عبد الرزاق صالح
حينَ أرحلُ ….!
مَنْ يرسلُ قصائدي للنحر؟
مَنْ يرى الخفاشَ في الظلام؟
هل عادَ الخفاشُ مرَّةً ثانية؟
حينَ أرحلُ …..!
بحرُ العواصفِ يهدأ
وتستكين الرِّياحُ
ينزلُ الفارسُ عن صهوةِ الرِّيحِ
يُقَبْلُ كفوفَ الماءِ
يسكبُ قارورةَ الحزنِ على أرضِ المراثي!
حينَ أرحلُ…..!
مَنْ يرسلُ الفراشاتِ خلفي؟
مَنْ يرشُ عطراً على نعشي؟
مَنْ يسكبُ الرَّحيقَ على قبرٍ موحشٍ؟
مَنْ يفتشُ في ملابسي عن خيطِ نزيفٍ؟
مَنْ يعرضُها للضوءِ؟
صومعتي ستكونُ قفراءَ كالقبرِ!
وقصائدي هاجعةً في الظلِّ
أو تُساقُ للجلدِ!
حينَ أرحلُ…..!
مَنْ سيفقدني أولاً
زهرةٌ يانعةٌ في بلادي
خُلقتْ من رضابِ العشقِ
كآلهةِ الجمال؟
أمْ وردةٌ حمراءُ في بلادِ الغربةِ؟
ماذا تقولُ المهيمنة؟
هل تنتحبُ في خفوتٍ؟
أمْ تصطلي بنارِ اللوعةِ!؟
على قدرِ عريِّ الكلماتِ!؟
حينَ أرحلُ …….! سيفقدني شطي الحزين
وطيني الثمين!
والبحرُ الهادرُ
سيفقدني الحنينُ
وصوتُ الرَّاعي الرَّخيم
ستفقدني سباقاتُ الجنونِ ، وتبكي حدودُ المنونِ!
وتصرخُ المسافاتُ: رَحلَ شاعرُ المسافاتِ
حينَ أرحلُ ……….!
ستفقدني حواري البصرة
وحاناتُ الزَّمنِ
وصحفُ الماضي الدفين
سيفقدني ظلّي البائس!
ستفقدني خطواتي!
ستفقدني حورياتُ الأرضِ
وفردوسي المفقود!
هل تصهلُ خيولُ الرَّغبةِ في غيابي؟
هل تبكي السَّنا لجنازتي !
ماذا تقولُ سناءُ الرافدينِ عندما ترى ذلكَ الصمتَ المهيبَ؟
عزلةٌ كونيةٌ
في التوحدِ.. في البعدِ
في قرارِ الموتِ
في الصمتِ الرَّهيبِ
في همسِ الملكوتِ
أبقى وحيداً
أعزلاً! إلّا من كفنٍ يموت!
حينَ أرحلُ……!
مَنْ يلتفتُ لجنازةِ شاعرٍ؟
مَنْ يمشي خلفَ تابوتٍ صموتٍ؟
حينَ تدقُ الساعةُ ثلاثاً
وعقاربُ الوقتِ تمضي بطيئةً
كانسكابِ الدموعِ!
خلفي يصهلُ فرسُ الوداعِ
وأمامي قبرٌ يشتاقُ لحضنِ جسدٍ نحيلٍ!
وقُبَّراتٌ تنوحُ قُربَ جَدثٍ جديدٍ
وتبقى فاكهتي المشتهاةُ مُعلقةً بينَ القبرِ والقبرِ!
حيثُ صيحاتُ المودعين تصمُّ آذانَ الهواء!
الحفاةُ قادمونَ من بلدٍ مذبوحٍ من النحرِ إلى النحرِ!
وأنتِ ساكبةُ الدموعِ
لا تغرقينَ في لُجةِ الصمت!
البحرُ أمواجهُ عاتية
و(قرارةُ الموجةِ) نشيجٌ قديمٌ لنازك كاهنة الشِّعر
كوني حانيةً حينَ يمرُّ المساءُ خاطفاً المسراتِ
وأنا شبحٌ في ظلِّ الموتِ
لا أمرُّ في الدربِ هذا المساءِ
لِمَ هذا العويل!؟
الفقدانُ سرُّ الوجودِ
وأنتِ صاحبةُ الحانةِ
مُنشدةُ أغاني الوداعِ
وقد مرَّ كلكامش من هنا
سالكاً دربَ رفيقهِ انكيدو
صارخاً: لا خلودَ ، لا خلودَ ، لا خلود
حينَ أرحلُ …….!
ماذا يبقى غيرَ ظلٍّ صموت؟
وتصبحُ مراثٍ
أغاني القُبَّراتِ
وقربانُ الشمسِ يتحولُ طائراً مغربياً!
ويبكي السّومري بينَ الجنوبيينَ
في ليلةِ الهبوبِ
تُحبسُ ذكرياتي في قفصٍ!
وتهربُ قصائدي إلى (بيا)
تنامُ في حضنِ الدانوبِ
وتفترشُ حدائقَ صوفيا
وتَمرُّ على حورياتِ( فارنا)
وفي جزيرة (ماركريت ـــ سيتا) تعلنُ خبرَ موتي لنادلةٍ صغيرةٍ شقراء!
وتطيرُ فوقَ مقهى (مرمرة) في اسطنبول
ترسمُ خارطةَ شِعري على أرضِ الأناضول
هذا قدري الملعون
في خفةِ الطيرِ
مضتْ سنواتُ الضِّياعِ
بينَ الطينِ والطينِ
حينَ أرحلُ…………!
مَنْ يرصفُ جليدَ الوقتِ ؟
مَنْ يبكي لرقصةِ الوداعِ؟
مَنْ يفتشُ حقيبةَ الزَّمنِ؟
مَنْ ينشدُ المزاميرَ؟
مَنْ يشدو في الحدائقِ ، أُغنياتي؟
حينَ أرحلُ…….! سابقاً ظلّي.
























