العائلة والكوارث لحسين سرمك حسن
دليل ميداني يتداخل فيه الطبي مع الإجتماعي والنفسي
ناطق خلوصي
بغداد
صدر مؤخرا عن دار تموز للطباعة والتوزيع كتاب ” العائلة والكوارث ” ترجمة واعداد الدكتور حسين سرمك حسن ( وسنشير اليه مؤلفا لان سمة التأليف واضحة في الكتاب ليقدم للعوائل والمختصين والمعنيين بشؤونها دليلا ميدانيا يتداخل فيه ماهو طبي بما هو اجتماعي وماهو نفسي معا.والعائلة المعنية هنا هي العائلة العراقية التي واجهت – ومازالت تواجه – العديد من المصائب والكوارث.فقد اهدى المؤلف كتابه الى ” الهة الصبر والتحمل المعجز : الام العراقية.اما في المقدمة فيقول ” لقد تحملت العائلة العراقية، خلال العقود الاخيرة، ضغوطا كارثية من كل الانواع : الحرب والاسر والطلاق والموت والامراض المزمنة والبطالة، ثم ظهرت ضغوط جديدة ذات اثار شديدة الخطورة لم يواجهها المجتمع منها ادمان الشباب على العقاقير وكارثة الاغتصاب ” وهي كوارث فعلية لاتستلزم التعرف عليها حسب وانما دراستها دراسة علمية ايضا، وقد فعل الكتاب ذلك، وكان محقا حين رد اسباب اغلب هذه الكوارث الى الحروب التي عانت منها العائلة العراقية على وجه الخصوص.يشير المؤلف على الغلاف الاخير للكتاب، في مقطع مجتزا من المقدمة، الى انه ” على الرغم من كل الضغوط التي تعرضت لها العائلة العراقية.لم اجد كمتخصص في الطب النفسي دليلا نظريا وعمليا يعالج هذه المحن بصورة مبسطة، ويحدد السبل الناجحة التي تعين العائلة على التعامل المقتدر والعلمي مع نتائج هذه الازمات.وقد قمت بترجمة واعداد هذا الدليل الميداني باسلوب مبسط مدعم بالامثلة العملية وبالاحصاءات ونتائج البحوث العالمية الحديثة ليسد النقص في هذا المجال ” وليس غريبا ان يأتي الكتاب بهذا التفحص العلمي الشامل فالمؤلف طبيب يحمل الماجستير في الطب النفسي وقد كان على تماس مباشر مع الحرب وافرازاتها وانعكاساتها النفسية والاجتماعية حين عمل في الخطوط الامامية من جبهات القتال.اما السنوات التي قضاها خارج العراق خلال سنوات الاحتلال فلم يقضها بطرا بعيدا عن وطنه وبمعزل عن الاحساس بالماسي التي يعيشها شعبه.لقد قضاها في سوريا وسط عشرات الالوف من العراقيين الذين هاجروا قسرا ولم يتغلغلوا في النسيج الاجتماعي السوري ويذوبوا فيه بل كونوا مجتمعا عراقيا مهاجرا ظل محتفظا بخصائص سماته الاجتماعية وانعكاسات افرازات كوارث الداخل عليه وقد اضيفت اليها كارثة الهجرة القسرية، وربما كان مطلوبا من المؤلف ان يضيف الهجرة القسرية الى الكوارث التي تناولها ويفرد لها فصلا خاصا بها في كتابه مادام قد عاش التجربة بنفسه، وربما كان مطلوبا منه ايضا ان يضيف كارثة الحصار الذي كان قد فرض على العراق، الى قائمة كوارثه مادام هذا الحصار قد استطال الى اكثر من عشر سنوات وترك من الاثار السلبية ما لا يقل حجما عن حجم اية كارثة تناولها.
يقع الكتاب في 244 صفحة من القطع الكبير تتوزعها مقدمة وتسعة فصول تتناول الثمانية الاخيرة منها الكوارث التي اوردها ضمن عنوان الكتاب، اما الاول فقد خصصه للتعريف بالكارثة علميا ونفسيا، واورد في كل فصل من فصول الكتاب مثالا تطبيقيا مستلا من الواقع، موظفا خبرته كروائي وناقد في صياغة تقترب من لغة السرد مشفوعة باقتدار واف على التحليل وقدرة عالية على التوصيل.انه يقدم من خلال هذه الامثلة دراسات تطبيقية يحلل بها الحالة التي يجسدها المثال بمنظور نفسي بالدرجة الاساس بحكم تخصصه الطبي .
يعرف المؤلف الكارثة في الفصل الاول فيقول انها ( حادثة مفاجئة وغير متوقعة ومهددة للحياة عادة : لنا او لفرد مهم لنا، وبسبب ظروف تجعل الناجي منها يشعر بعجز شديد جدا، وبمقدار كاف من الاضطراب، فان الحادثة سوف تمزق نظام وطراوة حياة الناجين، وتسبب شعورا بالخراب والاضطراب والخسارة المصحوبة بذكريات تفصيلية ودائمة عن الحادثة قد تستدعى اراديا او لا اراديا ) ومن اجل توضيح التأثير طويل الامد للكوارث فانه يورد نماذج لبعض التجارب الكارثية من خلال قراءته برؤية علمية ونفسية، تعتمد ما توصل اليه علم النفس الفسيولوجي،لهذه التجارب التي عاشها الناس.ويعود فيضيف الى تعريف الكوارث قوله “هي تلك الحوادث الهائلة التي تجعلنا نشعر بفقدان السيطرة على مقدراتنا وبالعجز (رغم انها قد تكون وجيزة جدا ) وتخيفنا وتؤلمنا وتترك في نفوسنا اثرا دائما لسنوات عديدة مقبلة “.ويشخص هذا الفصل التأثيرات النفسية السلبية للكوارث ” التي تكون في نفس الوقت حادة مثل اضطرابات النوم والكابة، ومزمنة مثل العزلة الاجتماعية والصراعات الشخصية وتشوش ادراك الذات والاخرين والرهاب والزور والاختلال الوظيفي الجنسي “، فضلا على المشكلات الصحية التي تواجه الفرد والعائلة معا.
في الفصل الثاني يتناول الكتاب كارثة الحرب التي هي ام الكوارث في الواقع، فمن بين الكوارث “التي تصيب البشرية، لا يوجد شيء يؤثر جذريا على غالبية المجتمع مثل الحرب “.لقد عنون المؤلف هذاالفصل ب ” كارثة الحرب عندما تنتقل المعركة الى البيت ” ليؤكد على التأثير المباشر للحرب على العائلة، مستعرضا ضغوط الحرب النفسية على عائلة المقاتل فضلا على ضغوطها على المقاتل نفسه.يقول وهو يستعرض هذه الضغوط ان وقود الحرب ” ليس الابناء المقاتلين فقط بل الاباء والامهات والزوجات والابناء المرتبطين بهم ايضا ” ويشخص ابرز افرازات هذه الضغوط على المقاتل نفسه متمثلة بالخوف على النفس وعلى الاخرين الذين معه والشعور بالخسارة والفقدان والشعور بالعجز والاحساس بالتدمير والخراب وافرازات الاعراض المرتبطة بهذه الضغوط والتي تسمى ” عصاب الحرب ” او ” عصاب الصدمة “.اما افرازاتها على العائلة فتتمثل في القلق والخوف الدائم على المقاتل الغائب والانعكاسات النفسية لهذا القلق والخوف الى جانب الاحساس بالفراق والانفصال والتغيرات التي تحصل في شبكة العلاقات الاجتماعية، ويستعرض بعد ذلك المشاكل التي تواجه المقاتل بعد انتهاء الحرب فيما يخص اسرته او عمله لاسيما ان اقتصاديات البلدان بعد الحرب تكون في حالة انحدار وتدهور،الى جانب المخاطر الصحية والنفسية عند اسرى الحرب او معوقي الحرب بشكل خاص ومايترتب على ذلك من احتمالات تغير الادوار داخل العائلة فضلا على مشكلات التوافق شخصيا وعائليا التي يواجهها المقاتل بعد عودته ومايترتب على ذلك من اشكالات التكيف اجتماعيا.ويختتم الفصل بالتوصيات التي يقدمها الاختصاصيون لمعالجة مثل هذه الاشكالات النفسية – الاجتماعية – ومنها ان من المهم ” ضم شبكة علاقات المحارب الى نظام العلاج … ممثلة بعائلته وبشكل خاص زوجته وفي بعض الاوقات اطفاله ” بهدف معالجة افرازات التغير الذي حصل على المقاتل وعلى عائلته معا.
وتشكل كارثة الموت مادة الفصل الثالث من الكتاب ولا شك في ان هذه الكارثة تنطوي على بعد عام تصيب العوائل في كل مكان، وتتميز وتتداخل في اسبابها مع كوارث اخرى مثل الحرب والمرض.ويشخص المؤلف الكرب كأحد الافرازات الرئيسة لهذه الكارثة ويحدد مصادره بمطاولة الموت او حدوثه في اعقاب ازمات كربية اخرى وعدد الترتيبات التي تتطلب الاهتمام بعد الموت ( ترتيبات الدفن وتصفية تركة المتوفي )، ويتوقف عند طرق التكيف مع مرحلة ما بعد موت احد افراد العائلة للتخفيف من تأثيرات الاسى المترتبة على الموت .
يكرس المؤلف الفصل الرابع لكارثة الاسر، وهي كارثة ترتبط ارتباطا مباشرا بكارثة الحرب وتتداخل معها، وهي احدى افرازاتها الرئيسية في الواقع.يقول انه بالرغم من “ان تجارب الاسر تكون مشابهة للكوارث الاخرى في بعض الجوانب، الا انها تختلف جذريا في كون الضغوط الناتجة عنها على العوائل وافرادها تكون طويلة وغير محددة “.وتتمثل هذه الضغوط بطول الانتظار وغموض الموقف والخوف على الاسير الغائب بل حتى على افراد العائلة.وما ينتج عن ذلك من متغيرات سلبية : نفسية وجسدية واجتماعية.ثم يتوقف عند وسائل تكيف العائلة مع ضغوط الاسر، فيصنف التكيف الى صنفين : سلبي وايجابي مع القاء الضوء على كل صنف.وهو يرى ان جزأ كبيرا من عبء كارثة الاسر يقع على زوجة الاسير التي ستواجه بدور الاب \ الزوج، الصعب والمركب بالنسبة لطبيعتها،فضلا على دورها كأم، ويشير الى انعكاسات ذلك على صحتها لاسيما حين تكون فترة الاسر طويلة وغير محددة فيستعرض هذه الانعكاسات النفسية والجسدية.وضمن افرازات مرحلة مابعد الاسر، يشير الى تصاعد نسبة الطلاق في عوائل الاسرى العائدين.ويتوقف هذا الفصل عند انعكاسات الاسر على اطفال الاسير ووالديه.فقد بينت الدراسات ” ان الابوين يعانيان بصورة مختلفة عن الزوجات والاطفال “.ويختتم الفصل باقتراح برامج التعامل مع عوائل الاسرى، مع خمسة جداول تلقي الضوء على حجم انعكاسات حالة الاسر على الزوجة جسديا ونفسيا واجتماعيا.وتشكل كارثة الطلاق، وهي من الكوارث العامة التي لاينفرد بها مجتمع من المجتمعات، مادة الفصل الخامس في الكتاب يقول فيه المؤلف ” ان هناك انواعا مختلفة من الطلاقات وان كلا منها يرتبط بتحديات وصراعات محددة “، وان تزايد عدد حالات الطلاق في المجتمعات وبنسب متصاعدة ( عدد الرجال والنساء الذين يتعرضون ويتعرضن للطلاق في الولايات المتحدة يبلغ 2،4 مليون رجل وامرأة سنويا ) يدعو الى دراسة اسبابه ونتائجه ايضا، ويشير الى الانعكاسات النفسية والاجتماعية المدمرة على الزوجين وعلى الاطفال الذين يجدون انفسهم في مواجهة متغيرات جديدة عليهم.ثم يتوقف عند مسألة الهجر العاطفي وانعكاساتها النفسية السلبية على المرأة، وعند العوامل التي تساعد على شفاء المهجور من صدمة الطلاق من خلال التدخل بالمساندة والعلاج التعليمي واعتماد المواجهة والمكاشفة وغير ذلك.
يرى المؤلف ان البطالة محنة وليست كارثة وهو محق في ذلك، فيخصص الفصل السادس لتناول هذه المحنة التي تتجلى في الدول الصناعية بشكل خاص، لكن مردوداتها تتجلى بشكل اوضح في المجتمعات الفقيرة في ظل غياب قوانين الضمان الاجتماعي في مواجهة البطالة.يشير الكتاب الى “ان للبطالة المفاجئة وغير المتوقعة تأثيرات مدمرة على الافراد والعوائل.انها تسبب مجموعة من التوترات في حياة الفرد ونظام العائلة دون فرصة للتهيؤ نفسيا او ماليا ….. وقد اظهرت العديد من الدراسات، ولعقود عديدة، صلات قوية بين معدلات البطالة ومؤثرات الصحة العقلية والجسدية “.وهو يحدد مصادر التوتر الناشئ عن البطالة بالمصاعب المالية وفقدان المعيل، لاسيما حين تطول مدة البطالة وعند غلق المصانع الكبيرة بشكل خاص، وغير ذلك من العوامل .ويختتم الفصل بتوصيات عامة واخرى للاختصاصيين حول مايمكن فعله للتخفيف من الاثار السلبية للبطالة ومساعدة العائلة على الابلال من الازمة.يخصص الكتاب فصله السابع لمحنة المرض المزمن الذي يعرف بأنه ” اضطراب ذو مسار متطاول قد يكون مستفحلا مميتا او مصحوبا بمدة حياة طبيعية نسبيا رغم ضعف الفاعلية الجسدية والعقلية ” .ومرض مثل هذا يتطلب عناية طبية مركزية مثلما يفرض اعباءا على العائلة نفسية ومادية، مثل ضرورة تقديم اطعمة خاصة وزيادة الاعباء المالية واحتمالات الحاجة الى تغيير مكان السكن بما يقتضيه العلاج الطبي فضلا على احساس العائلة بالاسى
ويتوقف الفصل الثامن عند مشكلة ادمان المراهقين على الكحول والعقاقير وربما تشبها بابائهم الذين كانوا يتعاطون الخمر او يستخدمون العقاقير.ويفاقم هذه المشكلة تعاطي المراهقين والشباب المخدرات باعداد كبيرة احيانا كما يحدث في المدارس الامريكية على سبيل المثال، ويحمل الكتاب العائلة مسوؤلية هذه المشكلة الخطيرة، وربما بسبب ضعف رقابتها او عدم الاهتمام بالابناء المراهقين فيقول ان ” الاستخدام الابوي للعقاقير والكحول هي مؤثرات قوية على استخدام المراهق للعقاقير والكحول.بالاضافة الى ذلك فأن المراهقين الذين يشيرون الى فقدان الحميمية والمساندة والتعاطف من قبل ابائهم يكونون اكثر ميلا للبدء بتعاطي العقاقير والاستمرار فيه ” كما يشير الى الانعكاسات السلبية المترتبة على الادمان.
ويأتي الفصل التاسع الذي يحمل عنوان “كارثة الاغتصاب : استجابات الفرد والعائلة ” مكملا نوعيا لفصول هذا الكتاب المهم.ولان موضوعة الاغتصاب حساسة فان التعرض لها ينطوي على حساسية اجتماعية خاصة تفضي احيانا الى التستر على العديد من الحالات مما قد يضعف فرص دراستها علميا بصورة كاملة.يدحض هذا الفصل حقائق ومفاهيم اجتماعية حول الاغتصاب ويقدم تعريفا به وبالاثار النفسية والاجتماعية المترتبة عليه، ذلك ” ان التأثير العنيف للازمة متزامنا مع الخجل والهوان الناجم عن وصمة الكارثة تؤثر بشدة على سلوك وشخصية ضحية الاغتصاب ” ” وتربك نظام حياة واليات التوافق الضرورية لاستقرار العائلة وتماسكها “
ويختتم الكتاب بدراسة تحمل عنوان ” تشويه الذات بين الشباب العراقيين ” مع ذكر المراجع التي اعتمدها المؤلف.ان اهمية كتاب ” العائلة والكوارث ” تدعو ليس الى قراءته حسب وانما دراسته ايضا من قبل المؤسسات المعنية لاعتماده دليل عمل في مواجهة هذه الكوارث ووضع الحلول الممكنة في ضوء مااقترحه المؤلف.
























