أبو بكر بن عياش الأسدي- 13-
كان يروي ويملي وظلت ثاوية في بطون الصحائف والمظان
شكيب كاظم
الفصل الثالث
مروياته التاريخية
قلت آنفاً إن قراءات ابن عياش القرآنية، وما انفرد به من قراءات ، فضلاً على مرويّاته التاريخية، مبثوثة في المصادر والمظانّ، وإذ وفقني الله تعالى لحصر قراءاته وجمعها، فإني أحاول النص على ما عثرت عليه من مرويّاته التاريخية، كي أحقق ما أصبو إليه في أن يكون كتابي هذا مرجعاً لكل من يريد دراسة ابن عياش، وثانياً لكي أعيده، إلى الواجهة العملية والمعرفية، بعد أن احتجب عنهما طيلة أكثر من عشرة قرون، لأنه لم يترك كتاباً خاصاً به ، بل ترك رواياته وقراءاته تأخذ سمتها نحو المظانّ، وتبقى ثاوية هناك، ومن خلال العودة إلى العديد من المصادر، فإني وجدت أن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ ) قد أشار إلى في كتابه تاريخ الرسل والملوك، المشهور والمعروف اختصاراً بـ (تاريخ الطبري) إلى عدد من مرويّاته ابن عياش ورجع إليها، آثرت تدوينها مرتبة وحسب ورودها الزمني، وكذلك كما وردت في أجزاء الكتاب وإذا لم ينص أبو جعفر الطبري على مرويّات لابن عياش في الجزءين الأول والثاني، فإني أبدأ ذلك بما ورد في الصفحة 433 من الجزء الثالث إذ “قال أبو جعفر، قد تقدم ذكرنا وقت عقد أبي بكر لعمر بن الخطاب الخلافة، ووقت وفاة أبي بكر، وأن عمر صلى عليه صبيحة تلك الليلة، فكان أول ما عمل وقال- فيما ذُكِرَ- ما حدَّثنا أبو كريب ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش، عن جامع بن شداد، عن أبيه؛ قال: لما استُخْلِفَ عمرُ صعدَ المنبر، فقال: إني قائل كلمات فأمِّنوا عليهن، فكان أول منطق نطق به حين استُخْلِف – فيما حدثني أبو السائب، قال: حدَّثنا ابنُ فضيل عن ضرار، عن حصين المري، قال: قال عمر: إنما مثل العرب، مثل جَمَلٍ أَنِفٍ إتّبَعَ قائِدَه، فلينظر قائده حيث يقود، وأما أنا فورب الكعبة لأحملنَّهم على الطريق”1.
لدى حديث الطبري عن وقائع السنة الثالثة والعشرين، ذكر ما يأتي: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا اسماعيل، قال: أخبرنا أيوب عن محمد، قال: نُبِّئْتُ أن رجلاً كان بينه وبين عمر قرابة، فسأله فَزَبَرَهُ، وأخرجه فَكُلِّمَ فيه، فقيل: يا أميرَ المؤمنين، فلانٌ سألكَ فزبرته وأخرجته، فقال: إنه سألني من مال الله؛ فما معذرتي إن لقيتُه ملكاً خائناً!، فلولا سألني من مالي! قال: فأرسل إليه بعشرة آلاف.
وكان عمر رحمه الله، إذا بعث عاملاً له على عمل يقول – ما حدَّثنا به محمد بن المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهدي، قال: حدَّثنا شعبة، [أي أبو بكر بن عياش] عن يحيى بن حضين، سمع طارق بن شهاب يقول: قال عمر في عمّ?اله: اللهم إني لم أبعثهم ليأخذوا أموالهم، ولا ليضربوا أبشارهم، من ظلمه أميرهُ، فلا إمرة عليه دوني.
وحدَّثنا ابنُ بشار، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عدي2? عن شعبة عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعْد?ن بن أبي طلحة، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه – خَطَبَ الناسَ يومَ الجمعة فقال: اللهم إني أُشْهِدُكَ على أمراء الأمصار، إني إنما بعثتهم ليعلِّمِوا الناسَ دينهم وسنة نبيهم، وأن يقسموا فيهم فيئَهم، وأن يعدِلوا، فإن أشْكَلَ عليهم شيء رفعوه إليّ.
وحدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عياش قال؛ سمعتٌ أبا حصين قال: كان عمر إذا استعمل العمال خرج معهم يشيعهم، فيقول: إني لم أستعملكم على أمة محمد r ? على أشعارهم ولا على أبشارهم؛ إنما استعملتكم عليهم لتقيموا بينهم الصلاة، وتقضوا بينهم بالحق وتقسموا بينهم بالعدل، وإني لم أسلّطكم على أبشارهم ولا على أشعارهم، ولا تجلدوا العربَ فتذلوها ولا تُجَمِّروها[جَمَرَ الجنودَ: حبسهم في أرض العدو ولم يقفلهم] فَتَفْتِنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرموها، جرِّدوا القرآن واقِلّوا الرواية عن محمد r ? وإنا شريككم ، وكان يقتص من عمّ?اله، وإذا شُكيَّ إليه عامل له جمع بينه وبينَ مَن شكاه، فإن صَحَّ عليه أمرٌ يجب أخذهُ به أَخَذه به3.
وكان عمرُ إذا أراد أن يأمر المسلمين بشيء أو ينهاهم عن شيء فما فيه صلاحهم بدأ بأهله، وتقدم إليهم بالوعظ لهم، والوعيد على خلافهم أمره، كالذي حدَّثنا أبو كُرَيب محمد بن العلاء، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ عياش، قال: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عمر بالمدينة، عن سالم قال: كان عمر إذا صَعِدَ المنبر فنهى الناسَ عن شيء جمعَ أهلَه فقال: إني نهيت الناسَ عن كذا وكذا وإن الناس ينظرون إليكم نَظَرَ الطير – يعني إلى اللحم- وأُقسم بالله لا أجدَ أحداً منكم فعله – وفي رواية. فعل ذلك – إلا أضعفتُ عليه العقوبة.
وحدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا أبو بكر عن عاصم [وأرى أنه عاصم بن أبي النجود] قال: استعمل عمرُ رجلاً على مصر، فبينا عمرُ يوماً مارٌ في طريق من طرق المدينة ، إذ سمع رجلاً وهو يقول: الله يا عمر أتستعمل مَنْ يخون وتقول : ليس عليَّ شيء، وعاملك يفعل كذا!
قال: فأرسل إليه ، فلما جاءه أعطاه عصا وجبةً صوفٍ وغنماً، فقال: إرْعَها – واسمه عياض بنُ غَنْم – فإن أباك كان راعياً، قال: ثم دعاه، فذكر كلاماً، فقال: إن أنا رَدَدْتُك! ! فرَّدَه إلى عمله، وقال: لي عليك أن لا تلبس رقيقاً ولا تركب بِرْذَوْناً4.
في أحداث السنة السادسة والثلاثين
وحدثني عمر ، قال حدَّثنا أبو الحسن، قال حدَّثنا أبو مخلف عن اسح?ق، بن راشد، عن عبّ?اد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: مشيتُ يوم الجمل وبي سبع وثلاثون جراحة من ضربة وطعنة، وما رأيت مثل يوم الجمل قط، ما ينهزمُ منا أحد، وما نحن إلا كالجبل الأسود، وما يأخذ بخطام الجمل أحد، إلا قُتِلَ، فأخذه عبدُ الرحمنِ بنُ عتاب فَقُتِلْ ، فأخذه الأسود بن أبي الَبخْتَري فَصُرِعْ، وجئت فأخذت بالخِطام، فقالتْ عائشةُ: مَنْ أنتَ؟ قلتُ عبد الله بن الزبير، قالت: وأُثْكلَ أسماء ! ومَرَّ بيَّ الأشترُ فعانقته، فسقطنا جميعاً، وناديت: “اقتلوني ومالكاً” فجاء الناسُ منا ومنهم فقاتلوا عنا حتى تحاجزنا، وضاع الخطام، ونادى عليُّ: اعْقِروا الجملَ، فإنه إن عُقِرَ تفرقوا، فضربه رجل فسقط، فما سمعت صوتاً قط أشدَّ من عجيج الجمل. وأمَرَ عليّ محمدَ بن أبي بكر، فَضَربَ عليها قبةً وقال: انظر هل وَصل إليها شيء فأدخلَ رأسه، فقالت: مَنْ أنتَ؟ ويلك ! فقال: أبغضُ أهلكِ إليك، قالت: ابن الخثعمية؟ قال: نعم ، قالت: بأبي أنت وأمي الحمد لله الذي عافاك5.
حدثني اسح?ق بنُ إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، قال: سمعتُ أبا بكر بن عياش يقول: قال علقمةُ: قلتُ للأشتر: قد كنتَ كارهاً لقتل عثمان رضيَّ الله عنه، فما أخرجكَ بالبصرة؟
قال: إن هؤلاء بايعوه ثم نكثوا- وكان ابنُ الزبير هو الذي أكره عائشة على الخروج – فكنت أدعو اللهَ عزَّ وجل أن يُلَقِّينِيه، فلقيني كفةً لكفة، فما رضيتُ بشدة ساعدي أن قمتُ في الركاب فضربته على رأسه فصرعته. قلنا: فهو القائل: “اقتلوني ومالكاً”؟ قال: لا ، ما تركته وفي نفسي منه شيئ، ذاك عبدُ الرحمن بنُ عتّ?اب بنِ أُسَيْد، لقيني فأختلفنا ضربتين، فَصَرَعَني وصَرَعْتُه فَجَعَلَ يقول: “اقتلوني ومالكاً” ولا يعلمون مَنْ مالك فلو يعلمون لقتلوني. ثم قال أبو بكر بن عياش: هذا كتابك شاهده6.
وتحتَ عنوان (بعثة الأشتر إلى عائشة بجمل اشتراه لها وخر وجها من البصرة إلى مكة) ينقل لنا الطبري حديث أبي كريب محمد بن العلاء، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدم عن أبي بكر بنِ عياش، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: لما فرغوا يوم الجمل أمرني الأشتر، فانطلقتُ فاشتريت له جملاً بسبع مئة درهم من رجل مَهْرة، فقال: انطلق به إلى عائشة فقل لها: بعث به إليك الأشتر مالك بنُ الحارث، وقال: هذا عوض من بعيركِ، فانطلقتُ به إليها، فقلتُ: مالكٌ يُقْرِئْكِ السلامَ ويقول: إن هذا البعير مكان بعيركِ، قالت: لا سَلَّمَ اللهُ عليه إذ قتل يَعْسوُب العرب – تعني ابنَ طلحة، وصَنَعَ بابن أختي [تعني: عبدَ الله بنَ الزبير، بن أسماء بنت أبي بكر الصديق] ما صنع!
قال: فردَدْتُه إلى الأشتر وأعلمتُه، قال: فأخرجَ ذراعين شعراوين وقال:
أرادوا قتلي فما أصنع؟!!7
ومن أجل ربط مروية أبي بكر بن عياش الأسديّ، مولاهم، بشأن مقتل عبد الله بن بقطر أخي الحسين بن علي (عليهما السلام) من الرضاعة، يوم سَرَّحه إلى مسلم بنِ عقيل من الطريق، وهو لا يدري أنه قد أصيب، فأنا أنقل ما ذكره الطبري في الجزء الخامس من تاريخه، الوارد تحت عنوان (ذكر سير الحسين إلى الكوفة) ما يأتي: قال أبو مخنف: حدثني أبو علي الأنصاري، عن بكر بن مصعب المزني قال: كان الحسين لا يمر بأهل ماء إلا اتبعوه، حتى إذا انتهى إلى زُبَالة، سَقَطَ إليه مقتلُ أخيه من الرضاعة، مقتل عبدُ الله بن بقطر، وكان سَرَّحه إلى مسلم بنِ عقيل من الطريقِ، وهو لا يدري أنه قد أصيب، فتلقاه خيلُ الحصين بن تميم بالقادسية، فسَرَّحَ به إلى عبيد الله بن زياد، فقال: اصعد فوق القصر فألعن الكذابَ ابنَ الكذاب، ثم أنزل حتى أرى فيك رأيي! قال: فَصَعَدَ فلما أشرف على الناس قال: أيها الناس، إني رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ذr ? لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة، بن سمية الدعي ، فأمرَ به عبيدُ الله فألقيَّ من فوق القصر إلى الأرض ، فكسرت عظامه وبقيَّ به رَمَقْ ، فأتاه رجل يقال له عبدُ الملك بنُ عُمَيْر اللَّخْمي فذبحه ، فلما عيب ذلك عليه قال : إنما أردت أن أريحه.
قال هشام: حدَّثنا أبو بكر بنُ عياش عمن أخبره قال: والله ما هو عبدُ الملك بن عمير الذي قام إليه فذبحه، ولكنه قام إليه رجلٌ جَعْدٌ طوال يشبه عبدَ الملك بنَ عمير.
قال: فأتى ذلك الخبر حسيناً وهو بزبالة، فأخرجَ للناس كتاباً فقرأ عليهم:
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: فإنه قد أتانا خبرٌ فظيع، قتل مسلم بن عقيل وهانئ ابن عروة وعبد الله بن بُقْطُر، وقد خذلتنا شيعتُنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام.
قال: فتفرق الناسُ عنه تفرقاً، فأخذوا يميناً وشمالاً، حتى بقيَّ في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة، وإنما فَعَلَ ذلك لأنه ظن إنما اتبعه الأعراب لأنهم ظنوا أنه يأتي بلداً استقامت له طاعةَ أهله، فكره أن يسيروا إلا وهم يعلمون علامَ يَقْدِمون، وقد علم أنهم إذا بين لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموتَ معه.
قال: فلما كان من السَّحَرْ أمرَ فتيانه فاستقوا الماءَ وأكثروا، ثم سار حتى مَرَّ ببطن العقبة فنَزل فيها.
وكان الحسين في طريقه إلى العراق قد التقى برجل من أهل الكوفة قد عَدِل عن الطريق حين رآه عليه السلام، فوقف كأنه يريده ، ثم تركه إذ رآه لا يريد محادثته،فلقيه في الطريق شابان من أسد، كانا بعد أن فرغا من أداء فريضة الحج، أقبلا تُرَتُل بهما ناقتهما هما يريدان اللحاق بالحسين في الطريق، فسألاه الخبر بعد أن سلما عليه وانتسبا له فإذا هو أسديٌ هو الآخر واسمه بكير بن المتعبة فأخبرهما بخبر مقتل مسلم بنِ عقيل وهانئ بن عروة، وإذ لحقا بركب الحسين أخبراه خَبَرَ الرجل ومقتل الرجلين، فقال عليه السلام: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليهما، فردد ذلك مراراً، لكن بني عقيل وثبوا وقالوا: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا، أو نذوق ما ذاق أخونا، أما الحسين عليه السلام فنظر إليهما فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء، ثم انتظر حتى إذا كان السَحَرْ قال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء فأستقوا وأكثروا، ثم ارتحلوا وساروا حتى انتهوا إلى زُبالة، وكان الحسين قد عزم له رأيه على المسير، ولم يفت في عضده خبر مقتل أصحابه، كذلك كان مسوقاً لتنفيذ إرادة الله، فإذا التقاه أحدُ الناس، سأل الحسينَ: أين تريد؟ فحدثه، فقال له: أُنْشِدُك اللهَ لمَّا انصرفت، فأجابه الحسين في حسم وغرم: يا عبد الله، إنه ليس يخفى عليَّ، الرأيُ ما رأيتَ ولكن اللهَ لا يُغْلَبُ على أمره، ثم ارتحل من العقبة يريد العراق.8
وينقل الطبري في الجزء السادس من كتابه (تاريخ الرسل والملوك) عند حديثه عن أحداث سنة 76 للهجرة وصفاً للمعارك التي خاضها الخوارج ضد الخلافة الأموية، إذ كان يقودهم صالح بنُ مُسَّرَّح، حتى إذا قتل هذا، بايع أصحابه شبيباً بن يزيد، ويسرد لنا خبَر دخوله الكوفة ومعه زوجته (غزالة) وما جرى بينهما من معارك، حيث كان على عسكر الدولة الأموية [سفيان بنُ أبي العالية] الذي طاعنه سُوَيد بنُ سُليم، فلم تصنع رمحاهما شيئاً، ثم اضطربا بسيفيهما، ثم اعتنقا، فوقعا إلى الأرض يعتركان، ثم تحاجزوا وحمل شبيبُ على العسكر الأموي، فانكشفوا وهرب ابن أبي العالية بجلده، ثم عين الحجاجُ سورة بنَ أبجرَ مكانه لقتال شبيب، وشبيب يجول في (جوُخى) وسورة في طلبه، فجاء شبيب حتى انتهى إلى المدائن، وانتخب سورة ثلاث مئة من أشجع أصحابه للإيقاع بشبيب، لكنهم يفشلون في ثلم قوة هؤلاء المقاتلين، ثم دعا الحجاج (الجَزلَ) وهو عثمان بنُ سعيد لملاقاة هؤلاء المارقة –على حد وصف الحجاج في كتاب التكليف إليه– فجعل (الجزلُ ) لا يسير إلاَّ على تعبية ولا ينْزل إلا خَنْدَّقَ نفسه خندقاً، فلما طال ذلك على شبيب بن يزيد، فدعا مئة وستين رجلاً من رجاله، فجعل على كل أربعين من أصحابه رجلاً، وهو في أربعين، وجعلَ أخاه (مص?اداً) في أربعين، وبعثَ سَوَيد بنَ سُلَيمْ في أربعين، وبعث المجلِّل بنَ وائل في أربعين فَحَملَ عليهم (مصاد) أخو شبيب في أربعين رجلاً ، وكان أمام شبيب فحملوا عليهم فهزموهم.
ثم بعث الحجاجُ على ذلك الجيش، (سعيدَ بن المجالد) الذي لم يأخذ للمر أهميته ولم يَحْتَطْ له بما يجب في الحروب حيث الكر والفر والخديعة والكتمان، إذ هاجمهم وهم متحصنون في مدينة (قَسْطُفْتا) وإذ تجمع العسكر أمام الباب يريدون كسره واقتحامه أمرَ شبيبُ بالباب ففتح وحَمَلَ عليهم قائلاً: (لا حَكْمَ إلا لِلْحَكَمِ الحكيم، أنا أبو مُدَلَّهْ) وثبت سعيدُ بنُ المجالد ونادى أصحابه الذين فروا لهول ما أصابهم: إليَّ إلي، أنا ابنُ ذي مران، فحمل شبيبُ عليه فعممهُ بالسيف، فخالطَ دِماغَه، فَخَرَّ ميتاً وانهزم ذلك الجيش، وقتلوا كل قتلة، حتى انتهوا إلى (الجزل) الذي كان رفض تهور سعيد بنَ المجالد وعدم استمكانه العدوَ كما يجب.
ثم إنهم اقتحموا المسجدَ الأعظمَ في الكوفة، وكان الحجاجْ قد شَخَصَ نحوها جواداً ، بعد أن استخلف عليها عروة بن المغيرة بن شعبة، ثم مضوا حتى خرجوا من الكوفة متوجهين نحو المردمَة.
قال هشام: قال أبو بكر بنُ عياش: واستقبله النضُر بنُ قعقاع بنِ شور الذهلي، وأمه ناجية بنتُ هانئ بنِ قُبَيْصَة الشيباني، فَأَبْطَرَهُ حين نظر إليه.
قال: يعني بقوله (أَبْطَرَهُ ) أفزعه، وفي نسخة ب، ف أمهله ) .
فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله؛ قال له سويد- وفي نسخة ب، ف فقال- مبادراً: أميرَ المؤمنين، وَيْلَك!! فقال: أميرَ المؤمنين. حتى خرجوا من الكوفة متوجهين نحو المردمة، وأمر الحجاج المنادي فنادى : يا خيل الله اركبي وابْشري، وهو من فوق باب القصر، وثم مصباح مع غلام له قائم، فكان أول من جاء إليه من الناس: عثمانُ بنُ قَطَنْ بن عبد الله بن الحصين ذي الغُصَّة ومعه مواليه وناسٌ من أهله، فقال: أنا عثمان بنُ قَطَنْ أعلِموا الأميرَ مكاني ، فليأمر بأمره (في نسخة، ب ، ف ، بمكاني فليأمرني) فقال له ذلك الغلام: قِف مكانك حتى يأتيكَ أمرُ الأمير، وجاء الناسُ من كل جانب، وبات عثمانُ فيمن اجتمع إليه من الناس حتى أصبحَ.
ثم إن الحجاج بَعَثَ بسْرَ بن غالبَ الأسديّ من بني والبة في ألفي رجل، وزائدة بنَ قدامةَ الثقفي في ألفيّ رجل وأبا الضريس مولى تميم في ألف من الموالي وأعْيَنَ -صاحب حمّ?ام أعْيَن مولى بِشْر بن مروان – في ألف رجل، وكان عبدُ الملك بنُ مروان، قد بعثَ محمدَ بنَ موسى بنِ طلحة على سِجِسْتان، وكتب له على عهده، وكتب إلى الحجاج: أما بعد: فإذا قَدِمَ عليك محمدُ بن موسى فجهِّز معه ألفيّ رجل إلى سجستان وعدِّل سراحه، وأمرَ عبدُ الملك، محمدَ بنَ موسى بمكاتبة الحجاج فلما قَدِم محمد بنُ موسى فجعل يَتَحَبَّسْ في الجهاز، فقال له نصحاؤه: تَعجَّلْ أيها الأمير (في نسخة، ب ، ف الرجل) إلى عملك فإنك لا تدري ما يكون من أمر الحجاج أو ما يبدو له ، فأقام على حاله وحدثَ من أمر شبيب ما حَدَث.فقال الحجاج لمحمد بنِ موسى بنِ طلحة بنِ عبيد الله : تلقى شبيباً وهذه الخارجة فتجالدهم ثم تمضي إلى عملكِ، وبعث الحجاجُ مع هؤلاء الأمراء أيضاً عبدَ الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كُرَيز القُرَشي وزيادَ بن عمرو العَتَكي، وخرج شبيبُ حيث خرجَ من الكوفة، فأتى المردمة وبها رجل من حضرَموْت على العشور، يقال له : ناجية بنَ مَرْثَدْ الحضرمي فدخل الحمّ?ام، ودخل عليه شبيب فأخرجه فَضَرب عنقه، واستقبل شبيبُ النَضْرَ بن القعقاع بن شور – وكان مع الحجاج حين أقبل من البصرة، فلما طوى الحجاجُ المنازل خلّفَهُ وراءه – فلما رآه شبيب ومعه أصحابُه عرفه، فقال له شبيب : يا نضرُ بنُ القعقاع لا حكمَ إلا لله – وإنما أراد شبيب بمقالته تلقينَه فلم يفهم النَّظرُ – فقال: “إنا لله وإنا إليه راجعون” فقال أصحابُ شبيب: يا أمير المؤمنين كأنك إنما تريد بمقالتك أن تُلَّقِنَهْ، فشدّوا على نضر فقتلوه.
قال: واجتمعت تلك الأطراف أسفل الفرات، فترك شبيبُ الوجهَ الذي فيه جماعةُ أولئك القواد، وأخذ نحو القادسية، ووجَّه الحجاجُ زَحْر بن قيس في جريدة خيل نقاوة ألف وثمان مئة فارس، وقال: اتبع شبيباً حتى تواقعه حيثما أدركته، إلا أن يكون منطلقاًَ ذاهباً فاتركه ما لم يَعْطف عليك، أو ينزل فيقيم لك، فلا تبْرح إن هو أقام حتى تواقعه، فخرج زَحر حتى انتهى إلى السَّلْيحين، وبلغ شبيباً مسيرهُ، فأقبل نحوه فالتقيا، فجعل زحرُ على ميمنته عبد الله بن كنّ?از النَّهْدي وكان شجاعاً وعلى ميسرته عديْ بن عديْ بن عُمَيْرة الكندي الشيباني، وجمع شبيب خيله كلها كبْكبَةٍ واحدة ثم اعترض بها الصف، فوجف وجيفاً، واضطرب حتى انتهى إلى زحر بن قيس، فنزل زحرُ بنُ قيس، فقاتل زحرُ حتى صُرِعَ وانهزم أصحابه، وظن القوم أنهم قد قتلوه ، فلما كان في السَّحَر وأصابه برد قام يتمشى حتى دخل قرية فباتَ بها وحُملَ إلى الكوفة وبوجهه ورأسه بضع عشرة جراحةً، ما بين ضربة وطعنة، فمكث أياماً، ثم أتى الحجاج وعلى وجهه وجراحه القطن ، فأجلسه الحجاجُ معه على السرير وقال لمن حوله: من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين الناس وهو شهيد فلينظر إلى هذا.
الحاشية
– تاريخ الطبري. تاريخ الرسل والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (224-310هـ) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، سلسلة ذخائر العرب (30 ) مطبعة دار العارف . ط الرابعة و1979 ج3 ص433.
2 -ص203 الجزء الرابع – م.ن
– 3 ص204 الجزء الرابع – م.ن
4 -ص206. الجزء الرابع م.ن
5 – ص519 الجزء الرابع. م.ن
6 – ص 520 الجزء الرابع. م.ن
7 – المصدر نفسه. ج الرابع ص 541. ص 542.
8 – المصدر نفسه، الجـــــزء الخامس ص381 ص399.

















