أزمة الديمقراطية
نوماس الشاطي
الحديث عن الديمقراطية يثير الشجون ويبعث الالم ويأخذنا الى متاهات اللاوجود . يحدث فينا اسىً يستديم في مفاصل الحياة ويؤرقنا حيث لا منفعة ترتجى ولا املا يلوح في الافق…عشر سنوات مرت والفوضى عارمة والالم يستطيل والدولة المنتظرة تحبو حيث لا امنا ولا سيادة ولا حياة . احلام وامال والام مضى عليها الزمن واستأصلت في النفوس حياتنا فقدت معناها . هناك من رحل يسكنه الالم ويتملكه اليأس حتى في ثراه . وجع موروث مستدام يستحضر التاريخ كلما بدأت الحياة حيث الصراع والثأر وسحق الاخر واجتثاث اللاحق من السابق حتى انطبق علينا قول الله تعالى (كلما جاءت امة لعنت اختها) ابتدأنا بتاريخ مزقته الحروب وسلطة اسموها حكومة . دولة بدأت مطلع العشرينيات وانتهت الى ضياع وتيه والم وفوضى عارمة في الالفية الثالثة حيث تنسحق امة بإرادة ابنائها وتتلاشى بين عشية وضحاها الشعب يبحث عن نفسه في كل لحظة حيث لا هوية ولا عنوان النظام ديمقراطيَ وابواب البلد مشرعة ، والعملاء جاهزون يتناسبون في كل لحظة وينضحون طائفية وعرقية .صراع زرعته الة الحرب وغذته قوى اقليمية لحسابات كانت مؤجلة لسنين مضت . الهوية الوطنية صارت شبهة..الهويات الفرعية تتحدث وتظهر كلما اشتدت الخطوب. المشروع الوطني شعار فقد لونه وطعمه ومداه . الصراع يتناسل بغرائبية متنوعة وبأساليب عديدة ..هياكل للديمقراطية افرغت من محتواها وصارت منتديات لتأجيج الصراع وتأليب الشارع وفتح الجراحات كلما اندملت اغراب تسيدوا لا يملكون مؤهلات الا الطائفية سلاحا يشهر كلما تقاربت النفوس واستحضرت المشتركات الوطنية..العراق ومشروعه الوطني في خبر كان حتى وصل الحال ولشديد الاسف الى ان مدنا ومحافظات دخلت على خط المواجهة ونادت بالمحاصصة لتأخذ حصتها من جسد الوطن المسجى في مزاد الصراع والمنافع. نواب الصدفة وبرلمانيو التوافق واناس لم يشهدوا اي انتخابات الا انهم من العشرة المبشرة مضروبا في مئة انتدبوا ليشكلوا اصواتا تتعالى كلما استدعت الحالة. اناس لم يدركوا بعد معنى الموقع النيابي واهميته ومسؤوليته راحوا يبحثون عن المناصب الوزارية لا لان المنصب الوزاري اكثر اهمية بل ان المنصب يعني لديهم موردا ماليا عاليا. وفرص الاستغلال للمال العام اكثر بكثير.. وما احتدام الصراع بين الكتل والمكونات الا دليل على ذلك. فهذه الوزارة اكثر ريعا من تلك وفق حسابات الربح والخسارة ويكون مورد المكون محسوبا على هذه الاعتبارات حتى وصل الامر الى الصراعات المناطقية فالمحافظة الفلانية تبحث عن وزارة او اكثر والا فسيكون التهميش والاقصاء والتهديد وقطع الطرقات شعارا وعملا مشروعا (تلك دعواهم ) فالممارسة ديمقراطية في نظرهم. وكان الوزير لا يعمل بخطة او برنامج او ان يكون وزيرا لكل العراق ضمن خطة وزارية معدة ومتفق عليها . اللهم الا ان تكون الوزارة بنظرهم اقطاعات مدفوعة الثمن تم الاتفاق عليها انفا . وعلى ذلك اقتضت المصلحة الوطنية في خضم هذا الصراع الكارثي ان تطرح عدة تساؤلات للوصول الى الاجابات الناجعة لإراحة الضمير وازالة الهم المتأصل في النفوس ولنا ان نتساءل: هل القصور في النهج الديمقراطي؟ هل في السلطة المركزية ؟ ام ان هناك تقاطعات واحكاماً وقناعات فئوية طائفية استدعت التاريخ وجعلته مرجعا دافعا الى هذا التشضي وهذا التقاطع والذي انعكس سلبا على مؤسسات الدولة ونظامها الديمقراطي حتى باتت عرضة للانهيار والتشرذم طيلة تاريخنا العتيد . والذي لم ينعم بدولة بالمعنى الصحيح ..العراق شعب مركب اجتماعيا مكون من قوميات رئيسية ثلاث اتكأت على مرجعيات اقليمية طائفية وعنصرية عملت على ادامة الصراع وجعلته اساسا لكل حقب التاريخ . فهو صراع ازلي لم يعالج بروية واناة ولم تحدد متطلبات هذه الفئات بمرونة حقيقية ومعالجات جذرية . اضف الى ذلك ان هذه القوميات بنيت على معتقدات جغرافية تاريخية تجذرت ومنذ مطلع التاريخ . وفق هذا التوصيف (الجيوسياسي ) اصبحت الحاجة للنظرية الديمقراطية للحكم جد اساسية وضرورية بالمفهوم العلمي الدقيق شريطة ان يقابلها وعي مجتمعي لا يخضع للإملاءات الاقليمية والدولية صاحبة الاطماع الواضحة والازلية والتي تشكلت عبر تاريخ طويل . يذكر المؤرخون للشأن العراقي بمكوناته المتعددة ان التركيبة المجتمعية في العراق تشير الى وجود ثلاث قوميات اساسية بنسبها ونفوسها ومناطقيتها الاقليمية والجغرافية حيث يذكر القاضي الدكتور محمد عمر مولود في كتابه : الفدرالية /(العراق نموذجاَ )/ ان القومية العربية تشكل الغالبية العظمى من السكان وحسب احصاء عام 1947 م حيث شكلت ما نسبته 71، 1 بالمئة اما المؤرخان (حنا بطاطو) في كتابه (الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية ) وكذلك المؤرخ عبد الرزاق الحسني في كتابه (العراق قديما وحديثا ) يؤكدان ان نسبة العرب بلغت حسب احصاء عام 1977م ما نسبته 78، 1 بالمئة من مجموع السكان ويسكنون في وسط وجنوب العراق واجزاء من الشمال . ثم يؤكد القاضي محمد عمر مولود وعبد الرزاق الحسني وليث عبد الحسن الزبيدي ان نسبة العرب حسب احصاء عام 1977وصلت الى ما يزيد على 81، 79 بالمئة من مجموع السكان ، اما القومية الثانية فهم الكرد حيث يؤكد محمد عمر مولود في كتابه اعلاه ان نسبتهم في احصاء 1977م تراوحت ما بين 16، 04 بالمئة الى 16، 05 بالمئة وعلى ذلك تكون هذه النسبة هي المعتمدة حسب الاحصاء المذكور . اما نسبة التركمان فيذكر انه حسب احصاء 1977م بلغت نسبتهم 1، 16 بالمئة . اما المكونات الاخرى من المسيحيين والنساطرة (الكلدان . الاثوريين . الارمن ) بلغت نسبتهم 3، 1 بالمئة وهذه النسبة موضع شكوك كون ان هذه الاقليات شهدت نزوحا وهجرات متكررة بأسبابها المعروفة اثرت على تضاؤل نسبتهم في العراق . على ضوء هذه الاحصاءات الرسمية والوثائق المعتمدة دوليا نستنتج ان نسبة العرب تزيد على 80 بالمئة من السكان وهم يشكلون الغالبية العظمى ويتمددون على مساحة الوطن ارضا وجغرافية وتاريخا وانسانية وعلى ذلك ينبغي ان تكون نسبة توزيع الدخل القومي وفق هذه الاحصاءات بعيدا عن الاقصاء والتهميش والحرمان والظلم اذا ما اعتمدت بشكل علمي دقيق وبما ان مكونات الشعب العراقي قد تشاركت بكل انواع الحرمان ومسمياته واشكاله ولقرون طويله فسوف لن يكون هناك مسوغ لادعاءات البعض لان الحيف قد طال الجميع.. ان التوزيع الحقيقي للثروة الوطنية يتطلب الدقة والموضوعية لاحتساب النسب المعيارية المعتمدة دوليا ومحليا حتى لا نضع اساسا او حجة لدعاة الانفصال والفدرالية والانقسامات الفئوية قاطعين الطريق على الاطماع والتدخلات الاقليمية والدولية لان العدالة في توزيع الثروة الوطنية تجعل الطريق سالكا لمرور الممارسات الديمقراطية بكل يسر وشفافية . ان تقريب مكونات الشعب العراقي بعضها من البعض الاخر وتعميق المشتركات الوطنية كفيل بفك الارتباطات الاقليمية والولاءات السابقة وتعمق الولاء للوطن وتجعله اشد وثوقا وارتباطا في النفوس والقلوب ليعود العراق عراقي الوجه واليد واللسان .


















