبة ، ألا وهي أن تستحوذ الدولة الإسلامية على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي، ومن ثم تتخذها منصة لتغزو منها العراق . وعلينا ان نتصور لو ان تلك الوثاق وقعت بيد المخابرات العراقية حينها كيف يمكن ان تكون معركة الموصل التي لم تخضها القوات العراقية.ان التنظيم الذي استطاع ان يجند المئات من المرتزقة من دول الرفاه الأوربي ، ليجيئ بهم الى الصحراء والجحور والكهوف ، انما نجح في ذلك كونه يمتلك مقومات الاستمرار لفترة ما ، وانه مازال قادرا على اقناع الاخرين،  وربما تتسع دائرة  الاقناع لتشمل دولا واشخاصا اخرين .وقد اتاحت وثائق حجي بكر الفرصة لأول مرة لاستنباط الاستنتاجات عن قيادة تنظيم داعش ، وعن دور المسؤولين في حكومة الديكتاتور السابق صدام فيها. والأهم من ذلك كله أنها بينت كيف تم التخطيط للاستيلاء على شمال سوريا ، ما مهد الطريق أمام المجموعة للوصول إلى العراق . إضافة إلى ذلك اتضح بعد أشهر من البحث الذي قامت به شبيغل في سوريا أن تعليمات حجي بكر قد تم تنفيذها بدقة متناهية حسبما بينت الوثائق الجديدة التي حصلت عليها .هناك قتلى لداعش من المانيا وبريطانيا وفرنسا ، سوى اولئلك الذين ياتون من البلاد العربية خاصة السعودية ودول شمال افريقيا ، تونس والجزائر وليبيا والمغرب ، إضافة الى اليمن وفلسطين والأردن . وهذا يعني ان هنك قدرة للتنظيم لكسب مؤيدين ومرتزقة . لكن شدة الغموض حول قياداته منع من الكشف عنها والتعرف عليها ، ففي الواقع حتى أولئك الذين أطلقوا النار على الرجل الطويل الخمسيني – حسب وصف الصحيفة – وقتلوه عقب مواجهة قصيرة في مدينة (تل رفعت) في يناير عام 2014 لم يعوا هويته، ولم يدركوا أنهم قتلوا المخطط الاستراتيجي للمجموعة التي تسمي نفسها +الدولة الإسلامية؛، وقد حظوا بتلك المعلومة نتيجة خطأ نادر ، لكنه “قاتل” من قبل المخطط الفذ، من هنا فنحن بحاجة ماسة الى معلومات واسعة عن بدايات هذا التنظيم ، وعن مؤسسه ، واهدافه ، وكيف نشأ ، وأين ومتى ، ولماذا وماذا بعد ان أثبت وجوده بقوة عند احتلاله الموصل.