
أرشد العاصي ضد الصياغة التقليدية
جماليّة العنوان في كتاب العشق أسماء
وهيبة فتحي
يعتبر العنوان قطباً أساساً في العمل الأدبي، إنه يشكل مدخل التأدية الذي تتجمع فيه الإنقاد الموجد للعمل الإبداعي التي توضعُ في الدائرة ذات المزيّة التكثيفية لمجريات الوقع في طيّ البنية النصيّة، وإنطلاقاً من هذه الدائرة تتفرّق رؤى وتطلّعات القارئ التي يفشي من خلالها عن جمالية الصلة والتضافر بين عنوان العمل وبين تعاقب الإنساق في الأحداث المتضحة في دائرة ذلك العمل.
وللعنوان أهميّة وافرة الأثر والمآل في النتاج الأدبي من خلال إعتناء ومبالاة النقّاد وإهتمام القارئ بهذا الشطر من العمل الأدبي على أنه يمثل الشكل المكثف الذي يبلّغ القارئ عمّا يرغب أن يتفوّه بالوقائع ويأخذه إلى فضائه عبر تلميحات وإستنباطات ترتطم ببعض وتتداخل وتنشئ لوحة متكاملة لتضع القاريء قبالة مزاولة تفاعليّة وتجربة بالغة التأثر مع النص الأدبي، والمراد بهذه التجربة تلك التي يقوم بها القاريء كي يقف على جماليّات النص عن طريق التفكير القصيّ ومجموعة من الإجراءات التأمليّة والقرائيّة التي تكون بدايتها العنوان ونهايتها خاتمة العمل الأدبي.
وذلك معناه أن القارئ قد تيقّظ ومكثَ على نظرة إبداعية مُحدثة من خلال قراءته للنص مباشرة من العنوان.
العنوان هو البوابة الأولى للنص، كما أنه الأخيرة في نفس الوقت حين يقفُ القارئ عندها وهو ينظرُ إلى النص بشكلٍ كامل ليحدد مواطن الجمال التي أعربَ عنها العنوان قبل كلّ شيء، لهذا السبب فإن العنوان يمثل عنصراً اساسياً وحركة دائرية للعمل الأدبي.
وهذا الكتاب الأدبي الذي تحت أيدينا ليس من السهل تقديم قراءة مفصلة عنه بشكلٍ كامل، لذا سنتحدثُ عن جزئية معينة وهو ما أسلفنا الحديث عنه كديباجة موجزة قبل البدء بوضع يدنا على جمالية العناوين لهذا العمل الأدبي، ويكون في نقاطٍ عدّة.
النقطة الأولى: عنوان الكتاب
يعد عنوان أي كتابٍ أدبيّ أصل المنزلة الذي تتشكّل حولهُ جلّ مشاعر النصوص في الكتاب، ذلك إن العنوان الذي أراد الكاتب يكونَ نافذة كتابه ويربط معاني نصوصهِ وخواطره بالنصوص الأخرى، ولا شكّ أن معظم القراء يدركون ماهية ومعطيات العمل الأدبي للوصول إلى مغزى إنتقاء الكاتب عنواناً بالذات لكتابه، فيكشف القاريء ما وراء الكواليس لهذا الإختيار، وذلك يمثل علامة مهمة وإنعطافة مهيبة في التجربة الحياتية والحسيّة والفنيّة للكاتب، حيث يكون إصطفاء الأديب لهذا العنوان مثل جملة (إفتح يا سمسم) ليفتتح البابُ والدخول إلى ما يتجلّى من النصوص إحساسات جيّاشة وشعور لهيف والجمال الصرف ومعطيات ثقافية و روحية. وهذا ما حدث من خلال قراءتنا لكتاب (العشق أسماء) للأديب أرشد العاصي، إن جملة (العشق أسماء) تمثل الإختيار الأمثل من الأديب ليكون هويّة كتابهِ وهذا العنوان يحملُ في طيّاتهِ شيئاً من روائح النصوص والشذرات بحيث قطف من كل نصٍ زهرة يانعة ومن كلّ شذرةٍ وريقة خضراء، كما يحمل العنوانُ رؤية الأديب، إنه يتحدثُ عن نظرتهِ في ماهية العشق ويعيدُ تعريفه بقداسة، ولن يصغرهُ أبداً بل يحكي عن مجمل الفروع النابعة من هذا الأصل، ويعطي لكل الأسماء قيمتها الغالية برداء العشق. ونجد الفكرة الأساسية التي تكلمنا عنها في المقدمة بحيث أن البدء والإنتهاء مع العنوان، ونرى في خاتمة الكتاب حقيقة العنوان وهو يشدو عن الأسماء كافّة بأسلوب أدبي رشيق.
النقطة الثانية: الغلاف
إن من ينظرُ إلى كتاب (العشق أسماء) يرى في غلافه ثلاثة عناصر متداخلة بشكلٍ حصيف يعطي للقارئ الإلتفات نحوه دون ريب وتردد، فالغلاف يعد لوحة فنية مذهلة مكتملة الأركان ومعبرة عن جوهر الكتاب ألا وهو العشق، ويحوي الغلاف عناصر فنيّة باهرة ولافتة منحت الصورة حماسة ورومانسية، أما العناصر الثلاثة التي نشأت منها لوحة الغلاف فهي: صورة إمرأة فاتنة الحسن بعينين ساحرتين وضعت على رأسها طرحة شفيفة وظهرت غرّة شعرها الحالك ـ العنوان الذي جاء باللون الأحمر مع كيفية كتابة حرف (ع) في كلمة العشق بشكلٍ ملفت وكتابة كلمة (أسماء) غير متصلة ( أ س م ا ء) هكذا ـ اللوحة الكاملة للغلاف والتي طغت عليها اللون الأبيض والأسود بحيث يعطيك حنيناً كلاسيكياً وروحاً مفعمة بالنوستاليجا.
فالعنصر الأول إمرأة جميلة هو الإشارة إلى رؤية العاشق للمعشوقة بحيث ترى كلّ ما لكَ وفي قمة الهرم ينجلي العشق كلّه يذوب في عيون الغير أيّ المعشوقة. والعشق للمرأة يعتبرُ من أسمى حالات التجلّي والعرفان، فالأنثى بداية روح العاشق الحقيقي وختامها. أما العنصر الثاني الذي تشكلت منه لوحة الغلاف، فهو العنوان الذي جاء بلونٍ واحد وهو الأحمر، فله رموزٌ ودلالات، فإنّ هذا اللون يرمز للحبّ، ويقال أيضاً أنّه يرمز للإنتماء، كما يرمز التحدّي، والقوّة، والدفء، والطاقة الإيجابية، والآليات الرئيسية للبقاء، وهو من الألوان الأكثر وضوحاً وتميزاً ولفتاً للانتباه. إنّ الأشياء ذات اللون الأحمر تبدو أقرب مما هي عليه فعلاً، يسرّع اللون الأحمر دقّات القلب، وينشط غريزة الصراع لأجل البقاء، إنّ اختيار الفرد للّون الأحمر شعاراً له يجعله مليئاً بالحيوية والحركة. وإنطلاقاً من كلّ ما سبق فهو اللون الأنسب ليشعل جذوة كلمة العشق على غلافِ هذا الكتاب الذي يحمل بين صفحاتهِ عشقاً عفيفاً عنيفاً منيفاً يضرمُ شرارة الروحانية بصفاوة ورفق. وما يتعلق بكتابة كلمة (أسماء) بحروف متباعدة عن بعض يرمز إلى إحتمالين؛ الأول هو دليل على كل إسمٍ لحالهِ بحيث يأخذ كل واحدٍ جزءاً مشرقاً من تلك الكتلة العظيمة الزاخرة بالضياء (العشق). والثاني هو أن يكون المراد بكلمة (أسماء) إمرأة بهذا الإسم، بحيث يريد الكاتب أن يضرب عصفورين بحجر، يقصد فتاة تدعى (أسماء) ويوهم القارئ بذلك في النظرة الأولى ليكتشف بالخاتمة أنه يقصد شيئاً آخر. ونحن نرجحُ الإحتمال الأول فالخاتمة خيرُ دليلٍ على ذلك.
أما العنصر الثالث وهو اللوحة المتكاملة للغلاف بكلّ ما فيها ذو طابعٍ كلاسيكي وهو دلالة مؤكدة للرجوع إلى نقطة البداية والأصالة وتأمل المرأة بعينين رائعتين تطير منهما اللآلئ و إرتسام الشفة المفتوحة قليلاً ـ جعلتها تفيضُ إغراءً، ويزيدُ تحديق المرء وإستنشاقهِ نسائم عطرة من صَبا الحب، فالشفة هي أداة التقبيل، والقُبلة هي الوسيلة الأنقى لإتّقاد جمرات العشق الرغيد. والشال لا يرمز لشئ سوى العفّة والعشق المليء بطهر الإيمان وهو ما نجدهُ بين الكثير من السطور في هذا الكتاب.
ومن خلال تآزر وتآلف عناصر لوحة الغلاف بهذه الجمالية البديعة والجذابة نجح الأديب في وضع القارئ ضمن دائرة العشق وتجلّياته الذي ينبضُ في قلب النصوص الموجودة في الكتاب.
النقطة الثالثة: الإهداء والمدخل
الإهداء عتبة تتلخص فيها مقصد الأديب وتزيح الستار عن المعطيات المعرفية والشعورية للكاتب بأسلوبٍ آسر وبجُمل ذلقة ومملوءة بالبلاغة العالية وطافحة بالتفنّن والإقتضاب الطليق، فعتبة الإهداء جُمل قصيرة جداً تحمل في جوفها كل الزوايا من (العشق أسماء) ـ والمدخل نفس الشيئ. جاءت الإهداء في هذا الكتاب بأسلوب رزين ملآنة بالأناة وتبدأ بكلمة (عذراً) فهو إعتذارٌ حقيقي للمعشوقة، فكما قلنا من قبل أنه سلّم أمره كليّاً للعشق (عذراً .. كيف أهديكِ شيئاً وهو ملكٌ لكِ من الألفِ إلى الياء).
والمدخل جاء ليزيد من شهيق الإهداء بجملة وضّاحة ويربك دقات قلب القارئ أكثر بمعانٍ رائقة في منتهى الحب (أنتِ .. لا يشبهكِ شيء سوى أغنيةٍ لم تغنّها فيروز).
الكاتبُ ضليعٌ في الإسحواذ على قلوب القراء لاسيما الفتيات منها، عمل على إستفزاز وإغواء القارئ بشكلٍ يجرّه نحو قعر الكتاب لينجلي له ملمح تلك المرأة بين الشذرات والخواطر. إن هذا الإهداء والمدخل بؤرة العمل الذي تقعُ فيها أكثر النصوص الموجودة في الكتاب، إلى أن يجعلنا نفكر بأن المرأة هي إسمها (عفراء) إلى أن نقرأ الخاتمة ونغير مسار هذا التفكير.
النقطة الرابعة: نصوص الكتاب
في هذه النقطة نتوقف على جمالية عناوين النصوص في هذا الكتاب، وتلك العناوين تشكلت من سبعة وثلاثون نص، بين النصوص الطويلة والقصيرة، وبعض النصوص عبارة عن مجموعة من الشذرات والومضات.
موزعة على سبعة فصول متسلسلة، بحيث الفصل الأول والثاني والثالث والسادس يتضمن كل واحدٍ منهم ستة نصوص، والفصل الرابع والخامس يتضمن كل واحد منهما خمسة نصوص والفصل السابع يتضمن نصين ثم تأتي الخاتمة. إن هذا التقسيم وبهذا الشكل يساعد القارئ على عدم الضياع في مثل هذا الكتاب الذي يحوي الكثير من النصوص والشذرات.
هناك ترابطٌ واضح بين النصوص من خلال بعض المفردات المكررة التي عملت كشرايينٍ متدفقة بين نص وأخرى ومن ضمن هذه المفردات (اللازورد، السلاف، العسجد، الغمّازة، عفراء).
اختيار عناوين
إن الأديب تفوّق في إختيار كثير من العناوين لتكون غير تقليدية وذات دلالات مثيرة وإختيار بعضها لأهميّة وقع الكلمة على القلب، فعشق الغمازات يأخذ القارئ إلى شذراتٍ بهية عبر (لم تخلق غمّازتاها عبثا) الذي يحكي عن تلوّع العاشق بغمازة معشوقهِ وتلخّص رحلة هذا الشغف من خلال خمسة وعشرين شذرة مفعمة بالمشاعر الشاجنة ” من الذي جعل نوافذ جَناني بين الجوانح تتفتحُ نحو العالم، من الذي أخذ شاعرية الفتى الموشوم على خُرطوم الوطن للحرية إلى ضريحِ قيسٍ ورياض الهوى، من الذي جعلني أنتقد قصائد القلب المتيّم على وريقات الوله والهيام، غير حُفرتي كمينٍ ملغّمة بالإفتتان على زهرِ خدّيكِ وتسمّى غمّازة”. ثمّ بين النصوص التي تأتي نصل إلى (تراتيل النرجس) إنها نصوصٌ صغيرة كتبت بلغة شعرية عالية، ثلاثون محطة عشقية من أبهى ما تقرأ في هذا الكتاب، وأكثر ما يخالجكَ الإلمامُ بقراءة هذه النصوص القصيرة بلاغتها الهيفاء وحضور القافية في كلّ نص ـ ها هُنا يحادثكَ عن التوق للتلاقي ويحول بينهم المستحيل “أنتِ هناك، وأنا هنا نحو أعتاب الجحذى أمضي، كئيب الجَنان، سديمٌ وفزع الردى فيّ يتصعّد .. تعالي، يا ندى الأمانى .. ولكن، أيّ لقاءٍ فالشمسُ موتٌ والبنفسجُ أسود”.
إن رومانسية الأديب ارشد العاصي خامرت بأحاسيسه الضامرة فخلقت عناوين زاهرة ونصوصاً بهيجة، أنظر إلى هذه الجماليّة الخلابة (عناقيد من الياسمين ـ بين سريناتا الشوق وسمفونية الإنتظار ـ عشرون منديلاً من حرير الروح) وحين سطع شمسُ فؤاده المشتاقة وألهب كلّ جوارحه جاء ليكتب عن أنوثة معشوقتهِ، فأثمر كلّ ذلك نصاً عظيماً يقومُ على إشعال العواطف ونيران الرغبة.
وتتوالى النصوص إلى حيث النص الأخير (عفراء) وهنا تلقى أبلغ ما في هذا الكتاب، وبذلك ظلم الكاتب كلّ قراءه حين وضع نص (عفراء) في آخر الكتاب، إن هذا النص لا يقرأه قارئ هادي ولا يُقرأ بشكلٍ عادي بل وحتى لا يجوز أن يُقرأ في مكانٍ عادي أيضاً ـ نصّ يتعدّى حدود القصيدة، مجرّد هذا العنوان الملفت والإسم الفريد يشعركَ بأنكَ ستكون في رحلة رويّةٍ بكلّ المشاعر التي تحمله هذا النص العظيم.
إن (العشق أسماء) لن يستقرّ على إسمٍ بعينهِ وإن حاول، بل يشمل كلّ الأسماء، ولن يتوقّف هذه الرحلة المباركة طالما ينبضُ العشق في صدر الحياة، فتحوّل هذا العشقُ إلى فراشةٍ وتبصر الرياض وتنحني على زهرة ثم تذهب لتمكث عند أخرى، إن هذا العشق السرمدي، لن ترحل روائحه مهما كان، ويبقى عطرُ هذا الكتاب خالداً على ثوب الذكريات في ليالي العاشقين.

















