أغنية المساء- رويدا ابراهيم

رويدا ابراهيم

أمس‭ ‬بقيت‭ ‬الشموع‭ ‬مضاءة‭ ‬في‭ ‬الممر‭ ‬الطويل،،‭ ‬الذي‭ ‬يطل‭ ‬على‭ ‬الباحة‭ ‬الداخلية‭ ‬لذلك‭ ‬الركن‭ ‬من‭ ‬المنزل‭ ‬الذي‭ ‬تضطرب‭ ‬ارجاؤه‭ ‬وتتبعثر‭ ‬موجوداته‭….‬

تقاطعت‭ ‬فيه‭ ‬زوايا‭ ‬انكسار‭ ‬الضوء،‭ ‬،،مع‭ ‬انكسار‭ ‬ضوء‭ ‬القمر‭ ‬الساطع‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬مقمرة‭ .‬

متكورة‭ ‬بسوادها،‭ ‬وقد‭ ‬اتكات‭ ‬الى‭ ‬الجدار‭ ‬،،وكفيها‭ ‬الى‭ ‬السماء،‭ ‬،،وشلال‭ ‬النور‭ ‬يسترسل‭ ‬منحدرا،،‭ ‬من‭ ‬صفح‭ ‬الليل‭ ‬القلق،،،‭ ‬خرز‭ ‬سبحتها‭ ‬الفضية‭ ‬تتشابك‭ ‬مع‭ ‬اصابعها‭ ‬تشع‭ ‬بقبس‭ ‬من‭ ‬ضياء‭ ‬القمر‭ …‬تراقب‭ ‬الساعة‭ ‬التي‭ ‬ترتجف‭ ‬عقاربها‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭ ‬تجبرها‭ ‬تلك‭ ‬الارقام‭ ‬المتعاقبة‭ ‬في‭ ‬وئد‭ ‬المسمى‭ ‬بالوقت‭ …..‬

قالت‭ ‬في‭ ‬نفسها‭ :‬ايها‭ ‬الليل‭ ‬القلق‭ ‬انا‭ ‬امنت‭ ‬اليك‭ ‬بدون‭ ‬جدل‭ ..‬

لم‭ ‬تسمع‭ ‬صدى‭ ‬من‭ ‬الليل‭ ‬ولكن

رد‭ ‬اليها‭ ‬صًوت‭ ‬الساعة‭ ‬البطيء‭ ‬قائلا‭ :‬

لاتهتمي‭ ‬انها‭ ‬مسألة‭ ‬وقت‭ ….‬

الجدار‭ ‬مزدحم‭ ‬بصور‭ ‬من‭ ‬ملامحها‭ ‬السعيدة‭ ‬باحتكام‭ ‬الوقت‭ ‬اليه‭..‬

قالت‭ :‬حتى‭ ‬ان‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬اسمه‭ ‬الموت‭…‬

فانت‭ ‬لاتهتمين‭ ‬سينتهي‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬يوما

ينسحب‭ ‬قبس‭ ‬النور‭ ‬ليطغي‭ ‬على‭ ‬السحنة‭ ‬البرونزية‭ ‬المائلة‭ ‬الى‭ ‬السمرة‭ ‬القاسية‭ ‬وجهها‭ ‬المميز،‭ ‬وعيناها‭ ‬شبه‭ ‬مقفلتين‭ ‬كحجرين‭ ‬فيروزيتين‭ ‬تتقدان‭ ‬،بدفء‭ ‬الصيف‭ ‬الحار،،‭ ‬كاشفة‭ ‬مقدمة‭ ‬راسها‭ ‬تصدع‭ ‬سوادشعرها‭ ‬القاتم‭ ‬ببياض‭ ‬خجول‭.. ‬تتمتم‭ ‬بالادعية،‭ ‬والصلوات‭ ‬،تتوالى‭ ‬وتتراقص‭ ‬لهيب‭ ‬الشموع‭ ‬في‭ ‬الارجاء‭ ‬مع‭ ‬عطر‭ ‬البخور‭ ‬الهندي‭ ‬الذي‭ ‬ينبعث‭ ‬من‭ ‬الغرفة‭ ‬التي‭ ‬بابها‭ ‬يطل‭ ‬الى‭ ‬الباحة‭ ‬الصغيرة‭ ‬للبيت‭ ‬نهاية‭ ‬الباحة‭ ‬مكان‭ ‬اشبه‭ ‬بخميلة‭ ‬شقية‭ ‬وسط‭ ‬هذا‭ ‬الضياع‭ ‬من‭ ‬الاجزاء‭ ….‬

اشبه‭ ‬بطقوس‭ ‬جنائزية‭ ‬كالعادة

اتكات‭ ‬المراة‭ ‬الخمسينية‭ ‬الى‭ ‬الحائط‭ ‬البائس‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الاثناء

انفرج‭ ‬الباب‭ ‬الخارجي‭ ‬قليلا‭ ‬،الى‭ ‬الوراء‭ ‬ليلج‭ ‬قطع‭ ‬من‭ ‬هياكل‭ ‬سوداء‭ ‬،،من‭ ‬نصف‭ ‬الباب‭ ‬المفتوح‭ ‬للزقاق‭ ‬،الذي‭ ‬تتكدس‭ ‬،بالمنازل‭ ‬والتي‭ ‬تلوح‭ ‬عطر‭ ‬ازهار‭ ‬النارنج‭ ‬في‭ ‬فسيح‭ ‬الزقاق‭ ‬المكتظ‭ ‬بالكائنات‭ ….‬تلك‭ ‬الكائنات‭ ‬التي‭ ‬تعبث‭ ‬باقدارها‭ ‬في‭ ‬سكون‭ ‬الظلام‭ ‬الذي‭ ‬يدس‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ …‬

اولئك‭ ‬الذين‭ ‬يخرجون‭ ‬ويعودون‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬الى‭ ‬روتينهم

جلست‭ ‬الهايكل‭ ‬البشرية‭ ‬حولها‭ ‬وهي‭ ‬تلتف‭ ‬بسوادها‭ ‬كلهيب‭ ‬شمعة‭ ‬تتراقص‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬المكان‭ ‬ترسم‭ ‬على‭ ‬الجدران‭ ‬ظلالها‭ ‬حيث‭ ‬بقايا‭ ‬رسومات‭ ‬لصغار‭ ‬من‭ ‬اعراس‭ ‬ونجوم‭ ‬وقطط‭ ‬تموء‭ ‬بجوار‭ ‬نخلة‭ ‬تراخت‭ ‬سعفاتها

نظرت‭ ‬الواحدة‭ ‬للاخرى‭ ‬في‭ ‬وسطالباحة‭ ‬وتلعثمن‭ ‬بالعبارات

قامت‭ ‬احداهن‭ ‬لتأدية‭ ‬طقوس‭ ‬راقصة‭ ‬تنحدر‭ ‬من‭ ‬جسد‭ ‬التاريخ‭ ‬المترهل‭ ‬حيث‭ ‬شبكت‭ ‬كفيها‭ ‬واخذت‭ ‬تضرب‭ ‬بهما‭ ‬فوق‭ ‬صدرها‭ ‬المترهل‭ ‬تحت‭ ‬السواد‭ ‬مع‭ ‬همهمات‭ ‬صادرة‭ ‬من‭ ‬رئتيها‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬انضمت‭ ‬بقية‭ ‬النسوة‭ ‬الجالسات‭ ‬اليها‭ ‬حيث‭ ‬تشكلت‭ ‬حلقة‭ ‬من‭ ‬الاداء‭ ‬التعبيري‭ ‬الراقص‭ ‬للحزن‭ ….‬

شعرت‭ ‬برعشة‭ ‬وسط‭ ‬هذه‭ ‬اللوحة‭ ‬المترجلة‭ ‬قالت‭ :‬

توقفن‭ …‬دعوني‭ ‬انضم‭ ‬اليكن‭ ‬توقفت‭ ‬النسوة‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬مسرحي‭ ‬ايمائي

تلوح‭ ‬الزهرة‭ ‬الحمراء‭ ‬للقمر‭ ‬فوق‭ ‬جبينه‭ ‬كانها‭ ‬الخميلة‭ ‬الصغيرة‭ ‬والجرح‭ ‬غائر‭ ‬عميقا‭ ‬كبركان‭ ‬من‭ ‬الحمم‭ ‬،،،واذا‭ ‬نظرته‭ ‬عميقا‭ ‬كعمق‭ ‬الليل‭ ‬ساكن‭ ‬كطفل‭ ‬وليد‭ …..‬

يداه‭ ‬هادئتان‭ ‬فوق‭ ‬صدره‭ ‬،،،ولعلها‭ ‬المرة‭ ‬الاولى‭ ‬التي‭ ‬يسكن‭ ‬فيها‭ ‬كجدول‭ ‬رقراق‭ ‬يلفه‭ ‬الابيض‭ ‬مثل‭ ‬بهاء‭ ‬الشمس‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬فوق‭ ‬المنازل‭ ‬المنخفضة‭ ‬المنازل‭ ‬التي‭ ‬تنسكب‭ ‬فيها‭ ‬الشمس‭ ‬من‭ ‬الشقوق‭ ‬والفتحات‭ ‬لاتحتاج‭ ‬الى‭ ‬نوافذ‭ ‬تنكسر‭ ‬عند‭ ‬الظهيرة‭ ‬لترسم‭ ‬خيوطا‭ ‬وهمية‭ ‬وتغادر،،‭ ‬في‭ ‬المساء‭ ‬كانثى‭ ‬تتهيؤ‭ ‬لزفافها‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي

هكذا‭ ‬تصمت‭ ‬الانفاس‭ ‬في‭ ‬مهابة‭ ‬الموت‭ ‬،،

وتنطلق‭ ‬المدامع‭ ‬كخيول‭ ‬جامحة

الصمت‭ ‬،الخوف‭ ‬،الرهبة،

قد‭ ‬يكون‭ ‬القرب‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والمسمى‭ ‬الاخر‭ ‬بالموت‭ ‬بسيطا

تلمست‭ ‬المراة‭ ‬الخمسينية‭ ‬اطرافه‭ ‬الساكنة‭ ‬لاجدوى‭ ‬،من‭ ‬هذا‭…..‬

سكنت‭ ‬فوق‭ ‬صدره‭ ‬وحولها‭ ‬ضجيج‭ ‬كثير‭ ‬عجلات‭ ‬تذهب‭ ‬وتجيء‭ ‬اصوات‭ ‬المارة‭ ‬صراخهم‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬المنزل‭ ‬يجلس‭ ‬جميلا‭ ‬تحيطه‭ ‬الشموع‭ ‬في‭ ‬شموخ

شفتاه‭ ‬تنفرجان‭ ‬عن‭ ‬ابتسامة‭ ‬صغيرة‭ ‬تهرول‭ ‬نحوه‭ ‬تتعثر‭ ‬باذيال‭ ‬ثوبها‭ ‬تركع‭ ‬على‭ ‬ركبتيها‭ ‬يختفي‭ ‬هناك‭ ‬خلف‭ ‬النافذة‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬اصيص‭ ‬ورد‭ ‬الداوودي‭ ‬التي‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬باحة‭ ‬المنزل

هناك‭ ‬تضع‭ ‬يدها‭ ‬فوق‭ ‬الزهرة‭ ‬الصغيرة‭ ‬تحت‭ ‬المطر‭ ‬ترتجف‭ ‬اوراقها‭ ‬الناعسة

ترتجف‭ ‬اعداد‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬نساء‭ ‬الحي‭ ‬يجلسن‭ ‬حولها‭ ‬تتساقط‭ ‬من‭ ‬مقلهن‭ ‬امطار‭ ‬،،بحبات‭ ‬كبيرة‭ ‬ترتجف‭ ‬تلتف‭ ‬حول‭ ‬نفسها‭ ‬كوردة‭ ‬ثرية‭ ‬ثم‭ ‬تسافر‭ ‬في‭ ‬خوف‭ ‬لقد‭ ‬وجد‭ ‬الجسد‭ ‬منتاه‭ ‬تحت‭ ‬الثرى‭ ‬واستقر‭ ‬هادئا‭ ‬ساطعا‭ ‬كشمس‭ ‬الحقيقة

المقبرة‭ ‬كبيرة‭ ‬كانوا‭ ‬منتشرين‭ ‬فيها‭ ‬يدسون‭ ‬الاجساد‭ ‬فيها‭ ‬فمها‭ ‬مفتوح‭ ‬وبشهية‭ ‬الاجساد‭ ‬الرطبة

خارج‭ ‬المقبرة‭ ‬ابتسمت‭ ‬وهي‭ ‬تنظر‭ ‬الى‭ ‬صبي‭ ‬صغير‭ ‬يفترش‭ ‬الرصيف‭ ‬وبملابس‭ ‬متسخة‭ ‬يخفي‭ ‬تحت‭ ‬ردائه‭ ‬ديكا‭ ‬يافعا‭ ‬يبدو‭ ‬انه‭ ‬يتدرب‭ ‬على‭ ‬الصياح‭ ‬كلاهما‭ ‬فتيان

اخفى‭ ‬الطفل‭ ‬الصغير‭ ‬وجهه‭ ‬خجلا‭ ‬من‭ ‬نظرات‭ ‬المراة‭ ‬المتوشحة‭ ‬بالسواد‭ ‬اقتربت‭ ‬منه‭ ‬دست‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬ملابسه‭ ‬قطعا‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬بدا‭ ‬الولد‭ ‬مسرورا‭ ‬وضع‭ ‬امام‭ ‬ديكه‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬التهمه‭ ‬بسرعة‭ ‬ضحك‭ ‬الاثنان‭ ….‬

امتزج‭ ‬صوتهما‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوح‭ ‬مع‭ ‬بقايا‭ ‬الشمس‭ ‬التي‭ ‬تنظر‭ ‬الى‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬تودعه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المساء‭ ‬الغابر‭ ‬كباقي‭ ‬كل‭ ‬الامسيات‭ ‬قرب‭ ‬النهر‭ ‬المبجل‭ ‬التي‭ ‬تنطفىء‭ ‬فوق‭ ‬بريقه‭ ‬اضواء‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تتدرب‭ ‬على‭ ‬الموت‭ ‬ككل‭ ‬مرة‭ ‬تلقى‭ ‬فوق‭ ‬صدرها‭ ‬وتتحمل‭ ‬وزر‭ ‬الدفن‭ ‬هي‭ ‬لاغيرها‭ ….‬

اجهشت‭ ‬المرأة‭ ‬بالبكاء‭ ‬وهي‭ ‬تراقب‭ ‬هفوات‭ ‬الطفل‭ ‬مع‭ ‬طائره‭ ‬اليانع،،‭ ‬قفزاته‭ ‬فوق‭ ‬الرصيف‭ ‬بريء‭ ‬هو‭ ‬لايعرف‭ ‬لعبة‭ ‬الموت‭ ‬وهو‭ ‬يلتهم‭ ‬قطع‭ ‬السكر‭ ‬والسوائل‭ ‬تتدافع‭ ‬من‭ ‬فمه‭ ‬ينظر‭ ‬الى‭ ‬العالم‭ ‬كحيوان‭ ‬بريء

نظر‭ ‬الى‭ ‬المرأة

تفوه‭ ‬ببضع‭ ‬مفردات‭ ‬خرجت‭ ‬مضطربة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬اسنانه‭ ‬المشوهة‭ ‬قائلا‭:‬

احتفظي‭ ‬بالباقي‭ ‬لابنك‭ ‬ياسيدتي‭ …..‬

اجابت‭ ‬المراة‭ ‬انت‭ ‬ابني

تعجب‭ ‬الولد

اجاب‭ ‬قائلا

بسرعة‭ ‬والله‭ ‬ولكني‭ ‬لا‭ ‬اعرفك‭ ‬سيدتي

وكيف‭ ‬انا‭ ‬ابنك‭……‬؟